علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل السابع والأربعون : مبادئ علم النفس السّوفيتي

مبدأ الحتمية‏

أسفرت المناقشات والمناظرات التي شهدها علم النفس في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) خلال العقد الثالث، وكذلك الدراسات والبحوث السيكولوجية التي أجراها زعماء المدارس التي تحدثنا عنها في الفصول الأخيرة ومن حذا حذوهم وسار في ركابهم خلال العقد الرابع من القرن العشرين عن تحديد ملامح ما عُرف فيما بعد بعلم النفس السوفيتي. وفي نهاية هذه الفترة تبلورت مبادئ هذا العلم وأسسه العامة.‏

وعلى الرغم من الاختلافات بين تعاليم أصحاب تلك المدارس وروادها، فإن المبادئ التي انطلقوا منها في صياغة نظرياتهم، والأسس التي بنوا عليها آراءهم لم تكن موضوع خلاف بينهم. فقد أجمعوا على أن النفس هي نتاج تطور الكائنات الحية وتفاعلها مع العالم الخارجي، وأن الوعي هو شكلها الأرقى الذي يميّز الإنسان عن سواه من الأحياء. وهذا يعني أن ما يحدّد النفس هو نمط الحياة التي يحياها الكائن الحيّ. فالنفس الحيوانية تخضع في نشأتها وتطورها إلى القوانين البيولوجية التي تتمثل في عملية التكيف مع الشروط الطبيعية المحيطة بالحيوان. أما النفس الإنسانية فإن ما يحددها ليس قانون الاصطفاء الطبيعي أو عملية التكيف مع الوسط الطبيعي المادي، وإنما قوانين تطور نمط إنتاج الخيرات المادية والروحية التي تلّبي الحاجات المتنامية لأفراد المجتمع. وبعبارة أخرى إنَّ ما يحدّد وعي الإنسان هو الوجود الاجتماعي. من هنا جاءت دعوة علماء النفس السوفيت إلى ضرورة فهم الطبيعة الاجتماعية ـ التاريخية للوعي الإنساني.‏

لقد أدرك العلماء الذين سعوا إلى إقامة علم النفس على أسس الفلسفة المادية الجدلية والتاريخية أهمية هذا المدخل في دراسة النفس بسبب ارتباطه المباشر بطبيعتها وجوهرها. ولذا قالوا بضرورة تتبع الحالات والأشكال التي اتخذتها النفس عبر الحقب والعصور التي مرّت بها عملية نشوء الأحياء وارتقائها أولاً، ثم دراسة التاريخ الثقافي للبشرية بوصفه شرطاً لبلوغ النفس عند الإنسان مرتبة الوعي وتطورها الفردي تبعاً لتطور الأدوات والوسائل الثقافية للمجتمع ثانياً. وإذا كانت تعاليم بعض المدارس قد طُبعت بالطابع التاريخي الثقافي ـ مثلما رأينا عند الحديث عن تعاليم فيغوتسكي وتطويرها من قبل لوريا وليونتيف ـ فإن المدارس الأخرى التي عرضنا أفكار زعمائها، لم تكن أقلَّ تحمساً لإبراز أهمية مبدأ الحتمية التاريخية الاجتماعية في دراسة النفس الإنسانية. وهذا يعدُّ رداً على الداروينيين الذين لم يلقوا في النفس عند الإنسان ما يميّزها عن النفس عند الحيوان سوى بعض الفروق الكمية. كما أنه في الوقت ذاته ردٌّ على اللا ماركيين الذين أعطوا عملية النشوء بعداً نفسياً، وبالغوا في أهمية دور العامل النفسي والتطور الفردي في التغيرات التي تطرأ على النفس عند النوع الحيواني. وفي هذا يرى ليونتيف أنَّ من وجهة نظر هذا المدخل إلى النفس يتبدى التاريخ الواقعي لتطورها كتاريخ لتطور ذلك" الانقسام الثنائي ومن قَبْلُ الوحدة البسيطة للحياة التي ولدت نشأتها النفس البدائية لدى الحيوانات، والتي تجد في الأخير تعبيرها الكامل في الحياة الواعية للإنسان. ويُعَدُّ هذا التاريخ... انعكاساً لتاريخ تطور الحياة ذاتها، ويخضع لقوانينها العامة: قوانين الارتقاء البيولوجي خلال مراحل التطور البيولوجي، والقوانين الاجتماعية ـ التاريخية في مراحل التطور التاريخي"(ليونتيف، ج1، 279).‏

ومن هذا المنظور يتناول هؤلاء العلماء النفس باعتبارها انعكاساً للعالم الخارجي يكتسي أهمية حيوية لما يحمله من معنىً إشاري بالنسبة للكائن الحي. فهذا الفهم يقدم ـ في رأيهم ـ مفتاحاً لحل مشكلات معايير نشوء النفس في مجرى تطور الحياة، والانتقال من مستوياتها الدنيا إلى مستوياتها العليا، وعلاقة الأفعال الانعكاسية الشرطية بالأفعال الانعكاسية غير الشرطية، والتغيرات الفردية والنوعية في النفس.‏

وهم يعتقدون أن عملية الانعكاس عند الإنسان تتمّ بفضل بنيته العضوية، ومنها الجملة العصبية التي يزود بها على وجه الخصوص. فالدماغ البشري هو مادة على جانب كبير للغاية من الدقة والتنظيم تمكّن الإنسان من إدراك ما يحيط به والتعرّف على الموضوعات والوقائع الخارجية وتنظّم علاقتها بها. وقد عَرَفَ هذا العضو الهام تطوراً كبيراً لدى انتقال البشر من مراحل التطور البيولوجي إلى مراحل التاريخ الاجتماعي، أي لدى انتقالهم من الحياة البهيمية القطيعية إلى الحياة الجماعية. ولعلّ أول ما سجله العلماء في هذا الصدد هو تطور العلاقات الاجتماعية بين الأجيال البشرية عقب التحول الجوهري الذي طرأ على نمط حياتهم. فصار بمقدور تلك الأجيال تبادل الخبرات، وبإمكان تلك الخبرات أن تنتقل من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق. وهذا مالم يستطع أسلاف الـ homo sapiens القيام به في مراحل ما قبل التاريخ، ولم يقدّر لأي نوع حيواني عمله.‏

وهكذا أصبحت نتائج النشاط الجماعي المشترك تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن الكبار إلى الصغار عبر مراحل التاريخ الإنساني. وتتمثل هذه النتائج ـ الخبرات في الأدوات المستخدمة في ذلك النشاط واللغة والفن وقواعد السلوك. وتبعاً لذلك كانت تتطور قدرة الإنسان على عكس الواقع الموضوعي، وتزداد سيطرته على الظواهر الطبيعية، وتنمو إمكانيته على تنظيم سلوكه وتوجيه أفعاله.‏

وممّا تقدّم يقرر علماء النفس السوفيت أن ولادة الوعي اقترنت وبصورةٍ مباشرةٍ بالنشاط المادي التعاوني الذي بدأت بممارسته الأجيال الأولى من بني البشر. ومع ظهور حاجات جديدة لديهم في مجرى هذا النشاط ونشوء الكلام والأفعال الذهنية التي تمكنهم من التخطيط لأفعالهم الخارجية وتسبقهم وتتنبأ بنتائجها تكوّنت عندهم مختلف أنواع النشاط الذهني النظري التي سمحت لهم بالدخول إلى عمق الظواهر والوقائع الخارجية والتعرّف على صفاتها الجوهرية.‏

إن هذه المعطيات السيكولوجية جعلت هؤلاء العلماء يذهبون إلى القول بأنّه: "في البدء كان الفعل"، كما كان يردّد غوته، وأن مسار عملية التطور كان "من الفعل إلى الفكر" مثلما أكد فالون. والتفكير هو شكل جديد من أشكال معرفة الواقع. وقد ظهر هذا الشكل الراقي خلال النشاط "الأداتي" المشترك كما قال كاستوك (كاستوك، 1988، 105)، أو كما قال قبله فيغوتسكي من أن الفعل الذي كان في بداية الأمر يتقاسمه اثنان، أصبح فيما بعد وبمساعدة الكلمة فعلاً داخلياً لكل منهما. وربما كان ذلك تكراراً أو صدى لوجهة نظر جانيه التي ترى أن الكلام كان قد ظهر في البداية كوسيلة للمعاشرة والتفاهم، ثم صار أداة الوقائع الذهنية وحامل نتائجها المعرفية (JANET, 1936).‏

وإذا كان القول بأن نمط حياة الكائن الحي هو الذي يحدد النفس عنده ومستوى عكسه للواقع الموضوعي يؤلف المبدأ العام الذي انطلق منه علماء النفس السوفيت في دراستهم للنفس، وهو مبدأ الحتمية، فإن المبدأ الثاني الذي أولوه اهتماماً خاصاً واعتُبر حجر الزاوية في إنشاءاتهم النظرية هو وحدة النشاط والوعي. وهذا المبدأ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمبدأ الأول. فهو يقوم عليه بل ويُشتق منه.‏

مبدأ وحدة النشاط والوعي‏

وعلى خلفية الانتقادات التي وجهها رواد علم النفس السوفيتي إلى النظريات التي كانت سائدةً آنذاك عالجوا مشكلات النشاط والوعي. فقد رأوا أن النظرية المثالية في النفس تفصل الظواهر النفسية عن العالم الخارجي، وتنفي دور النشاط في تكون تلك الظواهر. وأخذوا على الاتجاه المادي الآلي ربطه للظواهر النفسية بالمؤثرات الخارجية دون أن يتوسطها نشاط الإنسان.‏

وخلافاً للنظريات المثالية والاتجاه المادي الآلي طرح هؤلاء العلماء المدخل التاريخي ـ الثقافي لدراسة النفس. وعبر هذا المدخل يبرز دور النشاط الإنساني في تكوّن الظواهر النفسية وتطورها النوعي والفردي، وتتجلى بوضوح علاقته الوثيقة بها.‏

إننا لا نبالغ حين نقول بأن النظريات الفلسفية بوجه عام لم تنظر إلى الإنسان كذات للنشاط العملي والنظري وتأثير ذلك في سلوكه. وإنما نظرت إليه كذات عارفة فقط. وينطبق هذا الحكم على الفلسفة المادية الجدلية أيضاً إلى حد بعيد. فبالرغم من أن هذه الفلسفة تتحدث عن النشاط الإنساني، إلا أنها لم تقدّم تحديداً واضحاً لهذا المفهوم.‏

ومهما يكن من أمرٍ فإن الإنسان من وجهة نظر أصحاب مختلف مدارس علم النفس في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) هو كائن نشيط وفعّال. والنشاط العملي والنظري، في رأيهم، هما شكلان لتفاعل الإنسان مع محيطه الخارجي، وأسلوبان يميّزان وجوده. ذلك لأن صفة الفعالية هي التي تجعل الإنسان يتفاعل باستمرار مع البيئة الخارجية، ويسعى لتحقيق أهدافه وتلبية حاجاته المادية والروحية، وينتج قيماً أخلاقية معيّنة. فلا غرو أن يجدوا في دراسة عمليات النشاط الخارجي، العملي التي تتوسط علاقة الذات بالعالم الخارجي الطريق الرئيسي لمعرفة الانعكاس النفسي والوعي باعتباره منذ البداية وحتى النهاية نتاج الحياة الاجتماعية.‏

وعلى هذا الطريق شهد علم النفس السوفيتي منذ ثلاثينيات القرن العشرين محاولات عديدة استهدفت في المرحلة الأولى تجاوز القصور في فهم الوعي والنشاط. حيث كان التصور الشائع هو أن الوعي والنشاط مفهومان متقابلان ومتناقضان. فالأول يدلّ على ما يجري في داخل الفرد، والثاني يشير إلى ما يصدر عن الفرد من أفعالٍ وتصرفات.‏

وبالاعتماد على تحليل أطروحات الماركسية في هذا الباب طرح س.ل.روبنشتين قضية وحدة الوعي (النفس) والنشاط. وقد جاء في أحد مؤلفاته الأولى قولـه: "إن النشاط والوعي ليسا جانبين متقابلين في ناحيتين مختلفتين. إنهما يؤلفان وحدة عضوية كاملة وليست متطابقة". (روبنشتين، 1940، 51). وباستخدام المنهج التكويني ـ التاريخي في علم النفس توصل أ.ن.ليونتيف إلى تعريف النفس وعلاقتها بالنشاط. وقد بدت لـه "كشكل خاص للنشاط. فهي مشتقة من تطور الحياة المادية ونتاج النشاط المادي الخارجي الذي يتحول في سياق التطور الاجتماعي والتاريخي إلى نشاط داخلي، أي إلى نشاط الوعي".(ليونتيف، 1983، ج2، 9). ولذا فإنه يرى أن دراسة بنية النشاط واستدخالها هي المهمة المركزية لعلم النفس.‏

ولعلَّ أول ما يتوقف ليونتيف وروبنشتين عنده أثناء تحليلهما للنشاط هو أنَّ مضمونه لا يقتصر على الحاجة أو الدافع الذي يكمن وراءه. فإذا كان الدافع هو الذي يحرك المرء للقيام بنشاط ما لتلبية حاجة معيّنة، فإنَّ شكل هذا النشاط ومضمونه يكتسيان طابعاً اجتماعياً ويتحددان بما يمتلكه المجتمع من خبرة ويفرضه من متطلبات ويوفره من شروطٍ. ويتجسد ذلك في الهدف الذي يريد الإنسان أن يحققه. ويكون الهدف في كل الأحوال مثالياً يوجه فعالية المرء وينظم نشاطه. كما يتجسد أيضاً في الموضوع (الموضوعات) الذي يوجه النشاط نحوه بغية التعامل معه وتغييره أو تعديله على نحوٍ يتناسب مع الهدف. ويُضاف إلى الهدف المثالي والموضوع المادي الوسائل والأدوات التي تستخدم من أجل التأثير على الموضوع. والقدرات والمهارات تحتل مكانة خاصة بين تلك الوسائل والأدوات.‏

ويجد هذان العالمان أن مادة النشاط والظروف التي توجد فيها وسائل النشاط وأدوات العمل غالباً ما تتحد لتؤلّف معاً شروط النشاط. وأن هذه الشروط تؤلف مع الهدف ما يعرف بمسألة النشاط.‏

وعلى هذا النحو فإنَّ النشاط، أيّ نشاط، يحتوي على دافعٍ وهدفٍ وشروط. ولكي يكون النشاط كذلك بالفعل ينبغي أن يعي الإنسان هدفه. في حين لا يعتبر وعي عناصره الأخرى (الدوافع، أساليب الأداء، اختيار واختبار المعلومات) شرطاً له. فوضوحها، كلها أو بعضها، في وعي الإنسان لا يلغي النشاط أو يعطله، ولا يؤخر حدوثه أو يغيّر فيه. إن التلميذ يقوم بالنشاط الدراسي دون أن يدرك الدافع إليه. والمراهق لا يعي الدوافع الحقيقية التي تكمن وراء الكثير من أفعاله. والشيء ذاته يمكن قوله عن الراشد. كما أن الكثير من العمليات ا لعقلية والمهارات قد يحدث دون أن يعيها الإنسان (المشي، الكتابة، العزف على آلة موسيقية...الخ).‏

لقد بيّنت دراسات ليونتيف وروبنشتين ومساعديهما أن النشاط العملي والنظري الإبداعي، وكذا التكيفي عند الحيوانات هو الشكل الأساس للوجود، والأسلوب الأساسي لحياة الكائنات الحية. وأن النشاط هو منظومة تكتسب فيها النفس أهميتها وتستمد وظائفها وجوانبها الدافعية وا لمنظِّمة والموجِّهة للنشاط. والنشاط المبدع ذاته هو وحدة ما هو نفسي وانعكاسي ودافعي (داخلي) وتنفيذي (خارجي). وفي هذا الصدد يقول ليونتيف: "النشاط ليس استجابة أو مجموعة استجابات، وإنما هو منظومة تملك بنية خاصة، وتحمل تغيراتها وتحولاتها الداخلية وتطورها".(المرجع السابق، ج2، 141).‏

وفيما يتعلق بالبنية الخاصة لمنظومة النشاط فقد وجد هؤلاء العلماء أن الفعل هو الوحدة أو الخلية الأساسية لها. فالنشاط يشتمل على عدد من الأفعال. والفعل، بدوره، يتألف من مجموعة من الحركات أو العمليات.‏

وينفرد ليونتيف في بناء نظرية حول النشاط. ونجده يكرس جل وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية. وما تجدر الإشارة إليه في نظريته ويجعله يختلف مع روبنشتين وأتباعه هو موقفه من العلاقة بين شكلي النشاط: المادي الخارجي الحسي والعملي، والنفسي الداخلي النظري. وتتمثل هذه العلاقة بالنسبة له في ظهور العمليات الداخلية (التحليل، المقارنة، التصنيف...) التي تكتسب الاستقلال النسبي والقدرة على الانقسام عن النشاط العملي (الاستدخال) في مجرى التطور التاريخي للنشاط الخارجي من ناحية، ووجود تحولات مستمرة في الاتجاه المعاكس، أي من النشاط الداخلي إلى النشاط الخارجي (الاستخراج) من الناحية الثانية. وتحدث هذه التحولات المتبادلة من الخارج إلى الداخل وبالعكس في النشاط البشري أ ثناء تطوره النوعي والفردي بسبب أن الشكلين يحملان بنية واحدة. ولذا فإن الكشف عن هذه البنية هو في نظر ليونتيف: "أحد الاكتشافات الهامة في علم النفس المعاصر"، الذي تمَّ على أيدي عدد من العلماء. فقد توصل أ.ف. زاباروجيتس وب.إ.زينجينكو ود.ب. إلكونين وب.ي.غالبيرن وغيرهم إلى أن العمليات النفسية العليا كالإدراك والتفكير تمتدُّ جذورها إلى النشاط المادي الخارجي الذي استخدم فيه الناس العمليات الأداتية التي تتوسط النشاط النفسي وأهدافه ودوافعه. وهذا ما عبّر عنه ل.س. فيغوتسكي بقوله: "وراء الوعي تكمن الحياة".‏

وبينما اتخذ ليونتيف ومن قبله فيغوتسكي وأنصاره وأتباعه فيما بعد من مفهوم الاستدخال INTERIORISATION أحد المرتكزات الرئيسية في إنشاء النظرية الثقافية التاريخية وتطويرها وتحديد النهج الأنسب في دراسة الوعي، وجد روبنشتين وأتباعه أن تقسيم النشاط إلى قسمين: خارجي عملي وداخلي نظري لا يقوم على أساس منطقي سليم. وحجتهم في هذا هي أن مجرد القول بالنشاط العملي كنشاط خارجي لا يعني سوى غياب ما هو نفسي من هذا النشاط. ذلك لأننا باستخدامنا مفهوم الاستدخال نكون قد أقمنا وبشكل مسبق خطاً فاصلاً بين ما هو داخلي وما هو خارجي. وإن كان المقصود هنا هو إظهار جدل الخارجي والداخلي الذي يقدم أصحاب نظرية الاستدخال بوساطته تفسيراً علمياً لنشأة الوعي وتطوره، فإن الخطأ يكون في تعيين ما هو خارجي وما هو داخلي بالضبط.‏

ويعتقد روبنشتين وتلاميذه أن ما هو خارجي ليس نشاط الإنسان المادي العملي، بل المثيرات الخارجية الموضوعية التي تعد مصدراً محدداً للعمليات النفسية والتطور النفسي للإنسان. فهذه المثيرات هي التي تؤثر على المرء في تفاعله الدائم والمستمر مع عالمه المحيط وأثناء نشاطه فيه.‏

ويجيء رد ليونتيف على ذلك من خلال طرحه الخاصية الرئيسية للنشاط المتمثلة في ماديته فمادة النشاط تتجلى في وجوده المستقل من جهة، وفي صورته بوصفها ثمرة الانعكاس النفسي لصفاتها الذي يتم كنتيجة لنشاط الذات من جهة ثانية.‏

وعلى هذا النحو يتم الانعكاس النفسي ليس بفعل المؤثرات الخارجية المباشرة، وإنما عن طريق التماس العملي المباشر مع العالم المادي. ومن الضروري أن يخضع هذا التفاعل لصفات أشياء ذلك العالم المادي وخصائصها وارتباطاتها المستقلة. وما ذلك إلا لأن صورة الشيء تصبح موجهاً ومنظماً لنشاط الذات بعد أن كان الشيء ذاته هو الذي يقوم بذلك.‏

ويتتبع ليونتيف التغيرات التي تطرأ على النشاط. وبالإضافة إلى ما تعرفه منها أشكال النشاط المختلفة "التي أشرنا إليها منذ قليل" يتوقف عند تلك التغيرات التي تحدث داخل بنية النشاط. فعندما يفقد النشاط دافعه فإنه يتحول إلى فعل. والفعل يتحول إلى عملية إذا تغير هدفه. وقد يتحول الدافع نحو نشاط ما إلى هدف للفعل، مما يجعل الفعل يتحول إلى نشاط خاص.‏

ولعل بالإمكان الاستعانة بالنقاط التي ثبتها ف. ف. دافيدوف في خاتمة أحد كتبه كملخص لنظرية ليونتيف في النشاط (دافيدوف، 1986، 224):‏

1-يتمثل موضوع علم النفس في دراسة النشاط بأشكاله وأنواعه في تحولاتها المختلفة، وفي تطور الوعي النوعي والفردي.‏

2-يعتبر النشاط المادي الخارجي الحسي العملي الذي يستمد منه النشاط الداخلي النفسي وجوده المنطلق والأساس من الوجهة التكوينية. وإن لهذين الشكلين من النشاط أصولاً اجتماعية وتاريخية وبنياناً عاماً ومشتركاً.‏

3-تتبادل واحدات النشاط مواقعها ضمن التحولات التي تطرأ عليها. وتلخّص الصيغتان التاليتان مجمل تلك التحولات وتمثّلها:‏

النشاط ـــ الفعل ـــ العملية‏

الدافع ـــ الهدف ـــ الشروط.‏

4-إن العمليتين الرئيسيتين في النشاط هما استدخال شكله الخارجي الذي يتحول النشاط الخارجي بفضله إلى صورة تحملها الذات عن الواقع، واستخراج الصورة الداخلية كصورة متشيئة وتحولها إلى صفة مثالية للمادة أو الشيء.‏

5-تتجسد السمة التركيبية للنشاط في ماديته، إذ أن النشاط يتحدد منذ البداية بالمادة، ومن ثمّ تتوسطه وتنظمه وتوجهه صورة تلك المادة باعتبارها نتاجها الذاتي.‏

6-يكتسب النشاط طابعه المادي من خلال خصاصة الذات التي تتحول إلى حاجة، وعبر أفعاله التي تتخذ شكل البحث والمحاولة.‏

7-يهدف منهج التحليل النفسي لنشاط الإنسان إلى إظهار طبيعته التاريخية المحدّدة وبنائه ومضمونه المادي وتحوّلات أشكاله، وما يحصل من تبادل في مواقع مركباته وعناصره تبعاً لنسق علاقاتها وصلاتها.‏

مبدأ التطور في النشاط‏

وهو المبدأ الثالث الذي يدل على العلاقة بين التطور النفسي والنشاط وارتباط كل منهما بالآخر. وفي رأي علماء النفس السوفيت يبدو من غير الممكن الحديث عن التطور النفسي خارج النشاط الذي ينبغي أن يمارسه الفرد. كما أن تطور هذا النشاط مرهون بالتطور النفسي عند الفرد وانتقاله من مستوى نفسي أدنى إلى مستوى أعلى.‏

وخلافاً للنظريات التي رأت في عملية التطور مجرد زيادة كمية ليس أكثر من هذه الوظيفة النفسية أو تلك، ينظر هؤلاء العلماء إلى التطور بوصفه عملية تغير تحدث في وعي الفرد وتجعله ينتقل من مستوى إلى مستوى أرقى يختلف عن سابقه اختلافاً نوعياً. فالتطور اللغوي عند الطفل ليس مجرد زيادة في قاموسه اللغوي، وإنّما هو ارتقاؤه إلى مستوى آخر. وتطور ذاكرته لا يعني مجرد زيادة في عدد الحوادث والوقائع والموضوعات التي يستطيع أن يستعيدها في الوقت المناسب، بل إنه مستوى يختلف بأساليبه في تسجيل الانطباعات وخزنها واسترجاعها عمَّا يقابلها في المستوى السابق بصورة نوعية.‏

ويذهب علماء النفس السوفيت إلى أن إرجاع التطور النفسي إلى التغيرات الكمية التي تطرأ على الظواهر النفسية، إنما جاء تحت تأثير الاعتقاد بسيادة قانون الوراثة ليس على الصفات العضوية فقط، بل وعلى الخصائص النفسية أيضاً. فأصحاب هذا الاعتقاد يرون أن الذكاء والقدرات العقلية هي كمية ثابتة تنتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق الوراثة. وبناء على ذلك فإن العباقرة ينجبون أطفالاً عباقرة، والأغبياء ينجبون أطفالاً أغبياء.‏

كما أن هذه النظرة إلى التطور النفسي هي ميزة أصحاب النظرية الاجتماعية أو البيئية الذين رأوا أن الطفل البشري يولد كصفحة بيضاء أو كقطعة شمع يستطيع المجتمع أن يكتب أو ينقش على تلك الصفحة أو يجعل من تلك القطعة ما يريد وما يشاء. والتطور، في اعتقادهم، هو التراكم الكمي في الاستجابات والمنعكسات التي يزود المجتمع بها الطفل. وقد قادهم هذا الاعتقاد إلى القول بأن الفارق بين سلوك الإنسان وسلوك الحيوان هو فارق درجي. وشبَّهوا هذا الفارق بالفارق بين الفيل والبقرة، إشارة منهم إلى أن هذا الفارق لا يتعدى الاستجابات الكلامية التي يختلف فيها الإنسان عن الحيوان.‏

وإلى كلّ من النظريتين: الوراثية والاجتماعية توجه علماء النفس في الاتحاد السوفيتي بنقدٍ شديدٍ ليس بسبب تفسير النظريتين للتطور على النحو الذي تقدم، بل وبسبب تصورهما إلى موضوع الدراسة، أي إلى الإنسان. فعلى الرغم من التباين الظاهري الكبير بين النظريتين، إلا أنهما تتفقان في مواقفهما من الطفل. حيث وجدت أولاهما أن التطور النفسي مرتبط بعضوية الطفل، وبالتحديد بالمورثات التي يرثها عن أبويه، أي أن هذا التطور يأتي من داخل الطفل. بينما رأت الثانية أن مصدر التطور النفسي هو المجتمع. بمعنى أن التطور يأتي من خارج الطفل. وهكذا يكون الطفل في الحالتين طرفاً سلبياً في عملية التطور، لا شأن له بقدراته ومقدراته. فالوراثة بالنسبة للنظرية الأولى، والبيئة بالنسبة للنظرية الثانية هما اللتان تقرران مصير الطفل وتحددان مستقبله.‏

وهكذا فالفرد، في نظر علماء النفس السوفيت، طرف فاعل وإيجابي في عملية نموه النفسي. ويتجلى ذلك في الفعالية التي يبديها الطفل منذ الأيام الأولى من حياته. وبفضل تلك الفعالية يكتسب التجربة الاجتماعية أو الإنسانية التي تراكمت عبر آلاف السنين من تاريخ البشرية. ومن هنا يبدو واضحاً الاختلاف الكبير بين التطور النفسي للإنسان والنمو النفسي للحيوانات. وهذا الاختلاف لا يقتصر على اكتساب التجربة الفردية فحسب، بل ويطال عملية توريث السلوك عن طريق التركيب البيولوجي. كتب ليونتيف يقول: "يتمّ تشكل وتطور الوظائف والقدرات النفسية التي تميّز الإنسان ككائن اجتماعي على نحوٍ خاصٍ تماماً، عن طريق عملية الاستيعاب والامتلاك" (ليونتيف، 1983، ج2، 77).‏

لم يقتصر هذا النقد على النظريتين الوراثية والاجتماعية في علم النفس، وإنما يتعداهما ليشمل النظريات الأخرى التي حاول أصحابها (شتيرن، مثلاً) التوفيق بين قانون الوراثة والقانون الاجتماعي والجمع بين النظريتين. وفي هذه الحالة أيضاً ظلّ الطفل الإنساني من الناحية النفسية رهن ما تجود به المورثات من جهة، وما يجود به المجتمع من جهة ثانية. لقد أغفل هؤلاء دور الطفل الإيجابي وفعاليته في تحديد ملامح شخصيته وبلورة سماتها.‏

ولقد وجد علماء النفس السوفيت أن خطأ النظريات تلك يعود في نهاية التحليل إلى تعاميها عن الفارق النوعي بين قوانين التطور النفسي في عالم الحيوانات، وما يقابلها من قوانين في عالم الإنسان. وهم في نظرتهم إلى هذا الموضوع يستعرضون المراحل التاريخية التي قطعتها البشرية في تطور القدرات النفسية للناس، ويقارنون ما أنجزته خلالها في هذا المجال بما أنجزته عبر حقب النشوء البيولوجي التي مرّت بها الأحياء فيجدون أن "آلاف السنين من التاريخ الاجتماعي قدّمت في هذا الشأن أكثر بكثير ممّا قدمته مئات الملايين من سنوات النشوء البيولوجي للحيوانات" (المرجع السابق، ج2، 77).‏

ومن الطبيعي أن تكون الإنجازات التي حققتها البشرية على صعيد تطور الوظائف النفسية والقدرات العقلية قد تمّت بصورة تدريجية عبر انتقالها من جيل إلى جيل. ويتساءل هؤلاء العلماء عن الشكل الذي أمكن لها أن تتثبت به، وما إذا كان بوسعها أن تتثبت في صورة تبدلات مورفولوجية تنتقل بالوراثة البيولوجية؟ فيجيبون على الجزء الثاني من هذا السؤال بالنفي. ومع إقرارهم بوجود وراثة بيولوجية على مستوى البشر، فإنهم يرفضون أن يكون لهذه الوراثة أي دخل في عملية التطور النفسي التي حققتها البشرية على امتداد الخمسين ألف سنة الماضية، أي بعد أن اكتمل النمط المعاصر للإنسان وحصلت عملية انتقال المجتمع البشري من مراحل ما قبل التاريخ إلى التطور التاريخي، وبدأ التطور النفسي يخضع للقوانين الاجتماعية.‏

ومنذئذٍ بدأت المنجزات في تطور القدرات النفسية تتثبت خارج عضوية الإنسان، وبالتحديد في الأدوات التي يستخدمها البشر والوسائل التي يتوجهون بها نحو موضوعات نشاطهم وغير ذلك مما يؤلف نتاج النشاط الإنساني.‏

إن هذا الشكل الجديد من تراكم وتناقل التجربة الاجتماعية –التاريخية قد ظهر نتيجة النشاط المنتج والمبدع الذي أصبح الإنسان بفضله وعن طريقه يغير أشياء العالم الخارجي وفقاً لحاجاته وإرادته.‏

ومن زاوية مضمون النشاط يرى ليونتيف أن النشاط البشري يجسّد في نتاجه الخصائص النفسية للناس، ومستوى الثقافة المادية والروحية الذي وصلوا إليه. وعليه تبدو الأدوات والمعدات اليدوية، على سبيل المثال، كمعبّر ومثبّت لما أنجزه الناس على صعيد تطور الوظائف الحركية لليد. ويبدو تعقّد الأصوات في اللغات كتعبير عن تحسن اللفظ وتطور الأذن اللغوية. كما يظهر التقدم في الإنتاج الفنّي مدى تطور القدرات الفنيّة.‏

ولكنّ هذا العالم من الأشياء والموضوعات التي هي ناتج النشاط البشري والمعبّر عن مستوى قدرات الناس وخصائصهم النفسية لا يعطى للفرد في البداية عن طريق المورثات العضوية. وكيما يكتشف الفرد هذا الجانب البشري من الموضوعات المحيطة به يتعيّن عليه أن يقوم بنشاط فعّال تجاهها، نشاط مماثل (وليس مطابقاً) للنشاط الذي بلورته في ذاتها.‏

وهكذا فالطفل لا يقف هكذا ببساطة أمام العالم الخارجي. إنّه يبذل جهداً ويقوم بنشاط فعّال لكي يستوعبها ويتمثلها، أي إنه يعمل على اكتساب التجربة الاجتماعية التاريخية المتمثلة في الموضوعات والأشياء التي أوجدها البشر وتناقلتها وطورتها الأجيال المتعاقبة. وهو، إذ يقوم بذلك، إنّما يشكل في ذاته القدرات والصفات النفسية المودعة في تلك الأشياء والموضوعات، ويطور سمات شخصيته. وعلى هذا فالتطور النفسي هو عملية اكتساب التجربة الاجتماعية – التاريخية من خلال النشاط.‏

إن النشاط هو الشرط الهام، ولكنه لا يكفي وحده لاستيعاب الطفل التجربة الاجتماعية التي تراكمت عبر التاريخ. ولا بد، والحالة هذه، من وجود شرط ثانٍ مكمِّلٍ له. وهذا الشرط يتمثل في توسط الراشدين، ممثلي تلك التجربة، نشاط الطفل وعلاقته مع أشياء العالم الخارجي وموضوعاته.‏

ويعتبر تشديد علماء النفس السوفيت على دور الراشد في التطور النفسي للطفل نقداً موجهاً للنظريات التي تصورت الطفل وهو يقف وحيداً أمام العالم (بياجيه). فالطفل، حسب اعتقادهم، لا يُلقى في عالم البشر، بل إنه يدخل فيه، ويصير جزءاً منه بفضل الراشدين. إن الراشدين هم الذين يتولون تقديم هذا العالم له وتوجيهه فيه بواسطة اللغة، مما يعني أن المعاشرة التي تتخذ صورة النشاط المشترك بين الراشد والطفل هي الشرط الثاني والضروري ليتمثل الطفل ثقافة مجتمعه.‏

وفي مجرى النشاط المشترك يتمكن الطفل من استعادة القدرات التي اكتسبها نوع homo sapiens عبر مراحل التطور الاجتماعي والتاريخي. فإذا كان ما يحققه الحيوان من تطور في السلوك يتم بفعل الوراثة البيولوجية،‏

فإن ما ينجزه الإنسان يكون عن طريق الاستيعاب الذي تتمّ فيه أنسنة‏

نفس الطفل.‏

وعلى أساس ما تقدم دعا علماء النفس السوفيت إلى ضرورة دراسة أوجه النشاط التي يمارسها الفرد خلال مراحل حياته كمنطلق لدراسة تطور النفس. وقد وقف ليونتيف ومساعدوه نتيجة الدراسات التي أجروها في هذا المجال على تلك النشاطات، وحاولوا معرفة دور كل منها في التطور النفسي للفرد. ووجدوا أن من هذه النشاطات ما هو رئيسي، ومنها ما هو ثانوي، وذلك تبعاً للدور الذي يلعبه هذا النشاط أو ذاك في الحياة النفسية للفرد. كما خلصوا إلى أن كلّ مرحلة من المراحل العمرية يقابلها نشاط رئيسي يقوم بدور ريادي في تطور النفس أثناء المرحلة المعنية. وإلى جانب ذلك النشاط ثمّة نشاطات ثانوية تلعب دوراً متمماً. فالنشاط الرئيسي الذي يقود التطور النفسي في مرحلة ما قبل المدرسة هو نشاط اللعب. وهو في مراحل الطفولة المبكرة والمراهقة والشباب نشاط التعليم. وفي مرحلة الرشد –العمل. ويُضاف إلى هذه النشاطات الرئيسية نشاطات أخرى يمارسها الفرد في بعض مراحل حياته، كالرسم والأشغال اليدوية والتركيب. كتب ليونتيف يقول: "وهكذا فإن النشاط الريادي هو النشاط الذي يفضي تطوره إلى تغييرات رئيسية في العمليات والخصائص النفسية لشخصية الطفل في المرحلة المعنية من مراحل تطوره" (المرجع السابق، ج2، 286).‏

من هنا يأتي حرص أولئك العلماء على تنظيم نشاط الدارسين وتوجيهه، والإشراف عليه من قبل الكبار (المربي، المعلم..) في شتى المراحل التربوية والتعليمية، بما فيها مرحلة الروضة ليتمكن الطفل من استيعاب التجربة الإنسانية في مختلف المجالات العلمية والحياتية. فالتطور العقلي والاجتماعي والانفعالي والخلقي والجمالي لطفل ما قبل المدرسة يتوقف على مدى توظيف العاملين في الروضة لنشاط اللعب ومعرفتهم بسبل الإفادة من مختلف الألعاب لتحقيق الهدف المنشود، إضافة إلى تنظيم نشاط الأطفال في مجال الرسم والتركيب والأشغال اليدوية وغيرها. كما أنَّ الارتقاء بقدرات التلميذ وخصائصه النفسية يقتضي وجود مضمونٍ تعليميٍ قائمٍ على أسس علمية ونفسية ومنطقية وطرائق تربوية تأخذ بالاعتبار الخصائص النفسيّة النشوئية للدارسين في تقديم مضمون التعليم ونقل المفاهيم الجاهزة إليهم.‏

وبالرغم من أن علماء النفس السوفيت يتحدثون عن أفعال توجهية – استكشافية تميّز سلوك الطفل في المرحلة الأولى من حياته، فإنهم لم يحددوا النشاط الرئيسي الذي يقود التطور النفسي في هذه المرحلة كما فعل ليونتيف بالنسبة للمراحل العمرية والنشوئية التالية على نحو ما ذكر منذ قليل.‏

بيدَ أن بالإمكان اعتبار ما كتبه كثير منهم فيما بعد (زاباروجيتس، إلكونين، زانكوف، وغيرهم) محاولة لسدّ هذه الثغرة. فقد ركزوا في أعمالهم على النشاط المادي – العملي للأطفال في مرحلة الحضانة أو في المرحلة ما قبل الكلامية (منذ الولادة حتى نهاية السنة الثانية) وتوسط الأم والأب والأقارب.. إلخ هذا النشاط وتوجيههم له، ممّا يفضي إلى تطور الطفل عقلياً وانفعالياً واجتماعياً ولغوياً، ويعدّه للمرحلة اللاحقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244