|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الخامس والأربعون : الأسس النفسية للتربية في نظرية مكارينكو قلّة هم المربون وعلماء النفس السوفيت الذين تجاوزت شهرتهم حدود الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية (سابقاً)، خلال النصف قرن الذي أعقب الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917م. وأنطون سيمينوفيتش مكارينكو (1888م ـ 1939م). هو واحد من هؤلاء الذين اطلع المربون وعلماء النفس في معظم الدول الغربية وبعض الدول النامية على أفكارهم في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن. وأغلب الظن أن هذه الأفكار ما كانت لتستطيع الانتشار على هذا النحو الواسع مالم تتمتع بقدرٍ وافٍ من الإيجابية والقدرة على التأثير. فقد عرف عنها طابعها الإنساني والخلقي المتميز فضلاً عن علميتها وواقعيتها المدعّمة بالتجربة الميدانية والخبرة العملية. وهذا ما يتجلى في إيمان صاحبها القوي بقيمة الإنسان ودعوته إلى احترامه والثقة به، وفي سعيه الدؤوب لاكتشاف أنسب الطرق والأساليب والتقنيات التربوية التي تستجيب لمتطلبات وشروط تطوره المستمر والمتكامل. ويتجلى كذلك في محاولته رسم صورة الإنسان الذي يحمل جميع الصفات التي تؤهله ليكون عضواً فاعلاً في المجتمع، غيوراً على وطنه الاشتراكي، حريصاً على أداء مهماته وواجباته تجاه الآخرين، أممياً حقيقياً، يهتم بقضايا العالم ويحترم شعوبه كافة، مؤمناً بوحدة مصيرها وبضرورة تعاونها من أجل التقدم والسلم والرخاء. وعلى الرغم من وصول تلك الأفكار إلى دوائر واسعة وبعيدة، فإنها لم تلق الاستجابة العلمية المأمولة، ولم تجد المتابعة والتطوير اللازمين. واقتصر جهد علماء النفس والمربين في هذا الشأن على إبراز بعض المفاهيم والتصورات السيكولوجية والتربوية التي قدمها مكارينكو وشرحها وتفسيرها، والإشادة بجدتها وأصالتها والدعوة إلى الأخذ بها وتطبيقها في الميدان. ويتعلق الأمر، على سبيل الحصر والإيضاح، بالتربية الجماعية، والتربية العملية. وربما ترك وضع كهذا انطباعاً لدى الدارسين بأنَّ ما قام به هذا المربي ليس سوى استنتاجات ومقترحات قادته إليها تجربته التربوية العملية وملاحظاته اليومية لسلوكيات تلاميذه أثناء نشاطه التربوي والتعليمي. والحق أن مكارينكو أنشأ نظرية تربوية كاملة على قواعد سيكولوجية واضحة ومحددة. وفي هذه النظرية يعيّن الأطوار والمراحل والعناصر التي يشتمل عليها النشاط التربوي، ويتحدد موقع كل منها ووظيفته في العملية التربوية ومدى أهميته على صعيد مردودها. ومامن شك في أن هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن وعي المربين وعلماء النفس، وفي مقدمتهم علماء النفس النمائي والتربوي في الاتحاد السوفيتي على الأقل. فلقد أشار إليها العديد منهم في أعماله. غير أن ذلك الاعتراف لم يترجم في صورة دراسة أو بحث يعتمد المدخل المنظومي لدى تناول كتابات مكارينكو إلا في وقت لاحق(1). ولما كان إعداد الإنسان مركز اهتمام مكارينكو طوال سنوات عمله، فقد أدرك مبكراً القيمة الإيجابية الكبيرة التي يحملها التعرف على مختلف جوانب الشخصية الإنسانية وقوانين تشكلها وتطورها. ولذا نجده يقبل على دراسة العلوم الإنسانية، ولاسيما علم النفس، برغبة قوية في الاطلاع على مافيها من آراء ونظريات. ويخبرنا مكارينكو نفسه أنه قد قرأ جميع ماكان موجوداً في مكتبة "مكسيم غوركي"، من أعمال في علم النفس، وأنه إنما فعل ذلك لقناعته بالدور الحاسم الذي يلعبه علم النفس في العمل التربوي، وصلته الوثيقة به، وثقته بمستقبل هذا العلم وبقدرته على اكتشاف الحقائق المرتبطة بالحياة النفسية للبشر. وقد عبّر عن ذلك بقوله: ".......المعرفة بعلم النفس، وبنفس الطفل، وبكل إنسان، تعيننا على وضع منهجنا.." (مكارينكو، 1957 ـ 1958، ج7، 401). ولكن مكارينكو لم يكن قارئاً فحسب، بل وكان محللاً وناقداً، فقد كان يملك خلفية فكرية مكّنته من النظر إلى ما يقرأه أو يعرض أمامه من آراء بعين فاحصة وعقل متبصر. فعلى هذه الخلفية عارض النظريات السيكولوجية التي ترجع القدرات العقلية وسمات الشخصية إما إلى النضج والوراثة، وإما إلى شروط البيئة والمجتمع. فالنظرية البيدالوجية ونظريات التطور النفسي الداخلي التلقائي والعفوي والسلوكية والانعكاسية التي انتشرت في العشرينيات والثلاثينات من القرن العشرين، إذ تركز على عامل واحد فقط وتلغي دور العوامل الأخرى في تفسيرها لتطور شخصية الطفل، إنما تتجاهل تعدد مصادر الشخصية وأبعادها وتفاعل تلك الأبعاد بعضها مع بعض، وتغفل شروط ومتطلبات نمائها المتنوع والمتكامل. وفي هذا الخصوص يقول:"وصل الأمر بالنظرية عندنا إلى حدّ أنهم نفوا كل محدد بيولوجي في المجال المعنوي، واعتبروا أنَّ كلّ شيء يجيء من البيئة هذا من جهة. وفي نفس الوقت أرادوا، من جهة ثانية، أن يعمّدوا بالانعكاسية تربية الإنسان بكاملها. وحسبوا أنهم يقدمون الإنسان الجديد على أساس دراسة الانعكاسية الشرطية وحدها".(المرجع السابق، ج2، 396). لقد رأى مكارينكو في الشخصية تشكيلاً متعدد المناحي، متنوع الأبعاد، دينامياً، متغيراً على الدوام، متنامياً دون توقف. وأرجع تغيرها وتطورها إلى الاستعدادات الفطرية التي تحملها البنية العضوية للوليد، وإلى الشروط الحياتية بصورة عامة، والتربية المنظمة والموجهة بصورة خاصة. ومع أنه كان شديد الحرص على إبراز الدور الكبير الذي تلعبه التربية في تطور الشخصية، إلا أنه لم ينسَ علاقة هذا الدور بعضوية الإنسان وحاجاتها ومتطلباتها الحيوية. وتتضح حدود العلاقة بين الوراثة والبيئة وتأثيرهما في النفس بصورة أكثر جلاء في نظر مكارينكو من خلال معارضته لنظرية لامبروزو. حيث أن دور الوراثة لا يصل إلى درجة تحديد ملامح الشخصية وخصائصها واتجاهها كما تدعي هذه النظرية. فالإنسان، في اعتقاد مكارينكو، لا يولد شريراً أو خيراً، عدوانياً أو مسالماً، منحرفاً أو سوياً بالفطرة. ومن الخطأ، في رأيه، أن نحكم على سلوك الناس وأخلاقهم على أساس خصائصهم الجسمية. كتب يقول: "الإنسان سيء فقط لأنه يوجد في بيئة اجتماعية رديئة، ووسط شروط بيئية سيئة".(المرجع السابق، ج5، 344). ولعلّ مكارينكو لا يختلف مع القائلين بمسؤولية الوراثة عن الطبائع السيئة والعسيرة. بيد أنه يؤمن بأن التربية السليمة كفيلة بتقويم تلك الطبائع وإصلاحها. ففي ظلّ التأثيرات التربوية، حتى العادية منها، يستقيم سلوك الطفل العسير، ويصبح منسجماً ومتوافقاً مع متطلبات المجتمع وقيمه. بينما تساعد الظروف الحياتية للطفل وإهماله على ظهور ما أودعته الطبيعة لديه من نزعات شريرة وطبع سيء مما يؤدي به إلى الجنوح والانحراف. ومن هذا المنظور لم يجد مكارينكو في تربية الأحداث الجانحين ما يجعلها مهمة خاصة مختلفة عن مهمة تربية الأطفال الأسوياء. وعلى أساس وحدة الشخصية وتكاملها وكليتها أبدى مكارينكو تحفظه على محاولات بعض العلماء التي استهدفت تقسيم الشخصية إلى سمات منفصلة. واعتبر أن إجراءً كهذا يلحق الضرر بالعملية التربوية. فما دامت التربية تتعامل مع كامل الشخصية، وتسعى إلى تفعيلها وتنشيطها في الاتجاه المطلوب، وتطويرها إلى أقصى حدّ ممكن، فإنَّ على علم النفس أن لا يلجأ إلى تقسيمها وتوصيف كلّ قسم منها، بل أن يقدم وصفاً متكاملاً لجميع سمات الشخصية كما هي الآن، ويضع بالتعاون مع التربية أنموذجاً واضحاً ودقيقاً لشخصية الغد. ومن نافلة القول أن دراسة الشخصية لم تكن بالنسبة لمكارينكو هدفاً بحد ذاته بقدر ماهي وسيلة أو شرط ضروري من شروط النشاط التربوي. وبالإضافة إلى ذلك فإنها تساعد على تعقب التحولات والتغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل باعتبارها المصدر الذي نستمد منه أدلتنا على الدور الإيجابي الذي تقوم به التربية في الحياة النفسية. وتتجلى أهمية معرفة الشخصية، حسب اعتقاد مكارينكو، في كافة مراحل العملية التربوية والتعليمية، بدءاً من صياغة أهدافها وانتهاءً بتقويمها، مروراً بتحديد محتواها وطرائقها وأساليبها ووسائلها. وهي لا تقتصر على مرحلة عمرية دون أخرى، أو على نشاط دون سواه من النشاطات التي يمارسها الإنسان عبر مختلف مراحل حياته. لقد أولى مكارينكو اهتماماً خاصاً بهدف التربية، واعتبر أن حصيلة ما يقوم به المربي هي مسألة على جانب كبير من الأهمية، فهي تحدد جوهر المنظومة التربوية. وفي هذا يقول: "يتعّين علينا أن نعرف ماذا ننجز، وأن لا يغيب عنّا ذلك أبداً. ويجب أن لا يجانب أيُّ فعلٍ يقوم به المربي الأهداف المرسومة، وأن لا يكون هناك أيُّ هدفٍ موازٍ أو جانبي يحرفنا عن الهدف الرئيسي".(المرجع السابق، ج5، 475). ومن هنا تأتي إشارته إلى غياب الهدف عملياً في النظريات التربوية التي كانت معروفةً آنذاك. فقد اكتفت هذه النظريات بصياغة أهداف عامة، هي أقرب ماتكون إلى الشعارات والوصف الإنشائي. ويتساءل مكارينكو عمّا إذا كان بوسعنا في مثل هذا الوضع معرفة الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه النشاط التربوي بوضوح وتقويمه بدقة في ضوء ما تحقق من هذه الأهداف، أي كيف يمكن معرفة ما أنجز منها ومالم يُنجز؟... وهكذا يتبدى حرص مكارينكو الشديد على وضوح الهدف من العملية التربوية، والابتعاد عن الغموض والتجريد والعمومية لدى تحديده، بحيث يتمكن كل من يشارك في النشاط التربوي من إدراكه وتمثله واختيار الطرائق والأساليب والوسائل المناسبة للوصول إليه، وتقويم النتائج المرحلية لهذا النشاط بغية الوقوف على ما تمّ تحقيقه في المرحلة السابقة، وما يتوجب إنجازه في المرحلة اللاحقة. يقول في هذا الشأن: "أريد أن أربي إنساناً ذا خصائص محددة، وأعمل ما بوسعي، وأوجه عقلي وجهودي لتحقيق هذا الهدف. وعليَّ أن أجد الوسائل لإنجاز ذلك، وأن أرى الهدف أمامي دوماً، وأرى النموذج والمثل الذي أسعى إليه".(المرجع السابق، ج5، 309، 310). وأول ما يقف عليه المرء عند قراءته لهذه الكلمات هو أن الإنسان يعتبر مركز العملية التربوية وهدفها الأساسي. ولذا فإن من المنطقي أن يطالب مكارينكو بتضمين الأهداف التربوية تصميماً للشخصية، واضح الأبعاد والمعالم، مع لوحة تحدد مسار تطورها. ومن الطبيعي أيضاً أن يربط هدف التربية هذا بالأهداف الاجتماعية، أي أن ينتقل بمنظومته التربوية من مهمات التطور والتقدم الاجتماعيين إلى الأهداف التربوية، ومنها إلى البحث عن أنسب الطرائق والأساليب والوسائل واستخدامها في النشاط التربوي. ولعلّ توفير هذه الأخيرة يسهل مهمة المربي، ويمدّ التربية بسبب هام من أسباب بلوغ أهدافها المنشودة. وعندما تتمكن التربية من إنجاز مهمتها الأساسية، وتعدّ الإنسان الذي تريد، فإنها تضمن وصول المجتمع إلى أهدافه في التطور والرقي والازدهار. إن أهداف التربية، كما يراها مكارينكو، ليست سهلة المنال، ولكنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة. وهي تتطلب من المربي، فضلاً عن معرفته بخصائص التطور النفسي عند الأطفال، اهتماماً كبيراً ومتابعة مستمرة لأفعال وتصرفات المتربي، والوقوف على الجيد والسيء منها، والصواب والخطأ فيها ليكون بمقدوره تعيين موقع الطفل من المسار الصحيح للتطور. ولئن كانت هذه هي مهمة المربي بوجه عام، فإنها تكون أصعب وأعقد في المراحل المتقدمة من عمر الناشئة. ويرجع مكارينكو سبب الصعوبة إلى أننا في هذه المراحل نعيد تربية الشخصية، ونشكلها من جديد. وفي كل الأحوال ينصح مكارينكو بتنشيط الأطفال وبالإفادة من خاصية الفعالية والإيجابية التي تميّز سلوكهم. ذلك لأن من شأن هذا العمل أن يكوّن لديهم الدافع إلى النشاط والإيجاز ويعزز ثقتهم بإمكانياتهم وقدراتهم، ويشجعهم على الاعتماد على الذات في حلّ المشكلات وتذليل الصعوبات التي تصادفهم أثناء نشاطهم الذي يقومون به من أجل الوصول إلى ما يطمحون إليه. ويرى كذلك أنَّ من واجب المربي أن يغرس في نفوس الأطفال الإيمان بمسؤولية الإنسان عن مستقبله, وبأنّ سعادتهم تتوقف بالدرجة الأولى على أعمالهم وجهودهم. وفي هذا الباب يقترح مكارينكو على المربي أن يولي اهتماماً خاصاً بما يملكه الطفل من صفات وقدرات إيجابية، ويعمل على توظيفها، فيستحثها ويبرزها ويعززها بالتشجيع والمكافأة، وأن يتغاضى، من الناحية المقابلة، عن السمات السلبية أو السيئة التي اكتسبها الطفل في وقت سابق. ويقيم أسلوبه هذا على الاعتقاد بوجود جوانب إيجابية في سلوك الطفل حتى في الحالات المتطرفة من الانحراف والجنوح. ففي حالة كهذه، بل وفي جميع الحالات، تقتضي تربية الطفل، أو لنقل إعادة تربيته، عدم مواجهته بنقائصه وسلبياته ونقاط الضعف في شخصيته، والسعي لاكتشاف الجوانب الإيجابية التي يحملها، والتركيز عليها بغية تقويتها وتوسيع نطاق تأثيرها وسيطرتها على توجهاته وأفعاله حتى تطبع كل سلوكه بطابعها الخاص. ولعل من الواضح أن هذا الأسلوب هو البديل لأسلوب إثابة الطفل على أفعاله الصحيحة ومعاقبته على أفعاله الخاطئة. إن الحديث عن الشخصية وتربيتها يظلّ ضرباً من التجريد الذي يرفضه مكارينكو إن هو لم يتناول الإطار الواقعي للموضوع، أي إذا لم تدرس الشخصية وعملية بنائها عبر علاقتها الجدلية بالجماعة. فقد اعتبر مكارينكو نزعة الإنسان إلى التجمع والانتماء إلى الجماعة السمة المركزية للشخصية. حيث أنه في الجماعة تتكوّن أفضل الخصال والصفات الفردية. ومن خلال النشاط الجماعي تتشكل لدى الإنسان قدرات جديدة. وتنشأ الاتجاهات الاجتماعية والخلقية والثقافية الإيجابية. ومع تسليم مكارينكو بالفروق بين أعضاء الجماعة وتفاوتهم من حيث قدراتهم وطبائعهم ودوافعهم وانفعالاتهم، فإنه لم يرَ في ذلك مصدر تنافرهم أو صراعهم بقدر ما رأى فيه شرطاً لتعاونهم وتكاملهم فيما لو أُحسن توظيف تلك الفروق وأمكن استخدامها في خدمة أهداف الجماعة. ويستعرض مكارينكو آراء العلماء في الجماعة وموقع الفرد فيها. ويقف عند الكثير منها ويحتج بشدّة على الآلية التي تتسم بها. وكمثال على ذلك يسوق تعريف أحد المنظرين الذي يذهب إلى أن الجماعة هي "مجموعة من الأشخاص الذين يتبادلون التأثير، ويستجيبون سوياً لهذه المثيرات أو تلك". وبعد أن يعلق على هذا التعريف بقوله: "أنه يصح على الضفادع والقردة... الخ. وعلى أي جماعة حيوانية من أي نوع، ولكنه لا يصح على جماعة البشر"، يقدّم تعريفه للجماعة محدداً فيه موقع الشخصية ضمن التجمعات المختلفة وموقفها من الشخصيات الأخرى، ونصيبها من المشاركة في النشاط الجماعي وإنجاز المهمات المشتركة. يقول مكارينكو: "إن الجماعة هي مجمع موجّه من الشخصيات المنظمة التي تحمل عضوية الجماعة. وحيثما وجد تنظيم للجماعة وجد أعضاء الجماعة، وتنظيم للأشخاص بمطلق الصلاحية، الحائزين على ثقة الجماعة. ومسألة علاقة الرفيق بالرفيق ليست مسألة صداقة ولا مسألة حب أو جوار، بل إنها مسألة ارتباط مسؤول".(المرجع السابق، ج5، 210). ووجد مكارينكو أن النمط الاشتراكي من الشخصية هو النمط الأصلح لمجتمعه، والذي يستجيب لمتطلباته، ويشارك في تحقيق أهدافه. وهذا النمط لا يتكون في رأيه، إلا في الجماعة. وما ذلك إلا لأن الجماعة هي التنظيم الذي يوفر المناخ الملائم لنشأة علاقات المسؤولية المتبادلة، وإحساس الفرد بواجبه تجاه الغير. وفي ظلها يحل الانسجام والتناسق بين الأهداف الفردية والجماعية والمجتمعية. فلا غرو أن يطالب العاملين في المؤسسة التربوية والإنتاجية بتشكيل تنظيمات جماعية، وأن يسعوا جميعاً، كل حسب قدراته وخبراته وموقعه، بتناسق وانضباط لتحقيق هدف واحد. وبالنظر إلى ما تحمله الجماعة من أهمية كبرى على صعيد تربية الأفراد، فقد أطلق مكارينكو عليها "الآلة الثمينة". والجماعة، في نظر مكارينكو، ليست شيئاً ثابتاً، وإنما هي في حركة دائمة وتطور مستمر نتيجة نشاط أعضائها الذي تبعث عليه الحالات الغائية ذات الصلة بالمستقبل. وأثناء وجودها فإنها تنتقل من مستوى إلى مستوى آخر أكثر رقياً وتعقيداً، فتتحول من الأهداف الفردية القريبة والبسيطة إلى الأهداف الجماعية البعيدة والمعقدة، ومن ثم إلى الأهداف الاجتماعية الأبعد والأعقد. وفي هذه الحركة المتنامية و المتصاعدة التي تجسّد الانسجام بين الآفاق المستقبلية للشخصية والجماعة والمجتمع تتبدى جدلية مكارينكو التربوية الواقعية. وهذا ما يوضحه من خلال تحول المهمات التي يحددها المربي من مطالب يتبناها في البداية عضو الجماعة إلى مهمات تحددها الجماعة ذاتها وتطالب بتنفيذها. أي أن الجماعة تصبح في أعلى مراحل تطورها منظومة ذاتية التوجيه والتسيير. وتتجلى تلك الجدلية في أعمال مكارينكو كذلك عبر تحوّل الجماعة من وسيلة إلى هدف رئيسي للعملية التربوية، ومن موضوع للتربية إلى ذات تتصف بالفاعلية الداخلية، وتخضع لقوانين خاصة في نشاطها وحركتها. كتب مكارينكو في هذا المعنى يقول: "وفي هذا الشكل من الاستجابة الجماعية بالذات لا تعتبر الجماعة موضوعاً للتربية فحسب، بل وذاتاً لها، إذ أنَّ في هذا الشكل تمرّ الجماعة بتجربة الدفاع النشط عن مصالحها".(المرجع السابق، ج5، 69). وبالاعتماد على هذا التصور أجرى مكارينكو تعديلات جوهرية على مخطط التأثير التربوي، فجعل التفاعل عبر العملية التربوية ثلاثي الأطراف بدلاً من قصره على طرفين فقط مثلما هو قائم في النظريات التربوية. ووفق المخطط الجديد الذي يقترحه مكارينكو فإن الجماعة تتوسط العلاقة بين المربي (المعلم)، والمتربي (التلميذ). وتتخذ العلاقة التربوية صيغة (المربي ـ الجماعة ـ المتربي). بدل الصيغة المعروفة (المربي ـ المتربي). وقد أطلق مكارينكو على مخططه اسم منهج "الفعل التربوي بالتوازي". وفيما يتعلق بموقع المربي ودوره في الجماعة يشير مكارينكو إلى أن المربي لا يؤثر في الجماعة وعبرها في الشخصية تأثيراً إيجابياً وفعّالاً على نحو يجعل الكل يعمل من أجل الواحد، والواحد من أجل الكل مالم يتخلَّ عن دوره التقليدي كمرشد وواعظ إداري، ويعتبر نفسه عضواً في الجماعة، ومسؤولاً عنها، ورفيقاً كبيراً لأعضائها يسعى لكسب ثقتهم، وذا خبرة يعمل على الأخذ بيدهم، ويكون عوناً لهم في كلّ نشاط يقومون به. لقد ألمحنا إلى أن التربية في رأي مكارينكو عملية مستمرة، لا تقتصر على مرحلة دون أخرى، أو عمر دون سواه. فالمخلوق البشري يظل بحاجة إلى التربية والتعلُّم مادام حيّاً. ولهذا أناط مسؤولية ممارستها بجميع الدوائر الاجتماعية التي يوجد الإنسان فيها وينشط من خلالها. وتتمثل هذه الدوائر في المنزل والمدرسة والمؤسسة الإنتاجية وغيرها. ومن المعروف أن الإنسان منذ طفولته الأولى يمارس نشاطات هامة كاللعب ومعاشرة الآخرين والتعلم والعمل. وقد شدّد مكارينكو على ضرورة توظيف جميع هذه النشاطات واستغلالها لمصلحة التطور الجسمي والفيزيولوجي والنفسي للإنسان. ويتم ذلك عن طريق تأطير هذا الأخير، أي الإنسان، داخل الجماعة. كما أكد أهمية التعاون بين مختلف الدوائر للاضطلاع بهذه المهمة. وفي هذا السياق يشير إلى الدور الذي تلعبه التربية المنزلية والمدرسية والعملية، وضرورة التكامل بين التربية المنزلية والمدرسية من جهة، والتعليم والعمل من جهة ثانية. حيث يرى أن في التربية العملية بشكل خاص يتحقق التطور العام للفرد. ويرجع ذلك إلى الخصائص التي يتميز بها النشاط العملي. فهو موجّه لإنتاج القيم الاجتماعية أولاً، ومنظم تنظيماً جيداً ثانياً، ويقوم على أساس التفاعل الجماعي ثالثاً. وعلى قاعدة ثقة مكارينكو بأنَّ شروط الإنتاج توسع إمكانية العمل التربوي، فقد دعا إلى إنشاء مدرسة لـ"التربية الإنتاجية"، إلى جانب التربية المهنية يكون هدفها على الصعيد النفسي تكوين القدرات والمهارات والاتجاهات والميول الضرورية عند الفرد المنتج. (1) ـ قد يكون المقال الذي نشرته ف.أ.كالتسوفا في العدد السادس لعام 1988، من "المجلة السيكولوجية السوفيتية"، تحت عنوان "منظومة آراء مكارينكو السيكوتربوية" بمناسبة مرور مئة عام على ولادة مكارينكو هو المحاولة الأولى التي تنظر إلى أفكار هذا المربي وتصوراته كمنظومة سيكوتربوية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |