|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثالث والأربعون : نظرية تيبلوف في الشخصية ولد بوريس ميخائيلوفيتش تيبلوف عام 1896. وبعد دراسته الثانوية التحق بكلية التاريخ والفلسفة في جامعة موسكو. ولكنه اضطر إلى قطع دراسته والانضمام إلى الجيش الروسي عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى. ولم يتسن له الرجوع إلى الجامعة واستئناف دراسته فيها إلا بعد انتهاء الحرب الأهلية. وفي عام 1921 حصل على الشهادة الجامعية التي مكنته من العمل في عدد من المراكز العلمية التابعة للجيش الأحمر. وفي عام 1929 أجرى بحوثه العلمية الأولى في مخابر معهد علم النفس التابع لجامعة موسكو. وعلى أساس المعطيات التي جمعها خلال سنوات عديدة أعد رسالته "سيكولوجية القدرات الموسيقية"، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1940. ظل تيبلوف يواصل عمله في معهد علم النفس حتى وفاته عام 1965. ومنذ بداية الخمسينيات ركز اهتمامه نحو دراسة خصائص الجملة العصبية عند الإنسان باعتبارها الأساس الفيزيولوجي للفروق بين الناس. وأنشأ لهذه الغاية مخبراً استقطب عدداً من الباحثين المتحمسين. وقبل أن يتحول اهتمام تيبلوف إلى دراسة الشخصية وخصائص النشاط العصبي العالي واختلاف الناس فيها أظهر ميلاً نحو دراسة تاريخ الفكر الإنساني، ولاسيما الفكر السيكولوجي. ففي أعماله الأولى تناول تاريخ علم النفس السوفيتي وحركته المتنامية في العشرينيات. وكان هدفه من عمله هذا هو المشاركة في إرساء قواعد جديدة لعلم النفس، مستمدة من التعاليم الماركسية ـ اللينينية. وبدا ذلك واضحاً في مقاله: "صراع ك.ن.كارنيلوف بين 1923 و1925 من أجل بناء علم النفس على أسس الماركسية".(1) فقد أشاد بموقف كارنيلوف، واعتبره أول من دعا إلى إقامة علم نفس ماركسي، وسعى إلى تحديد مهمة هذا العلم، ووضع منهجه في ضوء فهمه للفلسفة الماركسية. إلا أنه وجد أن نظرية كارنيلوف شبيهة بانعكاسية بختيرف. ونظر إليها باعتبارها محاولة للتوفيق بين مبادئ الماركسية و الأفكار الميكانيكية. وخلص تيبلوف في نهاية تحليله إلى أن غياب الفهم العميق للماركسية هو السبب في التناقض الصارخ بين نظرة كارنيلوف إلى أزمة علم النفس ومشكلاته من جهة، وبين مادة دراسته المتمثلة في سرعة الاستجابة وقوتها من جهة ثانية. كما تجسد مسعى تيبلوف لإقامة علم نفس جديد في نقده لمدارس علم النفس. فقد وجد أن بعضها استبعد ماهو خارجي أو موضوعي في الوعي، بينما نفى البعض الآخر الجانب الداخلي والذاتي منه. وحمل على علماء النفس السوفيت الذين استقبلوا أفكار تلك المدارس وتقبلوها، بل وروّجوا لها ودافعوا عنها دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة تحليلها ومناقشتها، والبحث عن عيوبها وتناقضاتها. وفي دراسته للوعي ذهب تيبلوف مذهب علماء النفس السوفيت المجددين. فوجد أنه نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته، وأن له جانبين: الأول خارجي، ظاهري، والثاني داخلي، باطني. وهذان الجانبان مترابطان ومتكاملان، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. ومن هذا المنطلق حدد تيبلوف موقفه من نظريات علم النفس. وانتقد ما اعتمد منها على أحد جانبي الوعي وأهمل الجانب الآخر. ومن بين تلك النظريات نظرية التحليل النفسي. فقد توقف عند مظاهرها المختلفة وأشكالها المتعددة. وتفحص أصولها والمفاهيم التي بنيت عليها. واستوقفه منها مفهوم اللاوعي الذي يعدَّ القاسم المشترك بين مختلف تيارات التحليل النفسي ومفتاح فهم الشخصية في نظر زعماء وممثلي تلك التيارات. ويعتبر النقد الذي وجهه تيبلوف إلى التحليل النفسي والغشتالتية أحد الشروط الهامة لبناء نظريته في الفروق الفردية. لقد رفض تيبلوف أن تكون القوى اللا واعية العمياء (الجنس، الموروث الاجتماعي، الشعور بالنقص...)، هي وحدها التي توجه أفعال الفرد وتصرفاته. كما رفض النظرية النمطية التي صاغها أصحاب النزعة التحليلية النفسية على خلفية النظرة السلبية للإنسان وبنائه النفسي (تيبلوف، 1947). إن سبب اختيار تيبلوف لمشكلة الشخصية والفروق الفردية لتكون مادة نشاطه العلمي في المرحلة اللاحقة يكمن في أنها تؤلف قطب الرحى بالنسبة لعلم النفس. فعلى الرغم من تنوع الدراسات النفسية، وتعدد فروع هذا العلم، فإن مسألة الشخصية وعوامل تكونها وتطورها تظل الهدف النهائي لجميع العاملين فيه. وهذا الهدف هو ما يسعى إليه علم النفس النمائي والتربوي وعلم النفس التعليمي وعلم نفس العمل وغيرها من الفروع. وسيبقى كذلك مادام الإنسان موضوعاً لها. ومن المعروف أنها جميعاً تعمل على جمع المعطيات المتعلقة بالظواهر النفسية وإخضاعها للتحليل والتفسير بغية الوصول إلى قوانين حركة تلك الظواهر. ويعني تحقيق هذا الهدف في الحدود المنظورة معرفة أنسب الشروط لتوجيه تلك الحركة بصورة أكثر دينامية وفاعلية، وبالاتجاه الذي يضمن الانسجام والتوافق بين مختلف جوانب النفس، ويساعد على الارتقاء المستمر بها لتصل إلى مستويات أعلى. يقول تيبلوف: "إن المظهر المحدد لأي قانون عام من قوانين علم النفس يحوي في ذاته دوماً عامل الشخصية وعامل الفردية".(تيبلوف، 1985، ج2، 170). ومن بين مشكلات الشخصية كانت القدرات والمواهب المحور الأساسي الذي استقطب اهتمام تيبلوف على مدى أكثر من ربع قرن. فقد وجد في معرفة بنية القدرة و الموهبة ومحدداتهما فائدة عملية كبيرة لصالح الفرد والمجتمع زيادة على قيمتها العلمية والنظرية. وتتجسد هذه الفائدة في توسيع آفاق تطور الفرد وزيادة قدرته على العطاء في مجتمع اتخذ من مبدأ: "من كل حسب قدرته...".شعاراً له. لم يكن تيبلوف عندما طرح هذه المسألة ليطمح إلى إنشاء نظرية أو وضع فرضية في القدرات والمواهب. ذلك لأنه كان يدرك الصعوبات التي تحول دون وصوله إلى مثل هذا الهدف. فطبيعة الموضوع، وندرة البحوث التي تناولته، وضعف وسائل البحث وتخلّف أدواته، كل ذلك جعله يصرف النظر عن القيام بهذه المهمة. وقد عبّر عن ذلك بقوله: "إنني لا أنوي تقديم نظرية عامة في الموهبة على الصفحات التالية، ولا أنوي حتى تطوير أي فرضية حول ما ينبغي أن تكونه هذه النظرية. فهذا أمر لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن. وفضلاً عن ذلك فإن جميع محاولات إنشاء نظرية أو فرضية حول طبيعة الموهبة في ظل ذلك الاحتياطي من المعرفة الإيجابية التي نمتلكها الآن هي محاولات ضارة. فالنظرية العامة يجب أن تكون نتيجة عمل ضخم في دراسة الوقائع المحددة والقوانين الخاصة. وفيما يتعلق بمشكلة الموهبة فإن علم النفس السوفيتي قد بدأ لتوه بهذا العمل، وأن المادة المعالجة علمياً التي نملكها مازالت ضئيلة جداً".( تيبلوف، 1940، 184). ومن هذا الاقتباس يبدو جلياً أن تيبلوف لم يشأ أن يسارع للإعلان عن نيته في صياغة نظرية حول موضوع شائك ومعقد، خاصة وأن ماكان يملكه من معطيات علمية عنه لا يسمح له بذلك. وللمرء الحق في أن يتساءل هنا عن موقع النظريات والفرضيات الغربية ذات الصلة بالموضوع المطروح في فكر تيبلوف، ومصير ذلك الكم الكبير من المعطيات التي جمعها أصحابها بالنسبة له. والإجابة على هذا التساؤل تتبدى بصورة غير مباشرة في رفض تيبلوف لتلك النظريات والفرضيات، وشكّه في موضوعية ما اعتمدت عليه من وقائع ومعطيات. فحديثه عن نظرية جديدة في المواهب والقدرات، وإن أعرب عن ريبته في إمكانية صياغتها آنذاك للأسباب المذكورة، هو دعوة صريحة لتجاوز جميع الإنشاءات النظرية السائدة، والعمل على توفير كافة مقوّمات ومستلزمات البديل الذي يستجيب لمتطلبات علم النفس السوفيتي المنشود. حقاً إن صياغة أي نظرية يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً. وإن وفرة المعطيات ومعالجتها بأدوات ووسائل علمية تجنبان النظرية الكثير من الخطأ، وتقللان من عيوبها ونقائصها. وانطلاقاً من هذه الحقيقة تمسك تيبلوف بالأناة والحذر لإبعاد الضرر. غير أن كلامه عن ضرورة إرجاء الإعلان عن إنشاء نظريته إلى ما بعد القيام بالبحوث التجريبية وجمع الكم اللازم من الوقائع ومعالجتها يتناقص مع ما جاء في صفحات مقاله المذكور. ومن يطلع على هذا المقال الذي خصصه لدراسة الوقائع المحددة التي تمكّن من جمعها حتى ذلك التاريخ، والقوانين التي اعتقد أنها خاصة بالقدرات والمواهب، يقف على الخطوط العامة لنظريته التي اكتسبت فيما بعد شهرة واسعة وصار لها مؤيدون وأتباع. نظر تيبلوف إلى القدرة نظرة مغايرة لنظرة أ صحاب علم نفس القدرات. فهي، أي القدرة، في اعتقاده، ليست مجموع ما يتمتع به الإنسان من معارف ومهارات، كما يتصور علم النفس القدرات. وإنما هي الخصائص النفسية الفردية التي يرتبط بها اكتساب المعارف والمهارات وتؤدي إلى التفاوت بين البشر، وتجعلنا نميز إنساناً عن إنسان آخر (تيبلوف، 1985، ج1، 16). ومثل القدرة بالنسبة للمهارات والمعارف كمثل حبة القمح بالنسبة للسنبلة. فكما أن نمو نبتة القمح وظهور السنبلة من البذرة يتوقفان على طبيعة التربة وبنيتها ودرجة الحرارة والرطوبة وغيرها، فإنَّ استيعاب المعارف والمهارات مرهون بالشروط الاجتماعية التي يعيش في ظلها الفرد. فالقدرة هي الإمكانية، والمعارف والمهارات هي الواقع. ووجود القدرات عند المرء ليس كافياً ليكون في المستقبل ماهراً في المجال الذي يتطلب تلك القدرات. فليس بوسعنا أن نجزم بأن الطفل الذي يتمتع بقدرات فنية، مثلاً، سيكون بالضرورة فناناً في المستقبل. ولكي يصبح كذلك لابد من تعليمه قواعد الفن وأصوله وتشجيعه، وتوفير كافة الشروط المادية والاجتماعية والنفسية اللازمة للاستمرار في ممارسته هذا اللون من النشاط. وعلى هذا يعارض تيبلوف فكرة تطابق القدرات والمركبات الهامة التي يشتمل عليها النشاط. بيد أنه يشير، في الوقت ذاته، إلى وحدتها. وتتجسد هذه الوحدة، حسب تصوره، في النشاط الذي لا يمكن إنجازه أو القيام به في غياب تلك القدرات. إن من المستحيل التحدث عن قدرات موسيقية عند الفرد مالم نحاول تعليمه الموسيقا وإكسابه المعارف والمهارات الموسيقية. ففي مجال النشاط التعليمي يكون الحكم على وجود القدرات أو عدمه حكماً موضوعياً حيث يتوفر الأساس الواقعي للحكم والمتمثل في ما يظهره المتعلم من سرعة ومرونة في استيعاب المادة التعليمية، وما يتبعه من أساليب أثناء ذلك. ولقد أشار تيبلوف في هذا الباب إلى الأخطاء السيكولوجية والتربوية التي ترتكب هنا وهناك بسبب الأحكام الذاتية المتسرعة التي تفتقر إلى الدقة و الموضوعية، وتربط عدم وجود قدرات ما لدى الناس بغياب أو عدم كفاية معلوماتهم ومهاراتهم في العمل المطلوب. وذهب تيبلوف إلى أن القدرات والمواهب ليست سمة أو خاصية يتمتع بها بعض الناس دون البعض الآخر. وإنما هي إمكانية أو قابلية موجودة لدى جميع البشر. فالغالبية العظمى من الناس تتمتع بالقدرات الموسيقية، ولكن مستوى هذه القدرات ليس واحداً عند الجميع. وبما أن تباين الخصائص النفسية الفردية، في تصور تيبلوف، هو السبب في تفاوت قدرات الناس ومواهبهم، فقد نظر إلى تلك المواهب من ناحية خصائصها النوعية. وفي هذا يقول: "إن مشكلة الموهبة هي قبل كل شيء مشكلة نوعية، وليست كمية".(المرجع السابق، ج1، 16). ولعلّ ما قصده تيبلوف بقوله هو أن نجاح الناس في عمل ما ليس رهناً بطريق أو أسلوب وحيد، بل إنه يتحقق بطرائق مختلفة وأساليب متعددة. وللتدليل على صحة هذه الفرضية قام ومساعدوه بمجموعة من البحوث تناولوا من خلالها عدداً من أوجه النشاط الإنساني. وقد بينت نتائج تلك البحوث أن الصفات النفسية عند المتفوقين ليست واحدة بالضرورة، بل إنها تختلف فيما بينها إلى حد تتعارض فيه أحياناً شخصية كل منهم عن سواها من الشخصيات التي تنتمي إلى نفس الفئة (الرسامين، الموسيقيين، الفيزيائيين...). وهذا الاختلاف يشمل الصفات الخاصة بالقدرات، والصفات العامة للشخصية على حد سواء. فالموهبة الموسيقية، مثلاً، لا تتوقف على صفات فيزيولوجية ونفسية بعينها كي تخرج إلى دائرة الفعل. فغياب السمع المطلق كقدرة موسيقية هامة لا يشكل عائقاً في طريق تطور القدرات الموسيقية الأخرى التي من شأنها أن تجعل من الإنسان موسيقياً محترفاً. إذ يمكن تعويض هذه الخاصية بخصائص أخرى كالقدرة على تذكر الفواصل الموسيقية والإحساس بالجرس الموسيقي عن طريق تدريبها وتأهيلها للقيام بوظائف التمييز الموسيقي التي تقوم بها. وبذا يُفسح المجال أمام أولئك الذين يفتقرون إلى السمع المطلق ليحرزوا نفس الدرجة من النجاح التي يحرزها الآخرون ممن يتمتعون بهذه القدرة. وفي ضوء هذه النتائج وضع تيبلوف فرضية حول وجود قدرات عامة وأخرى خاصة، ودخول الأولى في بنية الثانية وارتباطها الوثيق بها. ووجد أن إثبات صحة هذه الفرضية يقتضي دراسة الأنواع المختلفة من النشاطات التي يمارسها الإنسان طالما أن القدرات والمواهب، شأنها شأن أي ظاهرة نفسية أياً كانت أصولها الأولى, تتشكل وتتطور في مجرى النشاط الإنساني. ولعل هذا الطريق الذي اقترحه تيبلوف لم ينسه أن يتوقف عند طبيعة القدرات و المواهب ويتبين دور كل من الوراثة والبيئة في نشأتها وتطورها. ومن خلال معالجة هذه المشكلة انطلق من معارضته الشديدة لفكرة وراثة القدرات الفردية، وتفاوت الناس فيها منذ ولادتهم. ورأى أن ما تحتويه البنية العضوية والفيزيولوجية من موروثات ماهو إلا مقدمة لنشأة الظاهرة النفسية وتطورها، وأنَّ هذه المورثات لا تتحول إلى وجود بالفعل إلا إذا تفاعلت مع جملة من الشروط البيئية أثناء القيام بالنشاط المناسب. وعند الحديث عن القدرات والمواهب يشير تيبلوف في أكثر من موضع إلى أن الموهبة هي نتاج التطور الفردي وليس لها وجود قبله. وهكذا يقف تيبلوف في صف المعارضة للأفكار الجبرية في تحديد مظاهر الوعي بصورة عامة، والقدرات والمواهب الفردية بصورة خاصة. ولكنه لا يشاطر الكثير من المعارضين قناعتهم بأن السبيل إلى دحض هذه الأفكار يكمن في إغفال مسألة الشرط الطبيعي للفروق الفردية وتجاوزها. وذهب إلى أن البحث عن الحل الصحيح لها هو الرد العلمي الأمثل على أصحاب الفكر الجبري. وكخطوة أولى في هذا الاتجاه ميّز تيبلوف بين مصطلحي "الفطرة" و"الوراثة". ونصح بضرورة إعادة النظر في تفسير الموهبة على أنها استعدادات أو قابليات عضوية تظهر وتتطور وفق قوانين داخلية، حيث قال: "إن ماهو فطري لا يمكن أن يكون سوى الخصائص التشريحية ـ الفيزيولوجية، أي الإرهاصات التي تشكل قاعدة لتطور القدرات، والقدرات ذاتها هي دوماً نتيجة التطور".(المرجع السابق، ج1، 17). ولقد وجد تيبلوف أن مصطلح "الوراثي" غالباً ما يستخدم في علم النفس ليس من أجل إقامة الدليل على توريث صفة ما فحسب، بل ولإظهار أن تلك الصفة ليست نتيجة مباشرة للنشاط التربوي والتعليمي، أو للدفاع عن التصور الذي يرجع هذه الصفة إلى بعض الخصائص البيولوجية، أو الفيزيولوجية. والمسؤول عن وجود هذا الاعتقاد، في نظره، هو قصور أدوات البحث وغياب الأساس الفكري السليم. فإصرار الباحث على استخدام الأساليب الشكلية في التحليل والانطلاق من الأحكام المسبقة أبقيا على حالة الغموض والإبهام التي تكتنف العلاقة بين التربية والتعليم من جهة، والصفات النفسية من جهة ثانية، وقادا إلى تفسيرات خاطئة لأثر النشاط في التطور النفسي، وإلى الخلط بين مفهومي الفطرة والوراثة. وأمام المسؤوليات التي يفرضها وضع كهذا قرر تيبلوف أن يتناول مشكلات الأسس السيكوفيزيولوجية للفروق الفردية القائمة بين الناس.. وقد تحدث في مقدمة كتابه: "مشكلات الفروق الفردية"، الذي نشره عام 1961، عن أسباب هذا القرار فقال: "إنها وليدة الاعتقاد بأن دراسة الأسس الفيزيولوجية للخصائص السيكولوجية الفردية دراسة منتظمة ليست مرغوبة فقط، بل إنها ضرورة قصوى من أجل الفهم العلمي الحقيقي للفروق بين الناس"(تيبلوف ، 1961، 6). وكان يأمل من وراء ذلك في الوصول إلى معرفة درجة تأثير العامل البيولوجي في الشخصية، ودوره في تحديد الفروق بين قدرات الناس ومواهبهم. وللوصول إلى هذه الغاية انطلق تيبلوف من أفكار بافلوف حول النشاط العصبي العالي ونظريته النمطية. ونذكر هنا أن بافلوف وقف من خلال تجاربه على وجود فروق في سلوك الحيوانات. وقد عرف تلك الفروق بالخصائص الفردية للنشاط الانعكاسي الشرطي، وربطها بصفات الجملة العصبية المتمثلة في: 1 ـ قوة أو ضعف عمليتي التنبيه والكف، 2 ـ مستوى التوازن بين قوة التنبيه وقوة الكف، أو اتزان الجملة العصبية. 3 ـ سرعة تعاقب عمليتي التنبيه والكف، أو دينامية العمليات العصبية. وبين أن النمط الذي تنتمي إليه فئة من الحيوانات لا يقوم على صفة واحدة من صفات الجملة العصبية، وإنما على تآلف تلك الصفات جميعاً. ومن خلال تجاربه لاحظ أن هذا التآلف يتخذ مظاهر أربعة، أطلق عليها أنماط الجملة العصبية. وهذه الأنماط هي: 1 ـ النمط القوي والمتوازن والدينامي. 2 ـ النمط القوي والدينامي وغير المتوازن. 3 ـ النمط القوي والمتوازن والخامل. 4 ـ النمط الضعيف. وما عمله تيبلوف هو أنه أخضع أعمال مدرسة بافلوف (300 عملاً)، إلى تحليل دقيق، خلص من خلاله إلى نتائج هامة، بسطها في مقال نشر عام 1956 تحت عنوان: "بعض مسائل دراسة الأنماط العامة للنشاط العصبي العالي عند الإنسان والحيوانات". كما ضمن هذا المقال خلاصة تجاربه التي أ جراها مع مساعديه، ودرسوا من خلالها صفات العملية العصبية عند الإنسان مستخدمين فيها طريقة التسجيل الآلي للعمليات العصبية، الفيزيولوجية الدقيقة وطريقة المعالجة الإحصائية الرياضية. ومن أهم ما كشفت عنه هذه التجارب هو أن ارتباط بعض الخصائص الفردية للمنعكسات الشرطية عند الإنسان بعضها ببعض. وكل مجموعة أو منظومة من تلك الخصائص المترابطة تتشكل نتيجة صفة محددة من صفات الجملة العصبية. فدرجة انطفاء الأفعال الانعكاسية رغم التعزيز المستمر للمنبه الشرطي، والتمييز بين مقدار الاستجابة الشرطية على المنبهات القوية والضعيفة، ودرجة التأثير الإيجابي أو السلبي للمنبه الجانبي على الإحساس بالمنبه الأساسي وغيرها من الخصائص يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بقوة عملية التنبيه. وهكذا تمكن تيبلوف من الوقوف على مجموعات من الخصائص الفردية المترابطة للنشاط الانعكاسي الشرطي، والمتعلقة بقوة الكف واتزان العمليات العصبية، ومنها مجموعة الخصائص الفيزيولوجية والعصبية التي تسم سرعة تشكل المنعكسات الشرطية الإيجابية منها والمكفوفة. وقد عرفت الصفة التي تضم هذه المجموعة بدينامية الجملة العصبية. وثمة مجموعة أخرى تنجم عن سرعة نشوء وتوقف عملية التنبيه، وتعكس صفة تدعى قابلية الجملة العصبية للتغير. وعلى أساس الوقوف على صفات الجملة العصبية وفحصها واستعراض التغيرات التي تطرأ على فهم مغزاها وأهميتها تبعاً لتطور أدوات وطرائق البحث والقياس وتزايد حجم المعطيات التجريبية حولها وضع تيبلوف برنامجه العلمي الذي أتاح له فرصة تطوير أفكاره على مدى أكثر من ربع قرن. وقد احتوى هذا البرنامج على العديد من المحاور، مثل "الفصل بين الجانب الدينامي الصوري و الجوهري في نفس الإنسان"، و"أثر التنظيم الذاتي الإرادي وضرورة استبعاده في طرائق قياس صفات الجملة العصبية"، و"اختيار المظاهر الحياتية الملائمة لخصائص الجملة العصبية". وفي غضون أعوام قليلة استطاع تيبلوف مع عدد من مساعديه أن يضع قاعدة لسلسلة طويلة من الدراسات التجريبية التي تناولت موضوعات برنامجه. وتمكن أيضاً من إعداد طرائق من شأنها تفسير النتائج على نحو واضح، وتستجيب لمتطلبات البحث العلمي الموضوعي. وأجرى دراسة قارن فيها بين الأساليب المستخدمة في قياس الخصائص النفسية ومؤشراتها. واستعان بطريقة التحليل العاملي لإبراز المغزى الفيزيولوجي لصفات الجملة العصبية. إن عودة تيبلوف إلى بيئة بافلوف لم تكن هدفاً بحدّ ذاته، بقدر ما هي محاولة لتعزيز التعاليم البافلوفية وتطويرها، والإفادة منها في مجال دراسة خصائص النشاط العصبي العالي باعتبارها خطوة هامة لمعرفة الخصائص الفردية في النفس البشرية عامة، والقدرات والمواهب خاصة. وهذا ما عناه تيبلوف حين قال: "تدخل الصفات النمطية للجملة العصبية في تركيب الدعائم الطبيعية لتطور القدرات، وفي تركيب ما يسمى بالإرهاصات. وقد تحتل مكاناً هاماً في بنية المقدمات الطبيعية للقدرات"(المرجع السابق، ج1، 157). لقد استخدم تيبلوف مصطلح الإرهاصات للتعبير عن الخصائص المورفولوجية والوظيفية لبناء الجملة العصبية المركزية وأعضاء الحركة والحس، وللتدليل على دورها في تكوين القدرات والمواهب. وهنا يكمن خلافه مع العلماء الذين ينفون دور الفطرة. ولكنه لم يذهب بهذا الدور بعيداً إلى حد التقليل من شأن العامل الاجتماعي. ففي اعتقاده أن هناك علاقة بين بنية الجملة العصبية و القدرات. وهذه العلاقة تتجلى في مدى ما توفره البيئة الاجتماعية من شروط لتحريض الإمكانيات واستحضارها. إن الكلام عن وجود قدرة (أو قدرات) لدى الإنسان يعني جاهزيته للقيام بنشاط (أو نشاطات) معينة. وفي حال غياب هذه الجاهزية أو الاستعداد، فإن الحديث عن القدرة يصبح عديم المعنى. ولهذا فإن الخصائص الفطرية كرهافة السمع أو حدة البصر أو شدة الحساسية اللمسية وغيرها تبقى مجرد إرهاصات أو موجودات بالقوة، إن هي لم تجد ما تتفاعل معه وتتحول بفضل هذا التفاعل إلى موجودات بالفعل. وهكذا فإن بنية الدماغ لا تقرر وحدها المهنة أو الاختصاص الذي سوف يمارسه الإنسان. فأمر كهذا منوط بالمجتمع الذي ينتمي إليه هذا الإنسان وبالمستوى الثقافي الذي وصل إليه. وتلك حقيقة تؤكدها مجريات التطور البشري عبر مراحله المتعاقبة. فحيثما تبرز حاجة المجتمع إلى هذه المهنة أو ذاك الاختصاص الذي يستدعي توافر خصائص مورفولوجية ووظيفية معينة، يمكن لحامل تلك الخصائص أن يكوّن لديه القدرات اللازمة والمناسبة عن طريق التعليم. لقد ألّفت أفكار تيبلوف وتصوراته حول تشكل الشخصية بخصائصها الفيزيولوجية والنفسية، ودور كل من المكونات العضوية والبيئية الثقافية والاجتماعية والنشاط الذي يقوم به الفرد، في ظهور القدرات والمواهب وتطورها قاعدة الانطلاق لدراسات وبحوث جمّة لم تتوقف حتى يومنا هذا. كما وجهت اهتمام الكثيرين نحو دراسة مشكلات الفروق الفردية بين الناس، أمثال ف.د.نيبيليتسين وك.م.غوريفيتش ون.س. ليتيس وإ.أ.غولوبيفا وإ.ف. رافيتش ـ شيربو وأ.ب. أنوخين وم.س. إغوروفا وإ.أ.ليفوجكينا. فقد واصل هؤلاء البرنامج الذي وضعه تيبلوف، وعملوا على تطوير نظريته في اتجاهات عديدة، وهذا ما حدا بمؤرخي علم النفس إلى اعتباره مؤسس إحدى مدارس علم النفس السوفيتي. (1) ـ لم ينشر هذا المقال إلا عام 1960. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |