علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل السادس والأربعون : تطور النظرية التاريخية الثقافية وظهور مدرسة فيغوتسكي ـ لوريا ـ ليونتيف

بعد أن حسم الصراع الذي شهدته بداية العشرينيات بين الاتجاهين المتعارضين: المثالي بزعامة جيلبانوف، والمادي بزعامة كارنيلوف، وتسلم هذا الأخير إدارة معهد علم النفس التابع لجماعة موسكو خلفاً لخصمه جاء فيغوتسكي إلى المعهد عام 1924 ليعمل كمساعد فيه بناء على الدعوة التي وجهتها إليه الإدارة الجديدة. وهنا يتعرف على اثنين من المساعدين الأصغر منه سناً، كانا قد سبقاه إلى المعهد بوقت قصير، وهما الكسندر رومانوفيتش لوريا (1902 ـ 1977)، والكسي نيكولايفيتش ليونتيف (1903 ـ 1979).‏

لقد كانت لكل من الشابين، لوريا وليونتيف، محاولاته العلمية قبل التحاقه بالمعهد. ولكنهما لم يتمكنا حتى ذلك التاريخ من وضع تصور عام وواضح عمّا يمكن أن يسهما به في إرساء قواعد علم النفس الجديد الذي كان وقتذاك الموضوع المركزي بالنسبة للجميع. ولعلَّ صغر السن ونقص التجربة كانا وراء غياب ذلك التصور. وهما اللذان جعلاهما يعجبان بشخصية فيغوتسكي لما تميزت به من ذكاء حاد وثقافة واسعة. وقد بقي الاثنان وفيين له، مخلصين لأفكاره، داعيين بحماس شديد لتطويرها وتطبيقها في ميادين علم النفس المختلفة.‏

قدم لوريا إلى موسكو من مدينة كازان بعد أن تخرج من جامعتها وأثناء دراسته الجامعية اطلع على النظرية الفرويدية وأُعجب بها. ولكنه سرعان ما اكتشف أن التحليل النفسي يفتقر إلى الأساس العلمي الذي يجعل منه البديل القادر على تقديم تفسير مقبول للظواهر النفسية، والوقوف في مواجهة النظريات السيكولوجية الأخرى.‏

وكان لوريا في كازان قد بدأ بدراسة تجريبية لظاهرة الانفعال عند الإنسان. وقد وضع فيها طريقة جديدة عرفت باسم "الطريقة الحركية المزدوجة". وتستدعي هذه الطريقة قيام المفحوص بالاستجابة الكلامية على المنبه والضغط في نفس الوقت على زر موجود أمامه بأحد أصابع يده.‏

وكانت المنبهات التي تعرض على المفحوص عبارة عن كلمات قد تحمل معنى ما بالنسبة له. ولمعرفة تأثير تلك المنبهات على المفحوص كانت تسجل جميع استجاباته بوساطة جهاز خاص. وقد أظهرت التسجيلات ومحاضر التجارب أن المنبهات التي تعني شيئاً ما بالنسبة للمفحوص تؤثر عليه، وتستجر لديه تغيّرات في ردود أفعاله وأشكال استجاباته. وقد وجد لوريا في هذه الملاحظة برهاناً على موضوعية الطريقة الحركية المزدوجة وكفاءتها في دراسة التغيرات الكلامية و الحركية التي تصاحب الحالة الانفعالية عند الإنسان. وكان ذلك جلياً لدى دراسة الحالة الانفعالية المعقدة عند الطلاب في فترة الامتحانات، وعند الأشخاص المشبوهين، والمرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية.‏

وبهذه الطريقة يعارض لوريا نظرية جيمس ولانج المعروفة باسم "النظرية المحيطية في الانفعال"، والتي اهتمت بدراسة التغيرات التي تطرأ على الوظائف الإعاشية كسرعة التنفس ونبضات القلب، واحمرار أو اصفرار الوجه، وارتعاش اليدين... الخ. وقد أقام معارضته على أساس أن انعكاس الانفعال وتأثيره على دينامية العمليات الكلامية و الحركية وإمكانية تتبع ذلك تقرّب الباحث من السلوك الانفعالي الغائي عند الإنسان أكثر ما تفعله دراسة التغيرات الإعاشية.‏

وبعد أن انتقل لوريا إلى معهد علم النفس في موسكو تابع دراسته للانفعالات بمشاركة ليونتيف الذي كان هذا الموضوع جزءاً من اهتماماته. وقد ظهر هذا العمل المشترك في مقال نشر عام 1926 ضمن كتاب "مشكلات علم النفس المعاصر"، تحت عنوان: "دراسة الأعراض الموضوعية للاستجابات الانفعالية". وأهم ما جاء في هذا المقال هو أن انفعالات الإنسان تؤلف تشكيلات متكاملة، تنتظم مركباتها الإعاشية و الحركية والكلامية وفق تدرّج معقد، وتقوم بينها علاقات متبادلة. وأن دينامية هذه المركبات تتغير مع تغيّر الحالة الانفعالية من شكل إلى آخر، وتنتقل من مرحلة إلى أخرى.‏

وفي ضوء هذه النتائج وعبر أفقه العلمي الذي كان يتسع أكثر فأكثر، بدأ لوريا يرتاب في إمكانية انعكاسية كارنيلوف على تقديم تفسيرات مقبولة للوقائع النفسية. وأحسّ بضرورة توفير خلفية نظرية تعين الباحث على أداء هذه المهمة. وفي تلك الأثناء تطورت علاقته بفيغوتسكي. وتحمس لأفكاره، وخاصة ما يتعلق منها بالبنية النفسية التي يختلف فيها الإنسان عن سائر الكائنات الحية، وبمنشئها الاجتماعي. وكانت بداية المرحلة الثانية من نشاطه العلمي حينما وضع مع فيغوتسكي "موجز تاريخ السلوك" عام 1930. ويعدّ هذا المؤلّف أولى المحاولات التي سعت لتجسيد مبدأ الحتمية الاجتماعية والتاريخية في علم النفس بصورة عملية ومحسوسة. وتجلى ذلك من خلال عرض المؤلفين لمراحل تطور الثقافة المادية والروحية للمجتمع البشري واقتران ظهور التشكيلات النفسية الراقية عند الإنسان بوجوده داخل المجتمع واستيعابه لثقافته.‏

واستمر التعاون بين لوريا وفيغوتسكي في نفس الاتجاه. وتوّج بصدور كتاب ثان لهما عام 1931 بعنوان "الأداة والإشارة". وفيه يواصل مؤلفاه محاولتهما لوضع قواعد نظرية وعملية لمشكلة النشأة الاجتماعية للوظائف النفسية العليا الخاصة بالإنسان وبنائها الوسيطي وغير المباشر. حيث وجدا أن هذه الوظائف تتشكل في مجرى النشاط العلمي والروحي الذي يقوم به الفرد واستخدامه الوسائل والأدوات التي أوجدها المجتمع عبر تطوره الثقافي الطويل. وضمن هذا الإطار لاحظ فيغوتسكي ولوريا أنه في الوقت الذي ينجز فيه الإنسان نشاطه العملي بواسطة الأدوات المادية الإنتاجية، يتحقق نشاطه النفسي بمساعدة الأدوات الخاصة بالإنتاج الروحي والثقافي المتمثلة في منظومة متنوعة من الإشارات. ومن ضمنها، وأهمها الإشارات الكلامية (اللغة). وهذه المنظومة تحمل طابعاً اجتماعياً وتاريخياً. فالمجتمع البشري هو الذي صنعها وطورها خلال نشاط الأجيال المتعاقبة. وهي تُحضر وتُستعمل كوسيلة لتجمع الناس واتصالهم بعضهم ببعض. وشيئاً فشيئاً ومع استعمال الفرد منذ طفولته لها أثناء معاشرته للكبار وامتلاكه لها تتحول إلى وسائل يمتلك بواسطتها نشاطه الخارجي، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تشكل العمليات النفسية الوسيطية الخاصة بالإنسان، كالانتباه الإرادي والتذكر المنطقي والتفكير المجرد... الخ.‏

ولإثبات صحة هذه الفرضية كان لوريا قد أ جرى في السنوات الثلاث الأخيرة من العشرينيات سلسلة من الدراسات مستخدماً فيها الطريقة التجريبية. فتناول في إحداها مشكلة التذكر الوسيطي عند مجموعة من الأطفال في مختلف الأعمار. إذ كان على الطفل أن يتذكر مجموعة من الكلمات بواسطة الرسم التخطيطي. وقد بيّنت الوقائع التجريبية أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم مابين السنة الثالثة والسادسة أو السابعة لا يستطيعون استخدام رسومهم كوسيلة للتذكر على الرغم من أن مستوى إمكانيتهم على الرسم كان مقبولاً إلى حدّ ما.‏

فذاكرتهم لا تزال تحمل طابعاً لا إرادياً ومباشراً. ولوحظت بدايات الاعتماد على الرسم في تذكر المادة (الكلمات) المطلوبة عند الأطفال الأكبر سناً. وقد وجد الباحث أن القدرة على اتخاذ الرسم وسيطاً أو وسيلة للتذكر تظهر بصورة واضحة عند أطفال المرحلة اللاحقة، حيث تكون رسوم تلاميذ المرحلة الابتدائية أكثر دقة، مما يسهل عليهم مهمة الاحتفاظ بالكلمات واسترجاعها. كما تبيّن له أن المراهق يحتفظ بالكلمات ويسترجعها دون الحاجة إلى وسائل أو وسائط مهما كان نوعها.‏

وعلى أساس هذه المعطيات توصل لوريا إلى أن التذكر يكون في البداية خارجياً ومباشراً. وأن الوظائف النفسية العليا، بصورة عامة، تتشكل وتتطور على هذا النحو. حيث تبدأ من الخارج ومع الموضوعات المادية، وتتحول تدريجياً إلى الداخل بمساعدة الرموز والإشارات. وقد عبر لوريا عن هذه النتيجة بقولـه: "يبدأ فعل الطفل بإشارات الأم وأوامرها، وينتهي بتغير وجهة نظره أو بحركات يده. وفي هذه المنظومة يقسم الفعل بين اثنين: أمّ تبدأ الفعل، وطفل يكمله. وفي بنية الفعل هذه تتوضع مصادر الفعل الإرادي". (لوريا، 1977، 74). ويقصد لوريا بذلك أن الطفل يخضع لتوجيهات الأم وإرشاداتها في البداية، ثم يشرع باستخدام كلامه الخاص كوسيلة توجّه سلوكه وتنظمه، وفي هذا يقول أيضاً: "من واقعة الخضوع الاجتماعي لكلام الراشد ينشأ الفعل الذي يخضع للكلام الخاص، الموجّه ذاتياً، الإرادي والاجتماعي من حيث نشأته، والذي يتوسطه العالم المادي والكلام من حيث بنيته". (المرجع السابق، 74).‏

وبالإضافة إلى دراسة تشكل الوظائف النفسية العليا وتطورها عند الإنسان عبر مراحل حياته قام لوريا بدراسة للتحقق من صحة الفرضية القائلة بأن الشروط الاجتماعية هي التي تحدد مضمون تلك الوظائف وبنيتها الداخلية. وهذه الدراسة التي أُجريت خلال عامي 1930 و1931 هي أول دراسة في الاتحاد السوفيتي تهدف إلى معرفة الفروق في الخصائص النفسية بين الناس الذين ينتمون إلى بيئاتٍ ثقافيةٍ متفاوتةٍ. فقد تمّت في أحد أرياف‏

جمهورية أوزبكستان حيث كان الناس يعيشون في ظلّ ظروف اقتصادية واجتماعية متخلفة جداً.‏

ولقد مكّنت هذه الدراسة من الوقوف على قدرات عينة تمثل ذلك المجتمع الذي كان يضم رجالاً أميين يستخدمون في نشاطهم الإنتاجي الزراعي والرعوي البسيط أساليب بدائية. كما يضمّ نساء يعشن في عالم خاص ومغلق. فالتفكير عند أفراد العينة يحمل طابعاً محدداً وصورياً خالصاً. وهذا ما دللت عليه تلك الصعوبات التي كانوا يواجهونها أثناء حل مسائل لا تتطلب منهم سوى القدر الأدنى من التجريد والتعميم والمرونة الذهنية والتسلسل المنطقي. وعلى الرغم من أن عناصر تلك المسائل وموضوعاتها لم تكن غريبة عن بيئتهم، إلا أنهم لم يتمكنوا من تجاوز انطباعاتهم الحسية حولها أو الصور التي كانوا يحملونها عنها إلى التعامل معها على أساس ما يجمعها أو يفرقها من صفات وخصائص مشتركة أو مختلفة. فبدل أن يضعوا الألوان في فئات تجمع كل واحدة منها تموجات اللون وتدرجاته (تدرجات اللون الأحمر في فئة وتدرجات اللون الأخضر في فئة ثانية...وهكذا)، أقاموا تقسيمهم للألوان حسب خبرتهم الحياتية الحسية، حيث فصلوا كل تدرج عن التدرجات الأخرى عن طريق ربطه بموضوع مشخص ومعروف لديهم. فعزلوا تدرجات اللون الأخضر بعضها عن بعض لأن أحدها يمثل، حسب تصورهم، لون العشب في فصل الربيع، والآخر يمثل لون أوراق أشجار معينة...الخ.‏

وفي تجربة أخرى كان أفراد هذه العينة يصرفون أذهانهم تماماً عن شروط المسألة ومقدماتها ويجيبون عليها وفق ما تمليه عليهم خبرتهم الحياتية. فعندما كان يقال لهم، مثلاً: إنه في أقصى الشمال حيث الثلوج المتراكمة دوماً يكون لون الدببة أبيضاً، فما لون الدببة التي تعيش في المنطقة "س" الموجودة في أقصى الشمال؟ كانوا يجيبون: "لن أكذب عليك وأتحدث عن شيء لم أره". أو "لم أذهب إلى هناك، ولا علم لي بذلك أبداً"، (لوريا، 1974، 113).‏

وبالمقابل فقد أظهرت معطيات الدراسات التي أجراها لوريا وغيره من الباحثين على أبناء المجتمعات الحضرية الذين يستخدمون الأدوات والوسائل المتقدمة في نشاطهم الإنتاجي والاجتماعي أن أفراد عينات هذه الدراسات يتمتعون بقدرات عالية على التعميم والتجريد والاستدلال المنطقي. وبناء على هذه المعطيات وجد لوريا أن الخصائص النفسية الإنسانية تتكوّن في ظل الشروط الاجتماعية ومن خلال النشاط الذي يمارسه الناس. وأنه ليس ثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن العوامل البيولوجية هي التي تقرر مستوى تلك الخصائص عند أفراد هذه السلالة أو تلك، أو لدى أبناء هذا العرق أو ذاك. وللحصول على مزيد من المعطيات التي تعزز صحة هذا الاتجاه عاد لوريا إلى تلك الأرياف الأوزبكية بعد التغيرات التي شهدتها الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها وطبق اختباراته على مجموعة من سكانها. فوجد أن مستوى القدرات الذهنية عند أفراد هذه المجموعة أعلى بكثير مما كان عليه حالها عند أسلافهم، وأنه ليس أقل من المستوى الذي يتمتع به أترابهم الأوربيون.‏

ولئن كان الهدف من نشاط لوريا خلال الأعوام مابين 1925 و1931 هو إبراز الدور الحاسم للأدوات والإشارات في الحياة النفسية للإنسان، وتطور هذه الأخيرة تبعاً لتطور تلك الأدوات والإشارات عبر النشاط المادي والثقافي والروحي للأجيال المتعاقبة، فإن دراسته التي أجراها مع مساعديه على التوائم لا تبتعد عن ذلك الهدف المركزي الذي كرس له نشاطه العلمي، وبقي يسعى إليه من جوانب شتى حتى وفاته.‏

لقد أراد لوريا من دراسته للتوائم أن يقف على دور العوامل الوراثية والبيئية في التطور النفسي عند الأطفال. ولهذا اختار طريقة التوائم، وأدخل بعض التعديلات عليها. فقد لجأ إلى تعليم أحد التوأمين وإكسابه وظائف نفسية معيّنة. بينما لم يخضع التوأم الآخر لهذه العملية. وعلى الرغم من وجود مجموعة التوائم ضمن شروط اجتماعية واحدة، فإنَّ نتيجة الاختبارات، القَبْلية والبَعْدية، التي طبقت على جميع أفراد تلك المجموعة أثبتت أنَّ العلاقة الارتباطية بين عاملي الوراثة والبيئة التي تحدّد هذه الصفة أو تلك عند الإنسان لا يمكن تقويمها بالعمق والشمول كما يزعم الكثير من الباحثين. ذلك أن لهذين العاملين دوراً متفاوتاً في تحديد الصفات النفسية المختلفة. ففي الوقت الذي يبرز فيه عامل الوراثة كمحدد للوظائف النفسية الأولية، كالتذكر البصري المباشر أو اللا إرادي، مثلاً، يتراجع دوره إلى حد كبير في تكوين الوظائف النفسية العليا، كالإدراك المعنوي، والتذكر الإرادي، والتفكير الكلامي، ويفسح المجال للشروط البيئية التي تحتل أهمية كبيرة على صعيد تشكلها وتطورها.‏

وبصورة أكثر تحديداً فقد أظهرت دراسة لوريا ومساعدته أ.ن.ميرانوفا لتطور الأشكال المعقدة من التحليل و التركيب الحسيين للعلاقات المكانية أن الأطفال التوائم الذين تلقوا تعليماً خاصاً واكتسبوا خلال النشاط الإنشائي أو التركيبي أساليب متقدمة في تحليل وتركيب الأشكال المعقدة أبدوا في الاختبارات البعدية قدرات في التحليل والتركيب الحسيين أرفع بكثير من قدرات أشقائهم وشقيقاتهم.‏

وإلى جانب ذلك اهتم لوريا في تلك الفترة بالآليات الدماغية للنشاط النفسي. وبدأ دراسته لهذا الموضوع مع فيغوتسكي في إحدى عيادات الأمراض العصبية. وتابع عملية على هذا المحور أثناء الحرب العالمية الثانية. ووضع مع مساعديه وتلاميذه عدداً من الاختبارات لتشخيص ا لاضطرابات النفسية الناجمة عن الإصابات التي تلحق بالمخ. واستخدم طرائق وأساليب متعددة في علاجها. ومنذ نهاية الحرب أصبح الجانب الفيزيولوجي والعصبي والوظائف التي يقوم بها المخ وآليات نشاطه عند الإنسان يحتل المكانة الأولى في قائمة اهتمامات لوريا. ولكي يتمكن من معالجة المشكلات المتعلقة بهذا الميدان درس الطب وحصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الطبية بعد أن كان قد حصل على درجة الدكتوراه في العلوم التربوية.‏

وبالنسبة لألكسي ليونتيف فإن اهتماماته لم تكن آنذاك بعيدةً عن اهتمامات لوريا، بل كانت قريبةً منها إلى حد كبير. فقد استهل نشاطه العلمي عندما كان طالباً في كلية العلوم الاجتماعية ببحث حول "نظرية الانفعالات". ثم أعدّ رسالة التخرج في نفس الموضوع. وعقب التحاقه بمعهد علم النفس مباشرة بهدف مواصلة الدراسة قام ببحثين تحت الإشراف المباشر لجيلبانوف، تناول في الأول الوقائع الحركية في ضوء نظرية جيمس. وخصص الثاني لعرض وتحليل تعاليم سبنسر التطورية.‏

وإذا جاز لنا أن نعتبر أعمال ليونتيف هذه كمرحلة أولى من حياته العلمية، فإن المرحلة الثانية تبدأ بلقائه مع لوريا وانضمامه إلى العاملين في المخبر الذي كلّف لوريا بالإشراف عليه، ثم مجيء فيغوتسكي ولقائه بهما. ولقد حملت هذه المرحلة بأعوامها القليلة تطوراً هاماً في توجهات ليونتيف الفكرية. ففي تلك الأعوام كان العمل يجري حثيثاً لإقامة علم النفس السوفيتي على أسس المادية الجدلية والتاريخية. وكانت آراء فيغوتسكي تفرض نفسها بقوة على الكثير من الباحثين الشباب، وفي مقدمتهم لوريا وليونتيف، لأنها، في نظرهم، تستجيب أكثر من سواها لذلك الطموح.‏

ومع أن أعمال فيغوتسكي الأولى كتبت بلغة الانعكاسية التي كانت دارجة آنذاك، فإنها كانت في كثير من المواضع تعكس الفهم الجدلي لعلاقة الوعي بالواقع. وقد تجلى ذلك بشكل خاص في مقدمته لكتاب لازورسكي "علم النفس العام والتجريبي" الذي صدر عام 1925، حيث تعرض فيغوتسكي من خلال هذه المقدمة إلى الوعي وعلاقته بالنشاط العمليّ الفعّال، وأسبقية ماهو اجتماعي على ماهو فردي في النشاط والوعي.‏

وفي تلك الأعوام شرع فيغوتسكي ومساعدوه بدراسة الوظائف النفسية العليا (التذكر والانتباه والتعميم). وقد حمل ليونتيف مهمة دراسة التذكر. واستخدم في ذلك المنهج التجريبي التكويني والنشوئي الذي اقترحه فيغوتسكي. كما اعتمد على فكرة التوسيط الأداتي ـ الإشاري الذي يميز النشاط الإنساني الواعي. ولعلّ أهمّ ما كشفت عنه هذه الدراسة التجريبية هو انتقال الذاكرة أثناء تطورها النوعي والفردي من المستوى المادي الحسي الخارجي المباشر إلى المستوى الخارجي غير المباشر، ومنه إلى المستوى الكلامي الداخلي غير المباشر.‏

لقد كشف لوريا عن أن التذكر لا يرقى إلى مستواه العالي، والذاكرة لا تصير منطقية إلا بتطور الكلام وتحوله من الخارج إلى الداخل. فمع عملية استدخال الكلام يبدأ التذكر بالاعتماد على الوظيفة الأداتية للكلمة. أي أنه يضحي ضرباً من ضروب النشاط الكلامي.‏

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو الاستدراك الذي قام به فيغوتسكي ومساعدوه لتصويب هذا التفسير الذي اعتمد على جانب واحد من الكلام فقط، وهو الجانب الأداتي، في تفسير نشوء الوظائف النفسية العليا. وكان ذلك من خلال الدراسة التجريبية التي أجراها فيغوتسكي ومساعدته ل.س. ساخاروف للتأكد من الدور التعميمي (الفكري، المعنوي) للكلمة.‏

وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أنه ينبغي النظر إلى الكلمة ليس من جانبها الأداتي ـ الوسيلي فحسب، بل ومن جانب مضمونها الداخلي، أي معناها أيضاً.‏

عرض ليونتيف تجاربه واستنتاجاته بالتفصيل في كتاب نشره عام 1928 تحت عنوان: "تطور الذاكرة، دراسة تجريبية للوظائف النفسية العليا".‏

وبعد انضمام كلّ من أ.ف. زاباروجيتس وب.إ.ليفينا ون.غ.ماروزوفا ول.س. سلافينا ول.إ.بوجوفيتش إلى المجموعة خلال عامي 1928 و1929 تزايد حجم الموضوعات التي كان يتعين عليها معالجتها، وتغير اتجاه البحث فيها. وقد تركت مشاركة ليونتيف في تنفيذ برنامج العمل لبضع سنوات آثارها الإيجابية على مستقبل هذه المدرسة بشكل عام. ويبدو ذلك بوضوح في دراساته للعلاقة بين الكلام والأفعال المادية الخارجية وتطورها عند الطفل، التي بدأها في موسكو واستمر بها بعد انتقاله إلى مدينة خاركوف عام 1930، ليعمل في دائرة علم النفس بمعهد أوكرانيا لعلم النفس العصبي(1).‏

وكان يساعده أثناء ذلك زاباروجيتس وبوجوفيتش بالإضافة إلى شاب من مدينة خاركوف يدعى بيوتر ياكوفليفيتش غالبيرن. وخلال عامي 1931 و1932 التحق بالدائرة كل من ب.إ.زينجينكو وغ.د.لوكوف وف.إ.أسنين. وبهؤلاء اكتملت المجموعة التي عرفت في علم النفس داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه باسم مجموعة خاركوف.‏

تولى ليونتيف توجيه النشاط العلمي للمجموعة في ضوء أفكار فيغوتسكي وتصوراته. وتمحور هذا النشاط طوال الثلاثينيات حول العلاقة بين النشاط العلمي والوعي. ففي السنوات الأولى من هذا العقد (1931 ـ 1933) تناولت المجموعة مشكلات الشكل والعملية. حيث درست "علاقة الكلام بالذكاء العملي" (بوجوفيتش)، و"التفكير الحواري عند الطفل ما قبل المدرسة وتطور المعاني". (بوجوفيتش وزاباروجيتس)، و"مشكلات النسيان"، (زينجينكو)، و"تمثل المفهوم في عملية التعلم" (ليونتيف). كما شرع زاباروجيتس ببحث مشكلات "الإدراك كفعل".‏

وفي العامين التاليين (1934 ـ 1935) وجّه ليونتيف اهتمامه نحو تتبع النشاط الخارجي للمفحوص أثناء أدائه لمهمة ما. وقد أسهم كلّ من غالبيرن وزاباروجيتس وبوجوفيتش وأسنين وزينجينكو في هذه الحلقة من الدراسات. وأهم ما توصل إليه ليونتيف في نهايتها هو "أن امتلاك الأداة، وكذا المعنى، يعني امتلاك العمليات"... (ليونتيف وعلم النفس المعاصر، 1983 أ ، 15). ويضيف ليونتيف "إنَّ الصفات الموضوعية للشيء هي التي تحدد العملية، وإنَّ كيفية تجلى الشيء أمر مرهون بموقف الإنسان وبمجمل مجرى نشاطه. وهذا الأخير هو الحياة".(المرجع السابق، 15).‏

أما المسائل التي درسها ليونتيف ومجموعته خلال عامي 1935ـ 1936 فتتمثل في الكشف عن مورفولوجية النشاط والوعي. وفي هذا الباب أظهرت تجربة غ.ل.لوكوف العلاقة المتبادلة بين النشاط العملي و النشاط النظري عند الأطفال خلال ممارستهم لنشاط اللعب. كما لاحت لليونتيف فكرة بنية النشاط ككل وارتباط نجاعة الحل (أو الحلول) المستخدم في حل المسألة المطروحة بالهدف والدافعية وطبيعة هذا النشاط، وذلك عبر معطيات الدراسة التي قام بها ف.اسنين وتناول من خلالها نشاط اللعب ودوره في التطور النفسي عند الطفل في شتى مستوياته النمائية.‏

وعلى أساس السلسلة الأخيرة من الدراسات التي أجرتها مجموعة خاركوف واستمرت حتى عام 1940 توصل ليونتيف إلى أن الدافع يعتبر أحد المركبات الهامة التي يتألف منها النشاط. ووقف كذلك على مستوى وعي الذات لسلوكه الخاص ولعالمه المحيط والتحكم بهذا السلوك وعلاقته بدينامية دوافع النشاط وأهدافه من جهة، والأفعال والعمليات من جهة ثانية.‏

وفي تلك السنوات كان ليونتيف يتنقل بين خاركوف وموسكو وليننغراد. فمنذ عام 1934 عُيّن رئيساً لمخبر علم النفس النمائي في معهد الطب التجريبي وأستاذاً في المعهد العالي للتربية في موسكو. بيد أنه توقف عن العمل في المخبر عام 1936. وعاد إلى معهد علم النفس. وبقي فيه حتى انتقاله إلى جامعة موسكو. وفي هذا المعهد كانت بداية تناوله لمشكلات تطور النفس إلى جانب دراسته لمشكلات النشاط والوعي في مدينة خاركوف.‏

ولعلَّ المشكلة الأولى والأهم التي درسها ليونتيف بالتعاون مع س.م. ايزينشتين دراسة تجريبية هي مشكلة الحساسية الضوئية للجلد. فقد دلّلت هذه الدراسة على وجود إمكانية إحساس الإنسان بالضوء والتمييز بين ألوانه ليس عن طريق البصر، وإنما بواسطة الجلد حين تتاح له فرصة كافية لتنشيطه وتوظيفه في هذا المجال.‏

وقبل اندلاع الحرب على الجبهة السوفيتية عام 1941 ترأس ليونتيف قسم علم النفس في معهد ليننغراد للتربية التي كان يعمل فيه أحد أتباع النظرية التاريخية الثقافية، وهو د.ب.الكونين منذ أكثر من عشرة أعوام.‏

ولقد تمحورت جهود ليونتيف في معالجة مشكلات تطور النفس ـ كما يقول ابنه ـ حول:‏

1 ـ التطور النوعي للنفس، ونشأة الحساسية بصورة خاصة.‏

2 ـ التطور الوظيفي للنفس، أي تكوّن النشاط وتوظيفه.‏

3 ـ نشأة الوعي وتطوره(2). (المرجع السابق، 17).‏

انطلق ليونتيف في دراسته للنفس وتطورها النوعي والفردي من القاعدة التي وضعها سيجينيف والتي تقضي بأن يتوجه الباحث إلى المظاهر النفسية البسيطة لدى الحيوانات، وليس لدى الإنسان. وأن يبدأ بها قبل أيّ شيء آخر خطوته الأولى في معالجة الوقائع النفسية. وتجسّد هذه القاعدة المبدأ الجدلي الذي يرى أن الفهم العلمي للظاهرة، ومعرفتها بدقة مهمة تتطلب تناول تلك الظاهرة في حركتها المستمرة، وتتبع مراحل وأطوار حياتها المتعددة. ولم تكن هذه القاعدة أكثر وضوحاً وحضوراً في ذهن ليونتيف من التعاليم التطورية والداروينية منها على وجه الخصوص. فقد تمثلها جيداً، وعرف حدود تأثيرها في النظريات النفسية وغير النفسية. ومن بينها نظرية بافلوف.‏

أخضع ليونتيف تصورات العلماء والمفكرين حول نشأة النفس وتطورها إلى تحليل نظري شامل وتوصل في نهايته إلى القول بوجود أربع نظريات تعوزها الأدلة العلمية لإثبات أن النفس هي خاصية الإنسان وحده كما تدعي النظرية الأولى، أو أنها مقترنة بوجود جهاز عصبي لا تملكه سوى بعض الحيوانات حسب اعتقاد النظرية الثانية، أو أنها توجد لدى جميع الكائنات الحية مثلما تقول النظرية الثالثة، أو أنها صفة عامة تطلق على مظاهر الطبيعة كلها وفقاً لما تذهب إليه النظرية الرابعة.‏

وانتقل، من ثم، إلى طرح بديل عن تلك النظريات. وفي هذا السياق يلفت الانتباه إلى الأبعاد المتعددة التي يتعين مراعاتها جميعاً عند البحث في مشكلات تطور النفس النوعي والفردي. وهذه الأبعاد هي: البعد البيولوجي والبعد التاريخي والبعد الوظيفي والبعد الفردي.‏

وربما يبدو من الواضح أن هذه القاعدة تتضمن نظرة ليونتيف إلى ارتباط النفس بحياة الجسم الحي، والتعرف على أشكالها المختلفة وتتبع مستوياتها المتفاوتة التعقيد، أي دراسة تطورها، في المجرى الطبيعي العام لتطور تلك الحياة. ولقد عبر ليونتيف عن ذلك بقوله: "لا توجد نفس خارج العملية المادية لحياة الكائنات المنتظمة فيزيائياً على نحو ما. لذا فإننا لا ندرس تطور النفس بمعزل عن تطور الحياة، بل تحديداً في ارتباطها مع تطور الحياة، بوصفه تطوراً لأشكالها الراقية ولّده تطور شروط موضوعية معينة". (ليونتيف، 1972، 26).‏

ومن هذا المنظور وجد ليونتيف أن النفس تتجلى عند الكائن الحي لحظة انتقاله من مستوى "الاستثارة"، إلى مستوى "الحساسية". وعلى الرغم من وجود خاصية مشتركة بين المستويين، إلا أن ليونتيف لم ير في المستوى الأول، أي الاستثارة، ما يدعوه إلى اعتباره الشكل الأولي للنفس. وآية ذلك أن الكائنات العضوية البسيطة لا تزال تعيش حياة هلامية عفوية، الأمر الذي لا يمكنها من الرد على التأثيرات التي تتلقاها من الشروط البيئية. فهي جزء منها غير مستقل أو منفصل عنها.‏

بينما يختلف الأمر بالنسبة للكائنات العضوية الأعلى. حيث يرى ليونتيف أنها تعيش بصورة منفصلة عن موضوعات حاجاتها. وهذا ما يستدعي وجود قدرة أخرى أعلى من الاستثارة من شأنها أن تعكس الواقع الخارجي. فلكي تحصل هذه الكائنات على ما يشبع حاجاتها الحيوية لابد من أن تتمكن من التوجه في البيئة المحيطة واستقبال صفات الموضوعات الخارجية التي لا تحمل أي أهمية بحد ذاتها، ولكنها ذات صلة وثيقة بصفات أخرى ذات أهمية حيوية بالنسبة لها، أي أنها تشير إلى وجود أو غياب هذه الأخيرة. وعلى هذا فإن الطابع المادي الذي يكتسبه نشاط الكائن الحي يمهد لنشأة الشكل الأولي للانعكاس النفسي الذي يعرفه ليونتيف بـ"الحساسية" أي "القدرة على الحس".‏

وانتقال النفس من مستوى الحس إلى المستوى الأعلى يتوقف، هو الآخر، على تطوّر أشكال الحياة وتعقدها. يقول ليونتيف: "لو لم يتمّ انتقال الحيوانات إلى أشكال من الحياة أكثر تعقيداً، لما وجدت النفس، لأن النفس هي، بالتحديد نتاج تعقد الحياة". (المرجع السابق، 26). فبالقدر الذي تظهر فيه أشكال حياتية جديدة يتطور نشاط الكائنات الحية وتتعقد بنيته. وتتغير، بالتالي، التركيبة العضوية لتلك الكائنات والوظائف التي تقوم بها. وتوضح هذه العلاقة السببية بين شروط الحياة والانعكاس النفسي موقف ليونتيف من العضو والوظيفة والنفس وتعاقب ظهورها، ودفاعه عن أسبقية الوظيفة على النفس.‏

وباختصار فإنَّ مستوى الانعكاس النفسي عند الحيوان يتحدد بالشروط الخارجية المحيطة به، ولكن هذه العلاقة ليست علاقة مباشرة، وإنما تتم عبر النشاط الذي يقوم به الحيوان ذاته.‏

ولما كانت البيئات التي تعيش فيها الكائنات الحية مختلفة من حيث سعتها وتعقيداتها ومتغيراتها، فإن من المنطقي أن تتفاوت بنية النشاط عند تلك الكائنات الحية في مستوى تعقيدها كيما تستجيب للشروط الخارجية المحيطة بها وتحصل على ما يشبع حاجاتها، وأن تتباين، بالتالي، مستويات الانعكاس النفسي لديها.‏

وعلى هذا الأساس وضع ليونتيف تصنيفه الدوري لتطور النفس. ويشتمل هذا التصنيف على ثلاث مراحل أو مستويات مرت بها النفس خلال عملية النشوء والارتقاء التي عرفتها الأحياء.‏

وهذه المراحل أو المستويات هي: النفس الحاسة، والنفس المدركة، والذكاء.‏

وتتسم الأولى بالقدرة على عكس ما تحمله الأشياء الموجودة في الوسط المحيط من صفات فيزيائية وكيميائية منفصلة أو مجتمعة. أما النفس المدركة فهي تجسّد القدرة على عكس الواقع الخارجي ليس في صورة إحساسات بسيطة "متفرقة تستدعيها صفات منفصلة أو مجتمعة، بل في صورة انعكاس للأشياء".(المرجع السابق، 170). أو، بعبارة أخرى، هي القدرة على التصور الحسي لأشياء الواقع الموضوعي. وفي هذا المستوى تتكوّن المهارات بفضل النشاط الحركي ـ التوجهي الذي تستطيع القيام به فصائل معينة من الحيوانات.‏

وفيما يتعلق بالذكاء، كمستوى راقٍ من تجليات النفس المتطورة، فإنَّ ما يدلل على وجوده، في رأي ليونتيف، هو القدرة على الحل المفاجئ للمشكلة المطروحة، ونقل هذا الحل بسهولة دون محاولات إضافية إلى مشكلات شبيهة بالأولى أو قريبة منها، وجمع عمليتين منفصلتين في نشاط واحد، أي حل مسألة أو مشكلة ذات طورين. وقد اعتبر ليونتيف المحك الأخير (حل مسألة بطورين) علامة رئيسية للذكاء تتميز بها الفصائل العليا من القردة. وحجته في ذلك أن تشكل العملية ونقلها إلى شروط جديدة أمران تتمكن الحيوانات الأدنى من القردة من القيام بهما.‏

وفي هذا الشأن يقول: "إننا نقف على هاتين اللحظتين أيضاً، ولو بصورة أقل وضوحاً، عند الكثير من الحيوانات، كالثدييات والطيور".(المرجع السابق، 191). ولهذا فإنه يتوقف عند المحك الثالث ليشدد على الطور الأول (التحضيري) من المسألة التي يتطلب حلها طورين. ويرى أن السلوك الذكي مرهون بوجوده.‏

على أن ليونتيف يعود فيما بعد إلى موضوع محكات الذكاء فيضيف محكاً آخر هو القدرة على "حل هذه المسألة أو تلك بأساليب متعددة".‏

ومن نافلة القول أن ليونتيف ماكان بوسعه أن يصنّف مراحل تطور النفس على هذا النحو لولا أن استند إلى عدد ضخم من معطيات علم النفس بعامة، وعلم نفس الحيوان وعلم الحيوان بخاصة، واستطاع أن يوظفها بصورة منتظمة ومترابطة على أسس فكرية واضحة. ولكنّ عمله هذا لم يكن خلواً من النقائص والثغرات. فقد توجهت أقلام النقاد وألسنتهم إلى ما تراءى لهم نقيصة أو ثغرة في ذلك العمل. وأغلب الانتقادات التي وجهت إليه يتعلق بمفهوم النشاط ومركباته(3). وهناك من الانتقادات ما استهدف بشكل مباشر مراحل تطور النفس ومستوياتها. ولعلّنا نجد في بعض أعمال ك.فابري أمثلة كافية عن هذه الطائفة من الانتقادات (ليونتيف وعلم النفس المعاصر، 1983، 101 ـ 117).‏

يستهل فابري، وهو أحد علماء النفس الحيواني المعاصرين، عرض موقفه من نظرية ليونتيف في نشأة النفس وتطورها عند الحيوانات بإعلان موافقته على المراحل أو المستويات الرئيسية التي تضمنتها هذه النظرية، غير أنه يرى أن المادة الجديدة التي قدمها علم السلوك الحيواني على مدى الخمسين عاماً التي مضت على نشر هذه النظرية تمدّ الباحث بمسوغات إعادة النظر في الحدود الفاصلة بين تلك المراحل والحيوانات التي تنتمي إلى كلّ منها وفق المواصفات السلوكية التي حددها ليونتيف.‏

وفي ضوء تلك المعطيات الجديدة يميز فابري بين مستويين اثنين في كل من المرحلتين: الحسية والإدراكية، ليصبح بالإمكان تحديد الموقع الذي يحتله سلوك هذا الحيوان أو ذاك، وهذه الفصيلة أو تلك بدقة لا مجال معها للالتباس أو التردد. فكل من النفس الحاسة والنفس المدركة تشمل مستويين: مستوى أدنى وآخر أعلى. ويتسم المستوى الأدنى من مرحلة النفس الحاسة بالمظهر الأولي للانعكاس، حيث تستجيب الحيوانات البسيطة (العديد من كثيرات الخلايا الدنيا) فيه للصفات التي لا تحمل أهمية حيوية ممّا تشتمل عليه البيئة الخارجية بوصفها إشارات إلى وجود صفات ذات أهمية حيوية. ومع أن هذه الاستجابة غالباً ما تكون دقيقة، إلا أنها لم تكتسب بعد طابع السلوك التوجهي الفاعل. في حين يتم الانعكاس النفسي في المستوى الأعلى من المرحلة نفسها ضمن الأطر الضيقة للحواس، كما حددها ليونتيف، ولكن بالتضافر مع السلوك الذي يبلغ حداً كافياً من التعقيد. فالديدان وبعض اللافقاريات تبدي قدرة على الاستجابة التوجهيّة والتمييز الدقيق بين المثيرات المحايدة بيولوجياً.‏

ولذا فإنها تتمكن من الهروب من الأخطار التي تصادفها، بل ومن القيام بالبحث النشط عن المثيرات الإيجابية التي تقودها إلى العناصر الضرورية ليس عن طريق الصدفة، وإنما بصورة موجهة.‏

أما مرحلة النفس المدركة فأهم ما يميز المستوى الأدنى منها، في نظر فابري، هو استمرار بعض مظاهر السلوك البدائي عند عدد من الحيوانات(الحشرات، البعوض، بعض الفقاريات)، وقدرتها على إدراك الواقع الموضوعي، وتكوين صور عن أشيائه وموضوعاته. وهذه المظاهر الموروثة عن المرحلة الدنيا تصل في تعددها وكثرتها إلى حد جعل فابري يتحدث عن أكثر من مستوى أدنى، وأكثر من مستوى متوسط في عالم الفقاريات.‏

كما نسب فابري المستوى الأعلى من مرحلة النفس المدركة إلى الحيوانات الفقارية (الطيور والثدييات) التي كان ليونتيف قد نسب إليها المرحلة بأكملها. وقد أشار فابري في هذا الصدد إلى الجانب الغريزي والجانب المكتسب من السلوك، مبرزاً قدرتها على الاكتساب والتعلّم. وانتهى إلى أنه بفضل هذه القدرة تستطيع الحيوانات التي تقع في هذا المستوى أن تكوّن "صوراً محددة عن العالم"، وهذا ما كشفت عنه تجاربه على الجرذان.‏

ومع أن فابري يتفق مع ليونتيف حول السمات الأساسية والثانوية للذكاء، إلا أنه وجد أن التحليل الذي أجراه ليونتيف اقتصر على البحوث التي تناولت سلوك القردة العليا وما توصلت إليه من نتائج حول قدرة هذه الحيوانات على حل المشكلات المصطنعة باستخدام الأدوات. واعتبر أن ذلك دليل متحيّز وغير كافٍ بشهادة الدراسات الحديثة التي كشفت نتائجها عن وجود نشاط وسيلي أو أداتي ذي طورين عند حيوانات أخرى أدنى من القردة. وهو ما يعني أن النشاط الوسيلي ليس محكاً كافياً للحكم على السلوك الذكي الذي قد يصدر عن الطيور (الحمام، مثلاً)، من جهة، وأن هذا النشاط قد يوجد أيضاً لدى الحيوانات اللافقارية التي لا نعثر عندها على أي شكل من أشكال السلوك الذكي من جهة ثانية. وبالاعتماد على هذه الملاحظات يخلص فابري إلى القول بأنه "...من الصعب عملياً أن نقيم حداً فاصلاً بين المهارات والأفعال الذكية المعقدة والمتنوعة عند الفقاريات العليا (الجرذان، مثلاً)، ذلك لأن المهارات في مستوى الفقاريات، إذ تتعقد تدريجياً، تتحول إلى أفعال ذكية بسهولة ويسر". (المرجع السابق، 116).‏

ومما تقدم نلمس خلاف فابري مع ليونتيف حول محكات الذكاء واحتكار القردة العليا لها. ولكنه يتوقف في نهاية عرضه السابق ويتساءل عمّا إذا كان انتشار هذه المحكات في دوائر أوسع يعني أن القردة الشبيهة بالإنسان فقدت مكانتها التي احتلتها في تصنيف ليونتيف ومن غير تردد جاءت إجابته بالنفي القاطع. فالقردة العليا، من وجهة نظره، تستأثر بالذكاء ليس لأنها تستطيع أن تحل مسائل ذات طورين وبأساليب مختلفة، أو أنها تتمكن من اتباع أسلوب ما في حل مشكلات متشابهة فحسب، وإنما، وهذا هو الأهم، لأنها تملك القدرة على الوقوف على علاقات السبب والنتيجة القائمة بين الأشياء والموضوعات الخارجية، والتعرف على بنيتها. وتتأتى هذه القدرة عبر ما تقوم به القردة العليا من نشاط تلمسي ـ استكشافي أو كما سمّاه بافلوف "التفكير اليدوي"، بالاعتماد على تناسق حركات اليدين والعينين، والإحساس العصبي ـ العضلي الذي ينجم عنه.‏

وأياً كان الأمر فإن التصنيف الذي اقترحه ليونتيف إنما هو محاولة جادة لتتبع تطور النفس منذ البدايات الأولى لنشأتها حتى تجلياتها العليا عند الحيوانات. وما المراحل الثلاث التي أبرزها هذا التصنيف سوى تعبير عن حركة النفس المتصاعدة و انتقالها من حالة إلى حالة أخرى أرقى من سابقتها ومختلفة عنها اختلافاً نوعياً. ولقد وجد ليونتيف أن هذا الاختلاف يكون أكثر جلاءً لحظة الانتقال من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان بسبب تباين القوانين التي توجه التطور النفسي في كلا العالمين. فإذا كان هذا التطور عند الحيوانات يخضع للقوانين البيولوجية، فإنه عند الإنسان يخضع للقوانين الاجتماعية والتاريخية. وبفعل هذه القوانين ظهر الوعي لدى الإنسان.‏

وينظر ليونتيف، وكثير من العلماء، إلى الوعي كحالة جديدة للانعكاس النفسي، أو، بعبارة أدق، كمرحلة أرقى من مراحل تطور النفس، متميزة عما عداها من مراحل مختلفة عنها اختلافاً جذرياً. وإن هذه الحالة أو المرحلة هي خاصية الإنسان وحده دون سائر المخلوقات الأخرى.‏

لقد أقام ليونتيف نظرته هذه على أساس الثقافة الاجتماعية الذي وضعه فيغوتسكي. وهذا ماجعله يرى في الوعي نوعاً آخر من التجربة. فبالإضافة إلى التجربة الفطرية، الموروثة، والتجربة الفردية، المكتسبة التي تتكوّن على أرضية التجربة الأولى، هناك التجربة الثقافية الاجتماعية التي تراكمت عبر آلاف السنين من التطور البشري. وهذا النوع المتميز من التجربة هو الشرط الذي أدى إلى ظهور الوعي عند الفرد البشري. صحيح أن الطفل الإنساني يولد وهو مزوّد ببعض الأفعال الفطرية، وبقدر كبير من الاستعدادات، ولكن ذلك لا يعد شرطاً كافياً ليصير إنساناً واعياً، وتتطور لديه تلك السمات التي تجعل منه شخصيةً متفردةً. وهنا يبرز البون الشاسع بين تشكل السلوك الحيواني والوعي الإنساني. إذ بإمكاننا أن نتنبأ بمصير الوليد الحيواني (القرد، مثلاً) والوليد الإنساني فيما لو قُيِّض لكل منهما أن يعيش بمعزلٍ عن أبناء جنسه. إن حياة صغير القردة خارج القطيع لا يؤثر كثيراً على بقائه، ولا تحول دون اكتسابه تجربة فردية شبيهة بالتي يكتسبها صغار القردة عند وجودهم داخل القطيع، في حين أن من غير الممكن مطلقاً أن نتحدث عن وجود أي مظهر من مظاهر الوعي عند الطفل الإنساني الذي يعيش خارج المجتمع، إن هو بقي على قيد الحياة. فلا عجب أن يعطي ليونتيف، ومن قبله فيغوتسكي، وجود الطفل الإنساني داخل المجتمع والنشاط الذي يقوم به تحت إشراف الراشدين وتوجيههم الدور الحاسم في تمثّله الثقافة الاجتماعية، وظهور الوعي عنده.‏

إن الطفل الإنساني يجد نفسه محاطاً بالأدوات والوسائل والإشارات التي تشكل عناصر التجربة الثقافية الاجتماعية. وهو، حين يتفاعل مع تلك العناصر ويستوعبها بمشاركة الكبار ومساعدتهم، إنما يكتسب أساليب السلوك الإنساني، ويكوّن في ذاته تدريجياً سمات الشخصية الإنسانية.‏

وهكذا يتسنى لنا تقييم الموقع المحوري الذي منحه ليونتيف للتجربة الثقافية الاجتماعية بوصفها محدِّداً للتطور النفسي عند الإنسان، وتشديده على الفارق الجوهري بينها وبين التجربتين الأُخريين من حيث مضمونها وآليات اكتسابها.‏

ويذهب ليونتيف إلى أن الوعي الإنساني الذي يعكس الواقع الموضوعي على نحو أكثر دقة وعمقاً ما كان له أن يظهر لولا توافر عدد من المقدمات والشروط. ويعتقد أن ظهوره مدين للخصائص المورفولوجية البيولوجية التي ميّزت الإنسان القديم عن سواه من الكائنات الحية.‏

فانتصاب قامة الإنسان، ومشيته على طرفيه السفليين، وتحرّر يديه، وموقع الإبهام في كل يد مقابل الأصابع الأخرى، كلّ ذلك مكّنه من توسيع دائرة إدراكه وتطوير حاستي البصر واللمس، وقيامه بالأفعال المادية ـ الاستكشافية المعقدة و التحكم الحسي البصري بتلك الأفعال وضبطها واكتسابها المرونة والتناسيق، وقاد إلى تطور المناطق الحسية ـ الحركية في قشرته المخية.‏

وإلى هذا يضيف ليونتيف شرطاً آخر، وهو الحياة الاجتماعية التي عرفها الإنسان منذ أقدم العصور. فبفضل الأواصر التي كانت تربط الفرد مذاك بأعضاء جماعته وتعاونه معهم لإشباع حاجات الجميع نشأ نوع متطور نسبياً من النشاط العملي الجماعي الذي ارتبط به تاريخ الوعي الاجتماعي والثقافة الإنسانية، ألا وهو العمل المنتج.‏

(1) ـ تحول هذا المعهد عام 1932 إلى أكاديمية علم النفس لعموم أوكرانيا. وعندما التحق ليونتيف به شغل منصب رئيس قسم علم النفس التكويني في د ائرة علم النفس.‏

(2) ـ كانت النتائج التي خلص إليها ليونتيف في بحث العديد من المشكلات التي احتوتها هذه المحاور والحلول التي قدمها لعدد من المسائل التي تضمنتها المادة الأساسية لأطروحته التي ناقشها في جامعة ليننغراد عام 1940. ومنحته لجنة المناقشة المؤلفة من ل.أ.اوربيلي وس.ل. روبنشتين وب.م.تيبلوف لقب دكتوراه في العلوم النفسية.‏

(3) ـ سوف نعرض أهم الانتقادات التي تناولت مفهوم النشاط ومركباته عند ليونتيف، في الفصل القادم: "مبادئ علم النفس السوفيتي".‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244