|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثاني والأربعون : نظرية روبنشتين حول وحدة النشاط والوعي سيرغي ليونيدوفيتش روبنشتين (1889 –1960) هو مؤسس ثاني مدرسة في علم النفس السوفيتي. ولد وترعرع في مدينة أوديسا. وبعد أن أتمّ دراسته الثانوية عام 1908 سافر إلى فراييورغ بألمانيا ودرس في جامعتها فصلين دراسيين. ثم انتقل إلى مدينة ماربورغ ليواصل دراسته الجامعية فيها. وبعد تخرجه من الجامعة بدأ نشاطه العلمي، فكتب عام 1914 مقالاً بالألمانية تحت عنوان "نحو دراسة مشكلة المنهج" " EINE STUDIE ZUM PROBLEM DER METHOD" وقد اعتمد على هذا المقال في كتابة أطروحته التي حصل بها على شهادة الدكتوراه. وفي تلك الآونة عمل في برلين. وعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى رجع إلى بلده ليعمل مدرساً في ثانويات أوديسا، ثم محاضراً في قسم الفلسفة بجامعتها. وخلال المراحل الدراسية اطلع روبنشتين على العديد من النظريات الفلسفية القديمة منها (الأفلاطونية، الارسططاليسية..) والجديدة (الكانتية، الهيغلية، الوضعية..). وقد ساعد تكليفه فيما بعد بتدريس تاريخ الفلسفة والمنطق ونظرية المعرفة في علم النفس في جامعة أوديسا، ومن ثم المدخل إلى الفلسفة في معهد البوليتكنيك في زيادة خبرته وتعميق معارفه الفلسفية. وعقب وفاة لانج عين روبنشتين أستاذاً في قسم علم النفس في معهد التربية الوطنية. وفي عام 1922 كتب مقالاً عن لانج وأعقبه بآخر عن "مبدأ النشاط الذاتي الإبداعي: الأسس الفلسفية للتربية المعاصرة". وتضمن مقاله الأخير إشارات واضحة إلى مدخله الجديد الداعي إلى تناول الوعي من خلال النشاط. وفي عام 1926 أصبح روبنشتين مديراً للمكتبة العلمية المركزية في أوديسا. ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 1928 كلّف بمهمات علمية زار خلالها خاركوف وموسكو وليننغراد وألمانيا واطلع على الحركة العلمية السيكولوجية في المراكز المختصة. وفي عام 1930 انتقل إلى مدينة ليننغراد. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من نشاطه العلمي استمرت حتى عام 1946. وقد أسهم خلالها بقسط وافر من تنظيم عدد من المؤسسات العلمية، ودأب على بلورة أفكاره واستكمال جوانب نظريته في النشاط. وتجسد ذلك في عدد من الأعمال، أبرزها كتاباه: "أسس علم النفس" (1935) و"أسس علم النفس العام" (1940)، ومقالاه: "مشكلات علم النفس في أعمال ك. ماركس" و"مسألة مراحل الملاحظة" اللذان نشرا عام 1934 و1939 على التوالي. ويضاف إلى ذلك عمله في معهد "غيرتسن" للتربية في لينغراد نفسها وإشرافه على قسم علم النفس الذي كان يضم آنذاك مجموعة من الباحثين النشيطين أمثال ف. ن. مياسيشيف وف. س. ميرلين وأ. أ. لوبلينسكايا ون. ف. نيكيتينا، الذين اهتموا منذ تأسيس القسم عام 1925 بمشكلات تربية الطفل والقياس النفسي، وقد نشروا في هذا الحقل عدة دراسات، منها "المدرسة العملية من منظور علم النفس" و"التقويم التربوي للطفل" (أ. ب. بولتونوف، 1926) و"سلم قياس الذكاء عند الأطفال في سن ما قبل المدرسي" (أ. أ. لوبلينسكايا، 1926) و"التطبيق العملي لنظرية الاختبارات السيكولوجية" و"سلم قياس الذكاء عند تلاميذ المدرسة" (أ. ب. بولتونوف، 1927). ولعلّ ما يميز هذه المرحلة هو أنها كانت مليئة بالحوارات والمناظرات التي لعبٍ قسمٍ البيدالوجيا (وهو القسم الآخر الذي كانت تتألف منه كلية التربية والذي ترأسه باسوف) دوراً هاماً فيها. ولقد تجلى ذلك على نحو خاص في المحاضرات التي كان يلقيها باسوف حول علم النفس ويدافع من خلالها عن سلوكية واتسون، وردود روبنشتين على آرائه وانتقاداته للمبادئ التي بُنيت عليها هذه النظرية. ويضاف إلى هذا انضمام روبنشتين مع بداية الثلاثينيات إلى هيئة المخبر السيكولوجي الذي كان يعمل فيه كل من ل. فيغوتسكي ود. ب. إلكونين. ومن ثم تكليفه برئاسة قسم علم النفس التربوي إثر ضم معهد التربية العلمية إلى معهد التربية عام 1934. وفي عام 1935 أنشئ مخبر آخر للدراسات السيكولوجية تابع لقسم علم النفس في الكلية، مما أتاح لروبنشتين فرصة الاطلاع على النشاط العلمي التجريبي. وفي الوقت الذي انصرف فيه إلى إعداد مؤلَّفه "أسس علم النفس" وضع بالتعاون مع ف. مياسيشيف وأ. بولتونوف كتاباً بعنوان "علم النفس في الغرب". وإبان حصار القوات الألمانية لمدينة ليننغراد استمر روبنشتين في نشاطه. وعكف خلال أشهر شتاء 1941 و1942 على مراجعة كتابه "أسس علم النفس العام" وإعداده للطبعة الثانية. ومع حلول ربيع 1942 نقل إلى موسكو ليدير معهد علم النفس التابع لجامعة موسكو. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ترأس روبنشتين قطاع علم النفس في معهد الفلسفة لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي. واستطاع من هذا الموقع أن يجمع حوله عدداً من الباحثين وفي هذه الأثناء ألف كتاباً جديداً أسماه "الأصول الفلسفية لعلم النفس". وكان من المقرر أن يصدر هذا الكتاب عن دار النشر التابعة للأكاديمية. ولكنه لم يطبع بسبب إدانة صاحبه بتهمة تحريف علم النفس السوفيتي وتشويهه. وقد جاءت هذه الإدانة بعد سلسلة من الدورات التي أقامها معهد علم النفس ومعهد الفلسفة لمناقشة "أسس علم النفس العام" وخلال عامي 1948 و1949 أعفي روبنشتين من جميع مناصبه العلمية والإدارية. وبقي يمارس نشاطه خارج المؤسسات العلمية والتعليمية حتى وفاة ستالين في الخامس من آذار (مارس) عام 1953. وقد كرس جهده خلال تلك السنوات والسنوات التي تلتها لتطوير نظريته. وفي هذا الباب صدرت له مجموعة من المؤلفات: "الوجود والوعي" (1957) "والتفكير وطرائق دراسته" (1958) و"أسس وطرائق تطور علم النفس". كما وضع كتاباً بعنوان "مشكلات علم النفس العام". ولكنه لم ينشر إلا بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً. يعتبر روبنشتين علماً من أعلام علم النفس السوفيتي، وواحداً من أبرز الداعين إلى إعادة بنائه على أسس الفلسفة المادية الجدلية والتاريخية، والذين عملوا على إرساء دعائم مدخل النشاط والفاعلية في دراسة النفس، ووضع حجر الأساس الفلسفي للحتمية الذي أقيمت عليه نظرية الشخصية. تعرّف روبنشتين منذ صباه على أعمال ماركس، ولا سيما "رأس المال" وربما كان لصلته بصديق والده غ. بليخانوف دور في توجهه نحو دراسة مثل هذه المؤلفات، ورغبته في إغناء الجانب الفلسفي والسيكولوجي من التعاليم الماركسية. وقد تجلّت هذه الرغبة في محاولته التي لم تدم طويلاً، والمتمثلة في وضع كتاب ضخم حول الأسس الفلسفية والسيكولوجية للتربية. حيث توقفت هذه المحاولة عند صدور مقاله "أسس النشاط الذاتي الإبداعي" الذي تناول فيه علاقة النشاط بالشخصية، وقدّم من خلاله صيغة أولية لمبدأ وحدة الوعي والنشاط. ومما جاء فيه بشأن هذا المبدأ قوله: "وهكذا فالذات لا تتكشف وتتجلى في أعمالها، وفي وقائع نشاطها الذاتي المبدع فحسب، بل تتكون وتتحدد فيها. ولذا فإن بالإمكان تعيين ما هي عليه بما تفعله، وتحديدها وتشكيلها لذاتها باتجاه نشاطها" (روبنشتين، 1986). لقد استأثر مفهوم النشاط باهتمام روبنشتين وجهده على امتداد مراحل حياته العلمية. وما كان يعنيه هذا المفهوم بالنسبة له في بداية الأمر هو: - أنه نشاط الذات حصراً، وبه يتميز الإنسان عن الحيوان والآلة ويتفوق عليهما. - أنه تفاعل الذات والموضوع، ولذا فهو، بالضرورة، مادي وواقعي وذو محتوى، وليس رمزياً أو صورياً أو متوهماً. - أنه نشاط مبدع دوماً. - أنه نشاط مستقل، ولكن استقلاليته لا تتعارض أبداً مع تعاون الذات والغير، ولا تتنافى مع النشاط المشترك لأفراد المجتمع. ومما يلاحظ عبر هذه المعاني التي حملها روبنشتين لمفهوم النشاط هو حرصه على إبراز الارتباط الوثيق بين الفرد وأفعاله وأهمية ذلك في حياة الشخصية. ولعلّ هذا التصور يحمل في طياته نقداً موجهاً إلى أصحاب النزعة المثالية الذين يرفضون وحدة الشخصية. فموقف الفيلسوف الإنكليزي هيوم ومن سار في ركابه قاد إلى ظهور علم النفس الوظيفي الذي يرى أن النفس تتكون من مجموعة من الأجهزة أو الوظائف التي تنفصل إلى هذا القدر أو ذاك عن الذات، وينفصل، بالتالي بعضها عن بعض. ويتساءل روبنشتين عما إذا كان بمقدورنا أن نتصور حدوث الأفعال والتصرفات عن جانب أو جزء من الشخصية دون مشاركة الجوانب أو الأجزاء المتبقية. ويجيب على هذا التساؤل بالنفي، ويرى أن من المستحيل قبول مثل هذا الافتراض ولو للحظة واحدة، معللاً رفضه له بأن الأفعال والتصرفات لا تصدر إلا عن الإنسان، والإنسان هو الذي يقوم بها وينفذّها، وهو الذي يتحمل تبعاتها ونتائجها. ويذهب روبنشتين في طريقه لوضع مدخله إلى أبعد من ذلك، ويقترب أكثر من تقديم تفسير واضح لتلك العلاقة بعد إطلاعه على "مخطوطات عام 1844 الاقتصادية –الفلسفية" لماركس والتي صدرت باللغة الروسية ما بين عامي 1927 و1932. فعلى قاعدة النقد الذي وجهه ماركس في تلك المخطوطات إلى الفلسفة بصورةٍ عامة، والديالكتيك الهيغلي بصورة خاصة، وفي ضوء الأفكار المتعلقة بعلم النفس التي تضمنتها، ومقارنتها بتلك التي تضمنها "رأس المال" كتب مقاله "مشكلات علم النفس في أعمال ماركس"، وعرض فيه نظرية ماركس حول الذات ونشاطها، وحاول تطويرها في الاتجاه الذي يستجيب للشروط التي آمن بضرورة توفيرها من أجل حل مشكلات علم النفس وتجاوز أزمته النظرية والمنهجية. فقد رأى أن وجود هذه الأزمة مقترنٌ بنفي علم النفس الاستبطاني لمقولة النشاط وعلم النفس السلوكي لمقولة الوعي. وبعد استعراضه لموقع أبرز علماء النفس، أمثال ك. بيولر و و. شتيرن وه. فالون ول. ليفي وج. بياجيه وك. كارنيلوف ول. فيغوتسكي في علم النفس والحلول التي اقترحها كل منهم للخروج من تلك الأزمة دعا روبنشتين إلى إعادة النظر في فهم الوعي والنشاط والعلاقة بينهما. واقترح أن يكون الفهم الماركسي للنشاط الإنساني نقطة الانطلاق في هذا السبيل. إن العمل أو النشاط والوعي أو النفس، في تصور ماركس، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً في المجرى الطبيعي لحياة الأفراد. ومن هذه الزاوية يتناول روبنشتين الوعي في صلته بالنشاط الذي يكتسي في كافة ألوانه وأنواعه ومستوياته طابعاً اجتماعياً. وبذا يصبح الوعي، في اعتقاده، نتاجاً اجتماعياً. كتب يقول: "إن العلاقات الاجتماعية هي تلك التي يشترك فيها الإنسان أو الشخصية وليس فقط أعضاء الحس أو بعض العمليات النفسية. فالتأثير الحاسم للعلاقات الاجتماعية للعمل في تشكّل الشخصية لا يتمّ إلا بصورة غير مباشرة وعبر الشخصية" (روبنشتين، 1983). وحينما يشدد روبنشتين على كلية الشخصية وتكامل جوانبها، فإنه يرد على ادعاءات بعض العلماء الذين كانوا يعتقدون وقتذاك أن النفس الإنسانية، ولا سيما عند الطفل تشتمل على مستويين أو نمطين من الوظائف: 1- وظائف طبيعية دنيا ( التذكر اللاإرادي، عمليات التفكير الحسية البسيطة...إلخ)،. 2- وظائف ثقافية اجتماعية عليا (التذكر الإرادي، استعمال الرموز في حل المسائل والمشكلات المختلفة، التعميم، التجريد...إلخ). ومن الواضح أن مثل هذا التقسيم يتعارض مع النظرة الكلية للشخصية بوصفها ذات النشاط وحاملة البناءات النفسية المختلفة. وسبب هذا التعارض لا يكمن في عملية التقسيم بحد ذاتها أو المصطلحات المستعملة فيها، وإنما في الحاجز المصطنع والوهمي الذي يُقام بين نمطي الوظائف، وتجريد الأول منهما من ارتباطاته وعلاقاته بالحياة الاجتماعية. ويتفق روبنشتين مع القائلين بأن النفس في مختلف مراحل العمر تتألف من وظائف عليا وأخرى دنيا، ولكنه يرى أن الملاحظة الدقيقة والتحليل العميق يبينان الطابع الاجتماعي الذي تحمله كل ظاهرة نفسية. فالإنسان، منذ الطفولة الأولى، هو، في اعتقاده، كائن اجتماعي، يوجد في منظومة محددة في العلاقات الاجتماعية. وهنا يستعيد روبنشتين مبادئ المذهب الاجتماعي الفرنسي ويقابلها بتعاليم ماركس. وفي هذا السياق يشيد بفضل دوركهايم على علم الاجتماع معتبراً إياه أوّل من قال باجتماعية الوعي الإنساني بعد الماركسية وخارج تأثيرها. كما أنه لم يخف إعجابه بأصحاب هذا المذهب وبآرائهم في طبيعة التغيرات الكمية والنوعية التي تطرأ على الوعي خلال تطوره الاجتماعي التاريخي، وفي أن هذه التغيرات لا تقتصر على محتوى مظاهر الوعي فحسب، بل وتتعداه إلى شكلها وبنيتها. ولعل الاختلاف النوعي بين الخصائص النفسية للإنسان البدائي والإنسان المعاصر أوضح مثال على ذلك. فالتطور التاريخي للوعي لا يرجع، في رأي علماء الاجتماع الفرنسيين، إلى تطور وعي الفرد، وإنما إلى التغيرات الاجتماعية والبناء الاجتماعي برمته. وإلى جانب ما يتضمنه هذا التصور من اعتراف بالجوهر الاجتماعي لتطور الوعي الإنساني يُلاحِظ روبنشتين أن علماء الاجتماع الفرنسيين لم يذهبوا في تحليلهم للطابع الاجتماعي إلى المدى الذي يمكنهم من فهمه فهماً موضوعياً عميقاً. ويرى أن هذا هو ما جعلهم يُرجعون نشأته وتطوره إلى التصورات الجمعية والمعتقدات والقيم السائدة في المجتمع، أي إلى الوعي الاجتماعي (1)، ويسقطون من حسابهم النشاط المادي الإنساني الذي يعكس الصراع مع الطبيعة، ويحقق في كل لحظة إنجازاً جديداً يقود حتماً إلى نشوء علاقات اجتماعية جديدة. وهذه العلاقات هي الشرط اللازم لتطور الأفكار والقيم والمعتقدات الاجتماعية. لقد جاء نقد روبنشتين للمذهب الاجتماعي الفرنسي ضمن سياق تعزيز مبدأ وحدة النشاط والشخصية. وفي هذا الصدد يرى أن هذا المبدأ يتجسد أيضاً في وحدة جميع الأفعال التي يتألف منها النشاط والدوافع التي تكمن وراءها والأهداف التي تسعى لتحقيقها بوصفها صادرة عن الشخصية ومحركات لها. ومن هذا المنظور درس روبنشتين ومساعدوه الإدراك والتذكر والتفكير والكلام والانفعالات عند الإنسان. وأخضع المعطيات التي أسفرت عنها تلك الدراسات إلى تحليل دقيق انتهى من خلاله إلى وضع مخطط فلسفي وسيكولوجي للنشاط ومكوّناته الرئيسية (الدوافع، الأهداف، الأفعال، العمليات..) ويتضمن كتابه "أسس علم النفس" الخطوط الأولية لذلك المخطط، حيث تبرز فيه المكونات السيكولوجية الرئيسية لنشاط الذات وارتباطاتها القوية بعضها مع بعض. وهذه المكونات هي الفعل (باختلافه عن الحركة والاستجابة) والعملية والتصرف والهدف من النشاط والدافع إليه وشروطه. ويؤكد روبنشتين أن أياً من هذه المكونات لا يمكن معرفته أو تحديده من الناحية السيكولوجية إلا من خلال علاقته بالنفس. ووفقاً لهذا المخطط فإن الأفعال والتصرفات التي تؤلف بمجموعها سلوك الإنسان تحمل طابعاً واعياً وإرادياً خلافاً لما رآه السلوكيون من أن السلوك ليس سوى مجموعة الاستجابات الآلية الصادرة عن الفرد. كما أن تلك الأفعال والتصرفات تتسم بالإيجابية والفعالية في مواجهة العالم الخارجي. وقد وجد روبنشتين أن هذه السمة تتكون أثناء نشاط الفرد في وسطه المادي والاجتماعي. فمن غير الممكن أن تحقق الشخصية وجودها من غير النشاط المادي داخل المجتمع، كما يظن بعض علماء النفس، وفي مقدمتهم الغشتالتيون. وموجز القول أن محور الاهتمام في مخطط روبنشتين يتمثل في تتبع دور المجتمع في السلوك، وإبراز الصبغة الاجتماعية لمكونات النشاط. وهذا ما يتكشف بوضوح تام من خلال التغيرات والتطورات التي تطرأ على تلك المكونات وارتباطاتها البينية. فالفعل، كما يقول روبنشتين، لا يصبح تصرفاً إلا بعد أن تبدأ العلاقات الاجتماعية الواعية بالذات الفاعلة وبالآخرين بتنظيمه، أي بعد تكوّن الوعي الذاتي. لقد وجدت أفكار روبنشتين في منتصف الثلاثينيات بعض التأييد في الأوساط العلمية، واستقطبت عدداً من الباحثين السوفيت، وخاصة في مدينة ليننغراد. وهذا ما حفزه على المضي في مواصلة تطويرها. فقام ومساعدوه بسلسلة أخرى من الدراسات التي ألفّت معطياتها ونتائجها المادة الأساسية لكتابة "أسس علم النفس العام" بطبعته الأولى. ويحاول روبنشتين في هذا العمل أن يكشف عن العلاقة الجدلية بين الأفعال والعمليات من جهة، والدوافع والأهداف من جهة ثانية. وفي هذا الشأن وجد أن الدوافع والأهداف هي التي تُكسب النشاط بُعدَه السيكولوجي، وتضفي على منظومة الأفعال التي تؤلف بنيته الصبغة الواعية والإرادية. وأن وحدة النشاط تتبدى عبر هذه العلاقة في وحدة أهداف الذات ودوافعها. ويتوقف روبنشتين أثناء تحليله الفلسفي –السيكولوجي عند الفعل، ويُحلّه منزلة هامة بين عناصر النشاط، ويعتبره الوحدة أو الخلية الأساسية لعلم النفس. وفي هذا يقول: "إن الاعتراف بالفعل كـ "خلية" أساسية لعلم نفس الإنسان لا يعني بالطبع أن الفعل هو مادة علم النفس... فعلم النفس لا يدرس الفعل بأكمله، ولا يدرس الفعل وحده فقط. وإنما الاعتراف بالفعل كـ "خلية" أساسية لعلم النفس يعني أن بإمكان التحليل السيكولوجي أن يكتشف في الفعل بدايات كافة عناصر علم النفس" (روبنشتين، 1940، 143). وممّا يجدر قوله هو أن نظرية وحدة النشاط والوعي وصلت إلى ذروة تطورها عندما رجع روبنشتين في نهاية الأربعينيات وخلال الخمسينيات إلى موضوع التفكير، وتناول بالبحث عمليات التحليل والتركيب والتجريد والتعميم كمركبات للنشاط العقلي. وقد قاده بحثه إلى الكشف عن ارتباط هذه العمليات بالدافعيّة وبسمات الشخصية الأخرى. وعلى هذا الأساس توصل إلى نتيجة مفادها أنّ التفكير الإنساني ليس نشاطاً تقوم به الذات وحسب، بل وعمليات يتمكن الإنسان بواسطتها من تحديد عناصر الموقف الإشكالي وتجاوزه. ولعله ليس أمراً صعباً أن ندرك بوضوح أن الخيط الذي ربط به روبنشتين أفكاره يبدأ وينتهي بقوانين المادية الجدلية، ويمرّ عبر الحتمية التي تعتمد عليها. وعبر قراءاته للأدبيات السيكولوجية وجد أنه ما من نظرية سيكولوجية إلا وتعتمد على مبدأ الحتمية. ولكن لكل منها فهماً خاصاً لهذا المبدأ تنطلق منه وتبنى عليه. فالنظريات التي تقول بأن المنبهات الخارجية تحدد بشكل مباشر نتائج تأثيراتها على الإنسان بصرف النظر عن خصائصه ومواقفه وحالاته، إنما تنطلق من الحتمية الآلية. والنظريات التي ترى أن النفس البشرية تتكون بصورة تلقائية وبفعل قوانين داخلية محددة سلفاً، فإنها تنطلق من مبدأ الحتمية أيضاً، ومن فهمها الآلي له. وعلى الرغم من الاختلاف الظاهري بين النظريتين، فإنهما تنطلقان –كما هو واضح –من فهم متماثل (آلي) لمبدأ الحتمية. وخلافاً لهذه النظريات انطلق روبنشتين من الفهم المادي الجدلي لمبدأ الحتمية. فبدت له الظواهر الكونية مرتبطاً بعضها ببعض إلى حدّ يؤدي معه أيُّ تغير في إحداها إلى تغير في الأخرى، بل وأن هذا التغير إنما يجسد التفاعل القائم فيما بينها، فأي تأثير لواحدة منها على الأخرى لا يتم بصورةٍ آليةٍ ومباشرةٍ، وإنما من خلال الخصائص الداخلية لتلك الظاهرة التي يقع التأثير عليها. وهذا التأثير غير المباشر يحدث على النحو المذكور بسبب ما تتمتع به الظواهر من فاعلية تجعل العلاقات بينها علاقات تفاعل وتأثير متبادل. وفي ضوء هذا الفهم يتوجه روبنشتين لمعالجة المشكلات النظرية الأساسية في علم النفس، ومنها مشكلات الشخصية في المقام الأول. وبعد أن يبرز أخطاء النظريات السابقة ونقائصها ينصح بالعودة إلى نقطة البداية لوضع أساس منهجي جديد، وصياغة تصور واضح المعالم ومحدد الأبعاد عن العوامل الخارجية والعوامل الذاتية والعلاقة المتبادلة بينهما بغية تجاوز تلك الأخطاء في المستقبل. وقد جعله ذلك يرى في الشخصية خاصية الفعل والتأثير إلى جانب قابليتها للانفعال والتأثر. وهذا ما يتجلى في توسط سماتها لاستجاباتها النشطة على المثيرات الخارجية. فلو لم يكن للشخصية خاصيتها هذه، ولو لم يختلف الناس في قدراتهم وخبراتهم وحالاتهم النفسية لتماثلت استجاباتهم وأفعالهم. ولو لم يكن للحالة النفسية والخبرة دورهما الفعال في استجاباتنا، لما اختلفت استجابات أحدنا على نفس المنبه في الزمان والمكان. وهذا يعني باختصار أن الشروط المحيطة بالشخصية تؤثر فيها بشكل غير مباشر عبر سماتها وخصائصها الداخلية. وهكذا فالنفس تعكس العالم الخارجي، وهذا الأخير يحدد النفس بصورة غير مباشرة وعبر عملياتها المختلفة (الإدراك، التفكير...) وحالاتها الانفعالية ودوافعها. ويشير روبنشتين هنا إلى أنَّ عملية الانعكاس تتم بأشكال مختلفة وبدرجات أو مستويات متفاوتة. فهي تبدأ بالحس والإدراك الحسي وتنتهي بالتفكير. وفي المستوى الأخير (التفكير) ينعكس الواقع الموضوعي في النفس بصورة أشمل وأعمق من انعكاسه في المستوى الأول (الإدراك الحسي). فبينما يحدث الإدراك الحسي نتيجة تأثير الموضوعات الخارجية على الحواس أثناء النشاط العقلي للإنسان، يتم التفكير عن طريق تحليل المعطيات الناجمة عن النشاط الحسي وتعميمها وتجريدها. وللنشاط النفسي الإنساني عند روبنشتين خصوصيته التي رآها متمثلة في تفاعل الإنسان ليس مع الواقع الذي يدركه بحواسه فقط، بل ومع منظومة المعارف والتجارب التي تراكمت في مجرى التطور الاجتماعي، والمثبتة بصورة موضوعية في الكلمة. ولعلَّ اقتران التطور النفسي للفرد باستيعابه المعارف والتجارب التي جمعتها البشرية عبر تاريخها المديد هو التعبير الواضح عن الشرطية الاجتماعية للنفس الإنسانية. ويضيف روبنشتين إلى ذلك أنَّ استيعاب المعارف والتجارب والتطور النفسي عند الإنسان هما عملية جدلية يتبادل فيها السبب والنتيجة الأدوار والمواقع باستمرار. فكل واقعة استيعاب لهذه المعارف تقتضي مستوى مناسباً من التطور النفسي كشرط داخلي لازم لحدوثها. كما أنها تؤدي، بدورها، إلى استحداث شروط داخلية جديدة لاستيعاب معارف أخرى في المستقبل. وأثناء استيعاب الإنسان لمنظومة معارف أولية تحوي في داخلها منطقاً موضوعياً محدداً يتكون لديه نظام منطقي يجعله قادراً على استيعاب منظومة جديدة من المعارف الأكثر تقدماً وتعقيداً. ويلاحظ روبنشتين هنا أن إغفال هذه العلاقة الجدلية بين الشروط الداخلية والشروط الخارجية هو السبب الأساسي الذي يكمن وراء التصور الناقص لتشكل النشاط العقلي وتطوره عن طريق استدخال الأفعال الخارجية الذي وضعه فيغوتسكي. ويستخلص روبنشتين مما تقدم أن التطور النفسي عند الإنسان لا يتحقق إلا من خلال تفاعل الإنسان المتطور مع المحتوى الموضوعي لمنظومة الخبرات الاجتماعية. وأن الأفعال مع موضوعات العالم الخارجي تلعب دوراً هاماً في المراحل الحياتية الأولى للإنسان. فالطفل يتعلم عن طريق تلك الأفعال أساليب استعمال الأدوات التي ابتكرتها البشرية. وفي المراحل اللاحقة يضطلع الاستيعاب غير المباشر لنتائج الممارسة الاجتماعية عن طريق المعرفة بالدور الحاسم في عملية التطور النفسي. وفي هذا الباب يجيء رد روبنشتين على أصحاب الاتجاه الوظيفي الذي ذهب فيه إلى أن ما يستوعبه الفرد من معارف يرفد الوعي ويدخل في نظامه. وعلى هذا فالمجتمع لا يوجه تطور الوعي فقط، وإنما يحدد وظائفه أيضاً. وإذا كانت مهمة روبنشتين، كما حددها في "أسس علم النفس العام"، هي إقامة علم نفس ماركسي، فإنه أناط أداء هذه المهمة بحل مشكلات ثلاث: 1-التطور النفسي، 2-علاقة النشاط بالوعي، 3- تجاوز المذهب الوظيفي. ولذا نجده يفرد لمعالجتها الجزء الأكبر من مؤلفه المذكور ومن أعماله اللاحقة، ويجعل منها مركز اهتمامه ونشاطه. وطبقاً لما جاء في تقرير ب. تيبلوف ول. شفارتس حول "أسس علم النفس العام" فإن روبنشتين استطاع أن يعرض عناصر الديالكتيك في عملية التطور النفسي بالاعتماد على المعطيات العلمية. ولكنه لم يوفق في معالجته للموضوع المطروح، فجاءت آراؤه في أغلب المواقع أقرب إلى الإنشاء الأدبي منها إلى التركيز على الجوهر ومعاينته وفحصه. ومما لا شك فيه هو أن روبنشتين واحد من أبرز رواد مدخل النشاط في دراسة النفس الإنسانية. وأنه بذل جهداً كبيراً من أجل إرساء قواعد هذا المدخل. ومع ذلك فإن النقاد والمؤرخين السوفيت، وفي مقدمتهم صاحبا التقرير لم يعثروا في أعماله على الحل المناسب لمشكلة تجاوز المذهب الوظيفي. ورغم دفاعه عن جدلية العلاقة بين الوعي والنشاط، ومساعيه الحثيثة لإثبات وحدتهما، فإنه، حسب تصورهم، لم يقدم بديلاً مقنعاً، الأمر الذي أضفى على حملته ضد علم النفس الوظيفي طابعاً إعلامياً أكثر منه علمياً. وبصرف النظر عن تلك الانتقادات فإن إسهام روبنشتين في إقامة علم النفس على أسس جديدة داخل الاتحاد السوفيتي واضح، ومشاركته في تطوير هذا العلم على المستوى العالمي أمر لا يرقى إليه شك. (1)- يذهب دور كهايم إلى أن ما هو اجتماعي يستمد وجوده من التصورات. ويقرر ليفي برول أن العلاقات الاجتماعية هي وليدة الوعي الاجتماعي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |