|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الرابع والأربعون : مدرسة جورجيا أو نظرية الموقف تعد مدرسة جورجيا السوفيتية (سابقاً)، إحدى المدارس التي تمحور نشاط ممثليها حول تفسير الوعي بالاعتماد على مفهوم واحد. وهذا المفهوم هو الحالة أو الموقف SEAT. وبصورة مبسطة يمكن القول بأن الموقف هو ما توطّن في نفس الفرد و ما استقر عليه حاله إزاء الوقائع الخارجية أو الداخلية دونما تدخل من جانب إرادته أو وعيه. ويرجع الفضل في النهوض بهذه المدرسة إلى نشاط ديمتري نيكولايفيتش اوزنادزي (1886 ـ 1950). فقد عمل هذا العالم منذ شبابه في مخبر علم النفس الذي تأسس في تفليس (تبيليسي) عاصمة جمهورية جورجيا بعد قيام السلطة السوفيتية. وفي نهاية العشرينيات بدأ يفكر بوضع نظرية جديدة اعتماداً على المعطيات التجريبية التي كانت تعكس حالات خداع الإدراك المختلفة. ولتحقيق هذا الهدف وضع برنامجاً لدراساته اللاحقة. وحرص على تنفيذ ماجاء فيه بدقة وتطبيق ما تضمنه من محاور. وساعده في ذلك فريق من الباحثين الذين انضموا إلى هيئة العاملين في معهد علم النفس التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية جورجيا. وكان من أبرزهم أ.س. برانفيشفيلي ور.غ. ناتادزي وإ.ك.أباشيدزي ود.إ.راميشفيلي وهـ.ل.إليافا وز.إ.خوجافا وغيرهم، وبهذا تمكن اوزنادزي من صياغة نظريته وتقديمها بقدرٍ كبيرٍ من الوضوح قبل وفاته. واستمر أتباعه بتطويرها من خلال البحوث التي تناولوا فيها مختلف الظواهر النفسية كالتفكير والتذكر والدوافع عند الإنسان في مراحل عمرية مختلفة. لقد وقف بعض العلماء على الظاهرة ـ الموقف قبل اوزنادزي بوقت غير قصير. وعن وجودها كثيراً ما تطالعنا الأدبيات السيكولوجية الكلاسيكية. إلا أن تناولها حينذاك كان مقتصراً على الإدراك وحده دون سواه من جوانب النفس. ولذا فإن هذه الظاهرة لم تثر اهتمام الباحثين وحماسهم من قبل، بقدر ما أثارتها عند أوزنادزي، حيث رأى أنها ظاهرة عامة تشمل جميع مناحي النشاط النفسي. فلا عجب أن يعتبرها مشكلة سيكولوجية مركزية تتبدى في كافة الأوضاع التي يتخذها الفرد أثناء تفاعله مع العالم الخارجي. ويجد أن حلّها يفتح الطريق أمام حل الكثير من المسائل المتعلقة بالتربية والتوجيه والاختيار. وحسب ما يعتقد اوزنادزي فإن نقطة الانطلاق في دراسة النفس تكمن في النظرة الشمولية والكلية إلى الفرد. فمن الفرد يجب أن يبدأ علم النفس وليس من الظواهر النفسية التي يحملها، لأنه ـ ككائنٍ حيّ راقٍ ـ هو الجوهر الأول. وأما ما يبديه من فعالية نفسية فهو ثانوي، لا يتعدى كونه تحديدات لاحقة تخص الذات. ومن هذا المنظور تناول اوزنادزي المنهج الذي سار عليه علم النفس التقليدي بالنقد، ورفض دراسة الظواهر النفسية كجواهر منفصلة. ومن مبدأ وحدة الشخصية انتقل مؤسس نظرية الموقف إلى البحث عمّا يحركها ويدفعها إلى النشاط، فوجد أن الحاجة أياً كانت طبيعتها ومستواها هي التي تلعب الدور الأساسي في سلوك الإنسان بأكمله. فمن المستحيل أن نتصور قيام الكائن الحي بأي فعل أو تصرف في غياب الحاجة، وبالتالي تشكل أي من الظواهر النفسية بدونها. إنها الشرط الضروري لظهور الوعي عند الإنسان. ولكنها ليست الشرط الوحيد. ذلك لأن تلبيتها تتطلب وضعاً ملائماً. وبين الحاجة والوضع الملائم الذي يوفره المحيط يتكون داخل الذات موقف معيّن. وقد وصف اوزنادزي هذا الموقف بأنه نزعة أو توجه أو استعداد لأداء فعل ما من شأنه تلبية الحاجة. وعلى هذا فالموقف حلقة ضرورية وهامة تتوسط تأثير الواقع من جهة، والوظائف النفسية من جهة ثانية. ومما تقدم يتضح أن الموقف أصبح الموضوع المركزي بالنسبة لمدرسة جورجيا النفسية. ولقد أعد زعيم هذه المدرسة لدراسته طرائق تتناسب مع المبادئ والمفاهيم التي استندت إليها نظريته. وتقوم هذه الطرائق على خلق الحاجة عند المفحوص. وتتمثل هذه الحاجة في ضرورة حل المسائل التي تطرح أمامه. فقد اقترح اوزنادزي على المفحوص أن يقارن بين كرتين مختلفتين في الوزن عن طريق حملهما عدداً من المرات (10 ـ 15 مرة). وفي المرحلة الثانية من التجربة كان يطلب من المفحوص مقارنة كرتين متساويتين في الوزن. وفي نهاية هذه المرحلة لاحظ أن المفحوص كان يخطئ في تقدير وزني الكرتين المتساويتين، حيث أنه كان يحكم عليهما بعدم مساواتهما في الوزن. وقد نسب هذا التقدير الخاطئ أو خداع النفس إلى تشكل موقف لدى المفحوص نتيجة مقارنته الكرتين المختلفتين في الوزن أثناء المرحلة الأولى من التجربة. وهذا ما جعله ينظر إلى الموقف بوصفه وسيلة لإشباع حاجة المفحوص المعرفية. وإذا كانت تجارب اوزنادزي قد اقتصرت في البداية على إبراز دور الموقف في عمليات الإدراك، فإنها تجاوزت هذا الحدّ فيما بعد لتتحرى وجوده ودوره في ظواهر نفسية أخرى. ومن خلال تلك التجارب تبيّن لاوزنادزي ومساعديه أن هناك مواقف مختلفة الأشكال ومتعددة الأنواع. كما توصّل إلى نتيجة مفادها أن المواقف تنشأ في الجملة العصبية المركزية، وليس نتيجة لنشاط الأجزاء المحيطية للمحلّلات. فالمفحوص الذي يطلب منه حمل كرة كبيرة نسبياً وأخرى صغيرة بالتناوب بإحدى يديه ولمرات عديدة (10 ـ 15مرة)، فإنه سوف يحكم على الكرتين المتساويتين بالاختلاف حين يحملها بالتناوب بيده الأخرى التي لم تشارك في العرض التمهيدي للتجربة. وذهب اوزنادزي إلى أن الموقف، إذ يتوسط تأثيرات العالم الخارجي والنشاط النفسي للفرد ويحدد طابع فعالية الذات، فإنه لا يعتبر فعلاً منفصلاً من أفعال الوعي أو ظاهرة من ظواهر الوعي بوجه عام. ولذا فقد أشار إلى ضرورة التمييز بين مفهوم الموقف، ومفهوم اللاوعي. ففي حين يتضمن المفهوم الأول عمليات مصحوبة بالوعي، يدلّ المفهوم الثاني على وجود عمليات داخلية لا تعرف طبيعتها الداخلية وبنيتها الأساسية. وهنا يتحدث اوزنادزي عن نوعين من المواقف. النوع الأول، مبهم وغامض وغير مميّز. وينشأ في العادة لدى أول تأثير لوضع ما على الذات. وهو يتّصف أيضاً بعدم التحديد وبعدم قدرته على توجيه الذات في الاتجاه الذي من شأنه أن يلبي الحاجة. والنوع الثاني واضح ومميز. وينشأ نتيجة التأثير المتكرر للشروط المحيطة بتلبية الحاجة على الذات. ولذا فإنه يتمتع بالقدرات على توجيه الذات في الاتجاه الصحيح الذي يؤدي إلى إشباع الحاجة. وقد أطلق اوزنادزي على هذا النوع من المواقف اسم الموقف المثبت. وإلى جانب مفهوم الموقف طرح اوزنادزي مفهوم الموضعة وربطه به. والموضعة في هذه النظرية تعني تأخر أو توقف فعل الموقف القائم مما يفسح المجال أمام الإحساس بما توقف عليه النشاط الذي كان للتوّ مادة الوعي. ولكن الإحساس به هذه المرة يتحول إلى إحساس خاص كما لو أنه موضوع مستقل عنا. وتتضمن واقعة الموضعة مطابقة موضوع الشعور الآن مع ما تمّ الشعور به منذ قليل. وتتضمن أيضاً وعي تطابقهما المثبت في الكلام (التسمية) ممّا يعدّ شرطاً ضرورياً للعمليات النفسية: الملاحظة، الشعور، الانتباه، التذكر...الخ. والجدير بالذكر أن اوزنادزي ساوى بين وعي التطابق وآلية التطابق، أو الحقيقة التي تجد في الإنسان تلك القدرة على الفعل والتأثير فيما يحيط به، وأنه جزء من هذا العالم الموضوعي. وعلى الرغم من التعديلات والتنقيحات التي أدخلت على نظرية الموقف، إلا أنها لم تسلم من الانتقادات عبر مختلف مراحل تطورها. ولعلّ الشك في وجود ظاهرة الموقف كان من أبرز تلك الانتقادات. وقد ردّ اوزنادزي وتلاميذه على هذا الانتقاد بإجراء العديد من البحوث والدراسات التي أكدت نتائجها ـ وحسب رأيهم ـ ا لوجود الموضوعي للموقف، وقدمت الدليل على طابعه النفسي، ودوره في النشاط النفسي للفرد. ومن بينها البحث الذي أشرف عليه اوزنادزي ودرس من خلاله تشكل المفاهيم في مرحلة ما قبل المدرسة، والبحث الذي قام به ناتادزي وموضوعه تشكل المفاهيم في مرحلة التعليم الابتدائي، وبحث راميشفيلي حول استعمال المفاهيم اليومية ومضمونها، وبحث إليافا الذي تناول حل المسائل الذهنية، ودراسة برانفيشفيلي للموقف في التذكر، ودراسة ناتادزي للموقف في عملية التخيل، ودراسة خوجافا لاكتساب المهارات، ودراسة جهار تيشفيلي للإرادة وتطورها وتربيتها، ودراسة نوراكيدزي للفروق الفردية وعلاقاتها بالطبع. ولم يقتصر ممثلو مدرسة جورجيا على دراسة الموقف في المجالات النفسية عند الأسوياء، وإنما قاموا بدراسة هذه الظاهرة عند المرضى والمعوقين والحيوانات. فقد تناول بجالفا في دراساته مشكلة الموقف عند المصابين بأمراض نفسية والأطفال المتخلفين عقلياً والصم ـ البكم. ومنذ السبعينيات بدأ أتباع اوزنادزي بدراسة مشكلات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الرياضي وعلم نفس العمل في ضوء نظرية الموقف. ومع أخذ هذه الدراسات وغيرها بعين الاعتبار والاعتراف بدورها في توضيح العديد من جوانب نظرية الموقف وتطورها، فإنه ما زال أمام أنصار هذه النظرية الكثير مما ينبغي إنجازه لإزالة الغموض عن جوانبها الأخرى، وتجاوز نقاط الضعف فيها، وحل تناقضاتها التي أشار إليها النقاد. فمن المهم، مثلاً، توضيح علاقة الموقف بالوعي، وإزالة التناقض القائم في تصورات أتباع هذه المدرسة حول طبيعة الموقف وطبيعة الوعي وبنية كل منهما. لقد شدد أ تباع نظرية الموقف على الطبيعة اللا واعية للموقف. وهذا ما يتناقض، أو على الأقل يختلف مع ماجاء به اوزنادزي، إضافة إلى ما يحمله هذا الرأي من تناقض. إذ كيف يمكننا التوفيق بين الطبيعة اللا واعية للموقف وقدرته على توجيه الوظائف النفسية المعقدة؟... وهنا يجد ف.باسين وف.روجنوف وم.روجنوفا أنفسهم أمام خيارين: رفض الدور الفعّال للوعي مع الحفاظ على مفهوم الموقف، أو التنازل عن فكرة الموقف والإبقاء على مفهوم الوعي ودوره الفعّال في تنظيم نشاط الفرد وتوجيه سلوكه. ويعود هؤلاء النقاد كذلك إلى تصور اوزنادزي عن الموقف بوصفه حالة كلية غير قابلة للتغير حتى في إطار بعض المنظومات الوظيفية ذات المعالم المحددة، ويشيرون إلى مخالفته للتصورات السائدة حول تنظيم ووجود سلم معين لمستويات التوجيه (باسين وآخرون، كومونيست، 1972، العدد2). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |