|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثامن والأربعون : المحاور الرئيسية في الدراسات النفسية السوفيتية عرفت الدراسات النفسية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) منذ أواسط القرن العشرين تطوراً ملحوظاً شمل جميع ميادين علم النفس وفروعه. كما عرفت المؤسسات والمراكز المختصة بهذا العلم تزايداً كبيراً. فقد أسست معاهد البحث النفسي والتربوي وأحدثت أقسام وكليات في مختلف جامعات البلاد وتضاعف عدد العاملين في حقل علم النفس والتربية والباحثين في شتى ميادينه الذين ضمتهم جمعية علماء النفس السوفيت التي تأسست عام 1957. وصدرت الدوريات والنشرات المختصة وفي مقدمتها مجلة "مسائل علم النفس"(1) وانتظم عقد الملتقيات والندوات والمؤتمرات داخل الاتحاد السوفيتي بمختلف مستوياتها وتنوع مهماتها. كما أضحت مشاركة علماء النفس السوفيت في المؤتمرات الدولية(2) أكثر فاعلية وإيجابية. وهذا ما تدلل عليه أعمال المؤتمرات التي عقدت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا سيما المؤتمر الثامن عشر الذي استضافته موسكو عام 1966م. ولعل الحدث الأهم في تاريخ علم النفس السوفيتي هو انعقاد الدورة المشتركة التي نظمتها أكاديمية العلوم وأكاديمية العلوم الطبية في الاتحاد السوفيتي عام 1950. وقد خصصت هذه الدورة للحديث عن تعاليم بافلوف حول النشاط العصبي العالي وأهميتها بالنسبة لمجالات علمية شتى ومن بينها علم النفس. وفي هذا الباب كان إجماع العلماء الذين أسهموا في أعمال هذه الدورة على أن أفكار بافلوف والقوانين التي رأى أنها تتحكم في عمل الجملة العصبية المركزية عند الحيوانات الراقية والإنسان تصلح لكي تكون قاعدة لمجموعة من العلوم التي تعنى بدراسة الإنسان. ولقد تجسّد هذا التوجه العام في عدد من المقالات التي كتبها فريق من علماء النفس السوفيت وعالجوا من خلالها بعض المسائل التي تعرضت لها الدورة. وكان من أبرز هذه المقالات تلك التي كتبها س.ل. روبنشتين وأ.ن. ليونتيف وإ.ف. شاروخوفا ون. أ. خروموف وف. إ. سيليفانوف. وعلاوة على ذلك نظم معهد علم النفس التابع لأكاديمية العلوم التربوية في روسيا الاتحادية ملتقى حضره علماء النفس من كافة الجمهوريات السوفيتية واستمعوا إلى عدد من المحاضرات والمداخلات كان أهمها مداخلة أ.أ. سميرنوف عن "واقع علم النفس وإعادة بنائه على أساس تعاليم بافلوف"ومداخلة ب.م. تيبلوف حول "المنهج الموضوعي في علم النفس". وأثناء ذلك جرت مناقشات حادة تركزت بوجه عام حول صلة علم النفس بنظرية بافلوف في الانعكاس الشرطي. ولقد كان أثر كل من الدورة والملتقى واضحاً في القضايا التي عالجها علماء النفس في الاتحاد السوفيتي خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وعلى نحو خاص في بلورة الأسس العامة لعلم النفس، والبرهان على صحتها وضرورة الانطلاق منها في تفسير الظواهر النفسية عند الإنسان. وانطلاقاً من تلك الأسس تناول علماء النفس السوفيت موضوعات دراساتهم وبحوثهم التي تمحورت حول: -الآليات الفيزيولوجية للنشاط النفسي. -تشكل العمليات والحالات النفسية وتطورها. -تطور الخصائص النفسية للشخصية. الآليات الفيزيولوجية للنشاط النفسي عمل تلاميذ بافلوف وأتباعه على تطوير أفكاره. فقد درس ن. أ. كراسناغورسكي وَ أ.غ. إيفانوف- سمولينسكي المنعكسات الشرطية عند الإنسان وكيفية تشكلها العملي وتابع نشاطهما العلمي فيما بعد كل من ب.ك أنوخين وإ.أ أستراتيان ول. غ. فارونين ون. أ. بيرنشتين وأ.ب. كوغان وم. ن. ليفانوف. وإذا كان لهؤلاء العلماء الفيزيولوجيين فضل الإسهام في الكشف عن الآليات الفيزيولوجية لبعض مناحي السلوك البشري، فإن ما قام به زملاؤهم علماء النفس في حقل السيكوفيزيولوجيا والنيروسيكولوجيا يحمل على نفس الصعيد قيمة علمية كبيرة. وهذا ما يتجلى في أعمال تيبلوف ولوريا وأنانيف وسوكولوف وغيرهم. ففي معرض دراسة الآليات الفيزيولوجية للفروق النفسية الفردية بين الناس أجري تيبلوف ومساعدوه سلسلة من البحوث التي اعتبرت تطويراً لأفكار بافلوف حول خصائص الجملة العصبية وأنماط النشاط العصبي العالي عند الحيوان والإنسان. وتوصل تيبلوف بفضلها إلى نتيجة مفادها أنه ليس ثمة أي أساس نظري أو تجريبي للقول بوجود أربعة أنماط أساسية للجملة العصبية. ووجد هذا العالم أن مهمة البحث في هذا المجال لا تكمن في دراسة أنماط النشاط العصبي العالي ذاتها أو تصنيفها، مثلما فعل بافلوف وغيره من الفيزيولوجيين، وإنما في دراسة كل صفة من صفات الجملة العصبية لوحدها بهدف معرفة أي من تلك الصفات تعد أساسية، وما هي الصلات القائمة بينها. وللقيام بهذه المهمة وضع العاملون في مخبر تيبلوف عدداً من الطرائق البحثية ومن بينها الطريقة الكهروفيزيولوجية الحديثة التي يتحقق فيها تنظيم الوظائف والمقاييس غير المرتبطة بإرادة المفحوص. وبفضل ذلك أمكن الوقوف على وجود عدد كبير من صفات الجملة العصبية التي تشير إلى الفروق الفردية والنمطية بصورة أفضل مما تقوم به طريقة بافلوف. فقد استطاع ف.نيبيليتسين (1930-1972) وهو أحد تلاميذ تيبلوف، من الكشف عن معيارين لنشاط الجملة العصبية، وهما الدينامية والقابلية للتغيّر. ويتسم هذان المعياران بسرعة وسهولة توليد البنى الدماغية للعملية العصبية في مجرى تشكل الاستجابات التنبيهية والكافة. وتتدرج هاتان السمتان من أقصى السرعة والسهولة إلى أقصى حدود التباطؤ والصعوبة. وتحتل الدراسات التي خصصها لوريا ومساعدوه لتحديد مواضع الوظائف النفسية في المخ المكانة الهامة في مجال الكشف عن العلاقة بين العمليات العصبية والفيزيولوجية والنفسية، وبالتحديد الآليات الفيزيولوجية للنشاط النفسي. اتخذ لوريا من اضطراب أو اختلال الوظائف النفسية (الحسية، الحركية، الذاكروية، القراءة، الكتابة، العد..) لدى الإصابات المخية الموضعية المختلفة، ومحاولته استعادة هذه الوظائف عن طريق اتخاذ إجراءات خاصة، مادة لتلك الدراسات. وأظهرت المعطيات التي أمدته بها دراسته للمرضى الذين يعانون من إصابات دماغية مختلفة أن اضطراب أي من الوظائف النفسية إنما يحدث نتيجة إصابة أكثر من منطقة دماغية وليس بسبب إصابة منطقة محددة كما يظن البعض بأنها المنطقة المختصة بتلك الوظيفة. وإصابة جزء صغير من الدماغ لا يؤدي إلى تدهور وظيفة نفسية بعينها، بل إلى اضطراب مجموعة من الوظائف النفسية التي تؤلف لزمة معينة أو مركباً من الأعراض الخاصة بهذا النوع من الإصابة الدماغية. وهذا ما دفعه إلى استنتاج أن مخ الإنسان وقشرته ليسا خليطاً من أعضاء متعددة يمثل كل منها مركزاً محدداً لوظيفة نفسية مستقلة (لوريا، 1963، 224). ويرى لوريا أنه إذا كانت الوظائف الفيزيولوجية الأولية (البصر، السمع..) ترتبط بجزء محدد من المخ، وأن اختلالها أو تعطلها ينجم عن إصابة أو تخريب ذلك الجزء، فإن الأمر يختلف بالنسبة للعمليات النفسية العليا، حيث أنها تكون منظومة متكاملة ذات بنية وظيفية معقدة. أما ب. غ. أنانيف فقد تناول ومساعدوه في مجرى دراستهم للأساس العضوي للنفس العمل المزدوج لمخ الإنسان. ومن خلال التجارب المخبرية التي أجروها تمكنوا من الوقوف على دور العمل المشترك لنصفي الكرتين المخيتين في الاستجابات الحركية والحسية وإدراك الزمان والمكان. وهذا ما قاد أنانيف إلى القول بالتنظيم الثنائي الواسع للسلوك، وبالإسهام الكبير للعلاقات الثنائية بين نصفي الكرتين المخيتين في العديد من ظواهر تنظيم عمليات النشاط الحيوي وسلوك الإنسان. ويشير أنانيف إلى سيطرة أحد نصفي الكرتين المخيتين على الآخر خلال عملهما المشترك. ولكن المعطيات التجريبية أظهرت الطابع الدينامي والمتغير لتلك السيطرة؛ إذ أنَّها غالباً ما تتعلق بمضمون وطبيعة النشاط الذي يؤديه المرء وبشروط ذلك الأداء. ففي بعض الحالات تكون السيطرة للنصف الأيمن وفي بعضها الآخر تكون للنصف الأيسر (أنانيف، 1963، "مجلة مسائل علم النفس"، العدد5). وفي تلك الأعوام كان أ. سوكولوف يتابع في مخبره الاستجابات الكلامية الداخلية المستترة بوصفها مؤشرات للديناميات العصبية للعمليات الذهنية التي تحدث أثناء حل الإنسان للمسائل المطروحة. وقد استخدم في دراسة تلك الاستجابات طريقة التسجيل الكهروعضلي. وتقوم هذه الطريقة على أساس أن الدفعات العصبية القادمة من القشرة الدماغية ومن غيرها من أقسام الجملة العصبية المركزية تحث أعضاء الكلام على العمل، الأمر الذي يجعل بالإمكان الحكم على درجة تنبه أو كف المحلل الكلامي الحركي أثناء القيام بمختلف العمليات الذهنية بوساطة النشاط الكهربائي للعضلة الكلامية. وتظهر النتائج التي استخلصها سوكولوف أن هناك اختلافاً نوعياً في وتيرة التنبيه الكلامي الحركي تبعاً لدرجة صعوبة المسائل التي ينبغي على المفحوص حلها. فكلما كانت تلك المسائل صعبة ومعقدة ازدادت العمليات التي تقوم بها أعضاء الكلام وكثرت الاستجابات الداخلية المستترة (سوكولوف، 1968). تشكل العمليات والحالات النفسية وتطورها تشمل العمليات النفسية، أو العمليات المعرفية عند الإنسان –كما هو معروف- الإحساس والإدراك والتصور والتخيّل والكلام والتذكر والتفكير. وتتضمن الحالات النفسية الانتباه والعواطف والانفعالات والدوافع والإرادة. ويتناول علماء النفس السوفيت هذه الظواهر كما يتناولها آخرون في علاقاتها وتأثيراتها المتبادلة. فالعملية النفسية ترتبط بالحالة النفسية وتتأثر بها. والحالة النفسية تتشكل في كثير من الحالات بفعل العملية النفسية وتحت تأثيرها. ويرى هؤلاء العلماء أن الظواهر النفسية هي استجابات الدماغ على المثيرات الخارجية (البيئية المحيطة بالإنسان) والداخلية (حالة العضوية). فهي في رأيهم، "المنظمات الدائمة للنشاط الذي يقوم به الفرد رداً على المثيرات التي تؤثر عليه الآن (الإحساسات والإدراكات) أو التي أثرت عليه فيما مضى (التذكر)، والتي تتولى تعميم تلك المثيرات وتتنبأ بالنتائج التي تؤول إليها (التفكير، التخيل)، وتقوم بتفعيل النشاط تحت تأثير بعض المثيرات أو كفه تحت تأثير البعض الآخر (المشاعر، الإرادة) والكشف عن الفروق في سلوك الناس (المزاج، الطبع..)" (بتروفسكي وآخرون 1970، 15). وفي ضوء نظرية الانعكاس ينظر علماء النفس في الاتحاد السوفيتي إلى العمليات النفسية كانعكاس للواقع الخارجي في وعي الإنسان. وتتفاوت عملية الانعكاس هذه حسب المستوى الذي تتم فيه. فعلى المستوى الحسي تنعكس الصفات الفيزيائية والكيميائية للأشياء الخارجية بصورة منفصلة. كما ينعكس الوضع الداخلي للجسم أثناء التأثير المباشر لتلك الصفات أو ذلك الوضع على المحللات المختصة. وعلى مستوى التفكير تنعكس الصفات الداخلية للأشياء والوقائع والحوادث الخارجية وعلاقاتها بعضها ببعض عبر تحليلها وتركيبها من جديد. ولئن كان التفكير يقوم على الحس والإدراك وينشأ على أساس النشاط العملي الحسي، فإنه يتجاوز حدود المعرفة الحسية، ويرقى إلى مستوى المعرفة العلمية والنظرية والمنطقية. وعلى أساس المبادئ العامة يتناول علماء النفس السوفيت العمليات النفسية بوصفها نشاطات تقود التطور النفسي. ويتساوى في ذلك الحس والإدراك والتذكر والتفكير. فالحس، في رأيهم، ليس شكلاً حسياً أو أحد مركباته فقط، بل هو نشاط أو أحد مركبات هذا النشاط أيضاً. والإدراك عندهم، هو فعل موجّه نحو متابعة الموضوع وتكوين صورة عنه. والتذكر بجميع عناصره ومراحله وأنواعه هو نشاط هادف يرمي إلى تسجيل الانطباعات عن العالم الخارجي وخزنها واسترجاعها عند اقتضاء الضرورة. والتفكير هو النشاط الذي يستطيع الإنسان من خلاله التعرف على الصفات الداخلية للموضوعات والتوصل إلى جوهر العلاقات القائمة بينها والقوانين التي تتحكم بوجودها. وبصورةً أدق يعتبر الإدراك، من وجهة هؤلاء العلماء "انعكاساً للموضوعات والظواهر الخارجية في وعي الإنسان لدى تأثيرها المباشر على أعضاء الحس. وأثناء ذلك يتم ترتيب وتوحيد الإحساسات المجزأة في أشكال كاملة للأشياء والوقائع" (المرجع السابق، 222). وهذا يعني أن الإدراك يختلف عن الإحساس في أنه يعكس الموضوع بأكمله. وتتمثل خصائصه الهامة في المادية والكلية والانتقائية والبنيوية والثبات والمعنوية. والحق أن الغشتالتيين كانوا قد أشاروا إلى كلية الإدراك وبنيويته وثباته. وحاولوا أن يدللوا على وجود هذه الخصائص في دراستهم لهذه الظاهرة. وقد أضاف علماء النفس السوفيت إليها المادية التي تدل على موضوعية الإدراك عبر انعكاس الموضوعات الخارجية في وعي الإنسان وإمكانية ردها بفضل ذلك إلى الواقع الموضوعي. كما أضافوا الانتقائية والمعنوية كخاصتين من خصائص الإدراك البشري تأكيداً منهم أن الذات المدركة بما تحمله من خبرات سابقة ودوافع متنوعة تلعب دوراً إيجابياً في هذه العملية وتؤثر، بالتالي، على نتائجها (زاباروجيتس وآخرون، 1967). كما حظيت العمليات العقلية (التذكر المنطقي، التفكير) باهتمام عدد من علماء النفس السوفيت أمثال ليونتيف وسميرنوف وزينجينكو وغالبيرن وبوشكين ودافيدوف وبانوموريوف وتيخاميروف وسلافسكايا وغيرهم. وقد وجد ليونتيف أن نجاح عملية التذكر لا يتوقف على طبيعة المادة بقدر ما يتوقف على مضمون النشاط الذي يقوم به الفرد مع الموضوع. ففي الحالات التي يكون فيها موضوع التذكر مادة النشاط الذي يطلب من الفرد القيام به تكون إمكانية حفظه واسترجاعه أكبر بكثير من إمكانية حفظ واسترجاع الموضوعات التي يطلب من الفرد القيام بحفظها مباشرة دون أن تكون مادة لأي نشاط. وأظهرت نتائج بعض التجارب التي أجريت تحت إشراف سميرنوف إمكانية تشكيل أساليب التذكر المنطقي عند الأطفال في مرحلتي الروضة والمدرسة الابتدائية عن طريق توفير الشروط التعليمية اللازمة والتي تراعي خصائص الأطفال والفروق النفسية بينهم (سميرنوف وآخرون 1969، مجلة "مسائل علم النفس" العدد 5). وفي تجارب أخرى توصل سميرنوف ومساعدوه إلى وجود علاقة ارتباطية بين مختلف جوانب التذكر وأنواعه، وأن مستوى هذه العلاقة يتوقف على طبيعة النشاط الذي يقوم به المفحوصون في الحالات التي كانت موضوع مقارنة (سميرنوف، 1967). ومن الدراسات الحديثة في مجال الذاكرة يجب أن نذكر الدراسة التي أشرف عليها زينجينكو وتناولت ما يعرف بالتذكر العملياتي. ويعد هذا النوع من التذكر عنصراً ضرورياً لأي نشاط يقوم به الإنسان. والتذكر العملياتي هو ضرب من التذكر القصير المدى. وقد مكنت المعطيات التجريبية الباحثين من الوقوف على ارتباط هذا التذكر بكيفية معالجة الموضوع بصورة عامة، وبخصائص الوحدات العملياتية التي تتشكل أثناء استيعاب النشاط الذي يتم فيه التذكر بصورة خاصة. وتتمثل هذه الوحدات في العمليات الحسية والعقلية التي يتم بفضلها بلوغ مستوى أعلى من التطور (ريبكين، 1965). كما دللت الدراسة التي أجرتها ن.ي. لياؤديس بالاشتراك مع إ.ف. زمليانسكايا على أهمية مستوى معالجة المعلومات ودور أساليب تصنيف الموضوعات في حفظها واسترجاعها (لياؤوديس وزمليانسكايا، 1969). وحظيت الذاكرة القصيرة المدى والبعيدة المدى والذاكرة الحسية والحركية والكلامية والمعنوية باهتمام بالغ من جانب المختصين السوفيت. وقد جمع هؤلاء كمية ضخمة من المعطيات التي سمحت بالتشديد على دور الذات والنشاط الحسي والحركي والذهني الذي تقوم به في حفظ الموضوع واسترجاعه وتطور هذه الأنواع من الذاكرة إلى جانب طبيعة الموضوع والخصائص الفردية والنشوئية. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نشير إلى الدراسة التي أجراها علي منصور تحت عنوان "مشكلة استعداد الذاكرة للاسترجاع" وتوصل من خلال التجارب التي أجراها على عينة من المواطنين السوفيت الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و58 سنة إلى نتائج مماثلة لتلك التي توصلت إليها لياؤديس وزمليانسكايا. وتتمثل هذه النتائج في أن فعاليّة الاسترجاع تتغير تبعاً لتغير عناصر نشاط الإنسان (التوجه والتنفيذ والتحكم). وأن التغيرات النوعية التي تطرأ على مستوى استعداد الذاكرة للاسترجاع ترتبط بالانتقال من الاسترجاع المنتج (الاجتراري) إلى الاسترجاع المبدع الذي يعيد بناء المادة من جديد. وهذا الانتقال لا يحدث كنتيجة مباشرة لعدد التمارين التي يقوم بها الإنسان لحفظ واسترجاع المادة المعطاة، وإنّما هو نتيجة الاستيعاب المنظم للأفعال العقلية التي تقتضيها بنية المادة (منصور، 1975). ومن ناحية أخرى قام علماء النفس السوفيت بتتبع تطور عمليات التذكر عند الإنسان في مختلف مراحل الحياة. وتجمع الدراسات التي أجروها على أن ذاكرة الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة تتطور تطوراً كبيراً. فالطفل في هذه المرحلة يتذكر الحكايات والأناشيد بصورة ممتازة. وإذا كان تذكر الطفل في البداية لا ينفصل عن الإحساس والإدراك، فإنه فيما بعد يبدأ بالابتعاد عن الواقع المحسوس شيئاً فشيئاً من خلال المهمات التي يكلفه بها الكبار؛ كأن يطلب منه تذكر أسماء بعض الأشخاص أو الأشياء. قام زينجينكو بدراسة لمعرفة مدى تأثير الدافع للنشاط على مردود الحفظ اللاإرادي عند الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين السنة الخامسة والسابعة. واشتملت هذه الدراسة على تجربة يطرح الباحث خلالها 10 كلمات على المفحوص. وعلى هذا الأخير أن يتقدم بكلمة تكون فعلاً أو صفةً للكلمة المطروحة (ديك-يغني، بيت-جميل..) في الحالة الأولى، وأن ترتبط بالكلمة المطروحة بعلاقة فكرية (شجرة –أرض، قارب- نهر..) في الحالة الثانية، وقد أجريت التجربة أثناء حل مسألة ودون أن يعلم المفحوصون مسبقاً بالمهمة التي تنتظرهم. وتبين معطيات هذه الدراسة أن الأطفال تمكنوا من تذكر الكلمات التي تعاملوا معها في شروط المسابقة على نحو أفضل من تذكرهم الكلمات التي استخدموها في حل المسألة (الكونين، 1960، 115). وتوصلت ز.م. استومينا إلى نتيجة مماثلة من خلال دراستها التي تناولت فيها أطفال مرحلة الروضة، حيث وجدت أن نشاط اللعب التمثيلي (الدوري "لعبة البائع والمشترين") يحتل أهمية كبيرة من قدرة الطفل على حفظ الموضوعات واسترجاعها (المرجع السابق، 117). وتدلل هذه النتائج على إمكانية الارتقاء بمستوى التذكر عند الأطفال، وتكوين التذكر الإرادي في نهاية مرحلة الروضة عن طريق نشاط اللعب ووضع المهمات التي يستدعي أداؤها الاستعانة بالأفعال العقلية، كالمقارنة والتصنيف وسواهما عند الأطفال. كما تثبت خطأ ما يقال عن الطابع الميكانيكي الخالص لذاكرة الأطفال حتى بعد سنوات من دخولهم إلى المدرسة. فكلما كانت الكلمات أو الوقائع ذات معنى وتتردد في سياق الألعاب التي يمارسها الأطفال تحت إشراف الكبار وتوجيههم، كان تذكرها من قِبل هؤلاء الأطفال أيسر وأسرع، وأمكن لهم استرجاعها في الوقت الذي يودون. وهكذا تتطور الذاكرة المنطقية في المراحل اللاحقة مع تطور الأفعال العقلية في مجرى النشاط الدراسي وغيره من النشاطات الإنسانية. وإلى جانب عمليات التذكر وأنواعه كانت مشكلات التفكير موضوع عدد كبير من الدراسات والأعمال التي أنجزها علماء النفس السوفيت. وقد شكلت دراسة النشاط العقلي كعملية لحل المسائل أحد أهم المحاور في علم نفس التفكير. وهذا ما تجسد في البحوث التجريبية التي حرصت على تقديم مسائل متنوعة ذات صلة بالنشاط الدراسي أو نشاط اللعب أو النشاط المهني – العملي وطرحها على المفحوصين. فالتفكير وحل المسائل يرتبط كلاهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً. ولكن ذلك لا يصل إلى مستوى مطابقتهما أو إمكانية حلول أحدهما مكان الآخر. إن التفكير أوسع من مجرد حل المسائل. صحيح أن حل المسائل يستدعي بالضرورة حدوث التفكير، فهو لا يتم إلا من خلاله. غير أنّ التفكير لا ينحصر في إطار حل المسائل فقط، بل يتعداه إلى طرح تلك المسائل والكشف عنها ووعي المشكلات الجديدة. ويضاف إلى هذا أن التفكير ضروري لاستيعاب المعارف وفهم الحوادث والوقائع التي ندركها أو نقرأ عنها. ولعل ذلك ما دفع المختصين إلى دراسة التفكير باعتباره عملية يقتضي التعرف عليها البحث عن الأسباب الداخلية التي تؤدي إلى الحصول على الناتج المعرفية، سواء أكانت هذه النتائج إيجابية أم سلبية (هل تمكن الطالب من حل المسألة أم لا؟ وهل تشكلت لديه خطة الحل أم لا؟ هل استوعب المعارف المقررة؟ وما هي درجة هذا الاستيعاب؟..إلخ). إن مهمة علم نفس التفكير إذاً هي أن يكشف عن الأسباب الداخلية الكامنة وراء هذه الوقائع الخارجية والتي تؤدي إليها. وهذه الأسباب الداخلية هي العمليات العقلية التي تستجر الأفعال الخارجية وتكون سبباً لها. وعلم النفس، إذ يضطلع بهذه المهمة، إنما ينطلق من مبدأ الحتمية الذي يتجسد في السببية الشرطية. ويدرس علماء النفس السوفيت التفكير من حيث هو عملية دينامية تقوم على التحليل والتركيب والتعميم. والتحليل هو تجزئة الموضوع إلى عناصره وجوانبه وصفاته وعلاقاته. والتركيب هو إعادة تجميع أو توحيد تلك العناصر والجوانب والصفات والعلاقات من جديد. والتحليل والتركيب عمليتان متلازمتان دوماً. ويتجسد تلازمهما في المقارنة التي تمكن الذات المفكرة من التعرف على مختلف موضوعات العالم الخارجي بصورة أولية. وتبدأ هذه العملية العقلية بالتركيب. ومن خلال تركيب موضوعات التفكير أو الدراسة يتم تحليلها، وفصل ما هو عام ومشترك عما هو مختلف ومتباين فيها، وهذا هو التعميم. ويميز هؤلاء العلماء نوعين أو مستويين للتعميم. يطلق على النوع الأول "التعميم الخيري (الإمبيريقي)" وعلى النوع الثاني "التعميم النظري أو العلمي". ففي التعميم الخيري تكون الصفات العامة أو المشتركة بين الموضوعات هي الصفات الحسية، السطحية، العرضية، الخارجية. بينما تكون الصفات العامة أو المشتركة بين الموضوعات في التعميم النظري هي الصفات الجوهرية، الأساسية، الدائمة، الداخلية. ويولي بعض العلماء السوفيت هذا التقسيم اهتماماً فائقاً في عملية التعليم التجريبي كما سوف نرى في الفصل القادم. والتفكير مثله مثل أي نشاط آخر ينشأ تحت تأثير دوافع الشخصية. ولهذا فإن علاقة النشاط الذهني بالدافعية هي إحدى المشكلات التي سعى المختصون السوفيت لمعالجتها في العقود الأخيرة. وخلافاً للمنطق الصوري الذي يغفل العلاقة بين التفكير من جهة، والمعرفة الحسية والدوافع من جهة ثانية، يرى هؤلاء أن إحدى مهمات علم النفس تكمن في التعرف على الحاجات والدوافع الكامنة وراء النشاط العقلي. فمما يفكر ليس هو التفكير بحد ذاته وإنما الإنسان بما يملك من سمات نفسية وخبرات سابقة بما في ذلك دوافعه وحاجاته. وتقسم هذه الدوافع عندهم إلى قسمين: دوافع معرفية خاصة ودوافع عامة. وفي القسم أو النوع الأول تكون الميول والاتجاهات هي القوى المحركة للنشاط العقلي. وفي النوع الثاني تحث الأسباب الخارجية الإنسان إلى التفكير. ويرتبط التفكير، في رأي علماء النفس في الاتحاد السوفيتي، باللغة والكلام. وهذا الارتباط هو الذي يجعل الفارق بين سلوك الإنسان وسلوك الحيوان كبيراً، بل ونوعياً. ففي الوقت الذي يتسم به التفكير عند الحيوانات، وحتى الراقية منها، بالحسية، يكون التفكير عند الإنسان مجرداً ونظرياً. إذ بفضل الكلام ارتقى التفكير الإنساني عن الواقع المحسوس، وأصبح قادراً على عكسه دون التأثير المباشر لظواهره ووقائعه، صحيح أنه يبدأ في المرحلة الأولى من حياة الإنسان حسياً وفعلياً ولكنه سرعان ما يكتسب طابع التجريد تبعاً للتطور الذي تعرفه وظيفة الكلام عنده، وتحولها من وسيلة للمعاشرة والاتصال والأفعال الحسية إلى أداة النشاط العقلي. وفي جميع الأحوال فإنه لا غنى للتفكير عن الكلام ما دام إنسانياً. فكل فكرة تنشأ وتتطور في علاقتها الوثيقة بالكلام. وكلما كانت الفكرة عميقة ومفهومة أمكن التعبير عنها بوساطة اللغة (الشفهية أو المكتوبة) بشكل دقيق وواضح. وبقدر ما تكون صياغة الفكرة محكمة وسليمة، تكون مفهومة وجلية على نحو أفضل. ويستمد هؤلاء العلماء من تجاربهم وملاحظاتهم الموضوعية الأدلة على أهمية اللغة في صياغة الأفكار واستيعابها. ويسوقون الأمثلة على استعانة الإنسان بالكلام الخارجي المسموع للتغلب على الصعوبات التي يصادفها لدى محاولته استيعاب فكرة معينة. وكيف أنه يكرّر بصوت مسموع الصياغة الكلامية لتلك الفكرة محاولاً المرة تلوَ الأخرى الوصول إلى الهدف المطلوب. ولقد كانت التطورات التي تطرأ على النشاط العقلي عند الإنسان منذ طفولته الأولى وعبر مراحل حياته المختلفة موضوعاً للعديد من الدراسات والبحوث التجريبية والميدانية التي أجريت في الاتحاد السوفيتي. وتتفق نتائج تلك الدراسات والبحوث مع ما توصل إليه بعض علماء النفس في الدول الغربية أمثال برونرو بياجيه. فالمراحل الرئيسية التي يعرفها النشاط العقلي خلال حياة الفرد ثلاث، هي: المرحلة العملية –الحسية، المرحلة الشكلية –الحسية، المرحلة التجريدية. إن علماء النفس السوفيت، وإن اختلفوا مع بياجيه في محددات التطور العقلي عند الإنسان، فإنهم يتفقون معه حول خصائص كل مرحلة من المراحل المذكورة. فالطفل في المرحلة الأولى يحلّل الصفات الخارجية للموضوعات ويركبها ثم يقوم بالتعميم لدى مقارنته لها أثناء تعامله الفعلي المباشر والمحسوس مع تلك الموضوعات. وهو يقوم بهذه العمليات في المرحلة الشكلية – الحسية على أساس إدراكه أو تصوره لتلك الموضوعات. ولا يتمكن من التعامل مع المفاهيم والقيام بتحليل الموضوعات والظواهر وتركيب صفاتها ومقارنتها وتعميمها على أساس تلك المفاهيم والوصول إلى القوانين التي تتحكم بتلك الموضوعات والظواهر إلا في المرحلة التجريدية أو المنطقية التي تبدأ ملامحها بالظهور في السنة التاسعة أو العاشرة من العمر. بيدَ أن الانتقال إلى مرحلة أعلى لا يعني القطيعة التامة مع المرحلة الأدنى، بقدر ما يعني بلوغ مستوى أرقى من النشاط العقلي له خصائصه وسماته الخاصة مع الاحتفاظ ببعض خصائص وسمات المستوى السابق. فالانتقال إلى المرحلة الشكلية – الحسية لا ينفي اعتماد الطفل في بعض المواقف على التعامل المباشر مع الموضوعات الخارجية لحل المشكلات التي تعترض سبيله. والانتقال إلى المرحلة المنطقية ليس معناه انفصال الطفل عن الواقع المحسوس والتعامل معه على مستوى التجريد فقط. إن تشكل هذا المستوى من النشاط العقلي وتطوره عند تلميذ المدرسة من خلال تمثله للمفاهيم العلمية المختلفة لا يلغي وجود التفكير العملي – الحسي والتفكير الشكلي- الحسي وتطورهما في هذه المرحلة، بل وفي المراحل اللاحقة. فهذان النوعان من التفكير يستمران في تطورهما عند الطفل والراشد إلى جانب التفكير العلمي المنطقي. وهذا ما نلاحظه لدى المهندسين والمصممين، حيث يتمتعون بتفكير عملي –حسي رفيع المستوى، كما نجده عند الأدباء والفنانين الذين يبلغ التفكير الصوري – الحسي لديهم درجة عالية من التطور. ولعل تناول الوظائف النفسية بصورة منفردة لم يحجب رؤية علماء النفس السوفيت إليها ككل. ويدلل على هذا مدخلهم المنظوماتي، الكلي للشخصية بجوانبها المختلفة: الموروفولوجية والعضوية والفيزيولوجية والنفسية. وهم حين يدرسون كل وظيفة على حدة، إنما يرمون من وراء ذلك إلى تتبع المسار التطوري لها والعوامل التي تؤثر فيها بهدف توفير الشروط الضرورية للتحكم في ذلك المسار وتوجيهه الوجهة السليمة. تطور الخصائص النفسية للشخصية ينطلق علماء النفس السوفيت في دراستهم للشخصية من الفهم الماركسي والبافلوفي لها. كتب ماركس يقول: ".. جوهر الإنسان ليس شيئاً مجرداً خاصاً بفرد معين، إنه في حقيقته مجموعة العلاقات الاجتماعية برمتها" (ماركس وانغلز، ج 3،3) وفي ضوء هذه الفكرة يبدو واضحاً أن شخصية الإنسان ما هي إلا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه. فالعلاقات الاجتماعية السائدة في مرحلة من مراحل تطور المجتمع هي التي تحدد الخصائص النفسية للفرد. واقترب بافلوف كثيراً من هذا المعنى حين رأى بعين الفيزيولوجي أن المخ هو عضو العلاقات المعقدة التي يقيمها الحيوان مع العالم بأسره. وتتمثل هذه العلاقات عند الإنسان في الأفعال الانعكاسية الشرطية التي تتشكل في كل لحظة من لحظات حياته. ومن المعروف أن غالبية هذه الأفعال تؤلف منظومة الإشارات الثانية التي تكسب نشاط الإنسان طابعاً واعياً وإرادياً وغائياً. ويتبدى ذلك في فعالية العمليات النفسية عنده وخاصيتها الانتقائية. فالإحساس هو إشارة ذاتية أولية لعلاقة الفرد بالواقع المحيط. والحالة الوجدانية أو الانفعالية هي تعبير عن العلاقة الذاتية الداخلية بالموضوع الخارجي الذي استدعاها. والطبع والمزاج هما تجسيد لعلاقة الفرد بالظواهر الخارجية أو بذاته. ويشير هؤلاء العلماء إلى التأثير المتبادل بين الحالات والخصائص النفسية والعمليات المعرفية وارتباط كل منها بالأخرى. ويدللون على ذلك بأن وعي أو فهم ما يجري في الوسط المحيط يرتبط بالعلاقة معه. وإن هذه العلاقة بالمثيرات الخارجية إنما تتقرر بكيفية وعيها أو فهمها. وهكذا "فالنشاط النفسي هو وحدة الانعكاس والعلاقات. ففي الانعكاس ذاته تكمن العلاقة بالواقع" (سميرنوف وآخرون، 1975، 263). ولذا فهم يقررون أن معرفة أي طرف تساعد في الكشف عن الطرف الآخر والتنبؤ بمستواه واتجاهه. إلا أن هذه العلاقة ليست ساكنة أو ثابتة. فهي –كبقية الجوانب النفسية- دينامية وخاضعة للتغير. وهذه الخاصية هي نتيجة التغيرات التي تطرأ على ما يحيط بالإنسان وعلى نشاطه بالذات. وإلى جانب النشاط العقلي فإن علماء نفس الشخصية السوفيت يولون اهتماماً خاصاً بخصائص الشخصية كالطبع والمزاج والاستعدادات. فقد خصص ف.س. ميرلين ومساعدوه كتاباً بعنوان "في نظرية المزاج"(3) لمعالجة المسائل المتعلقة بالمزاج كخاصية هامة من خصائص الشخصية. يجد ميرلين أن المزاج، كالدوافع والحالات النفسية، يؤثر على النشاط النفسي ويحدّد وتيرته ومداه. وهو في الوقت ذاته يختلف عنها لأن صفاته تظهر عند الإنسان في مختلف أوجه النشاط ومهما كانت الأهداف التي يسعى لتحقيقها. فصفاته ثابتة ودائمة مدى الحياة أو على الأقل خلال فترة طويلة منها. وظهور المزاج يتوقف على عدد من الشروط مما يجعل الناس من ذوي الأمزجة المختلفة يظهرون نفس الخصائص النفسية عند تفاوت تلك الشروط، وتنوعاً في تلك الخصائص في ظل نفس الشروط. ويربط هذا العالم بين مفهومي المزاج والنمط العام للنشاط العصبي العالي لما لصفات كل منهما من علاقة وظيفية بصفات الآخر. ويعد الفاعلية والتماسك والسرعة في نشوء المشاعر وتناوبها والرعب والقلق وغيرها من خصائص المجال الانفعالي –الإرادي إلى جانب الحيوية والنشاط والسرعة في الإنجاز والاستيعاب وسواها من خصائص المجال العقلي ضمن الصفات المزاجية. ومع أن للوراثة دوراً هاماً في تشكل الصفات المزاجية، إلا أن هذه الأخيرة تشهد تغيرات هامة في ظل الشروط الحياتية أكثر مما تعرفه صفات النشاط العصبي العالي. يقول ميرلين: "على الرغم من أن صفات المزاج ذات منشأ وراثي، إلا أنها تتعرض في العديد من الحالات إلى هذا الحد أو ذاك إلى تغيرات حادة نتيجة الشروط الحياتية" (ميرلين، 1964، 174). كما أن هذه الصفات لا تظهر منذ ولادة الإنسان، أو دفعة واحدة في سن معينة، وإنما تتطور في تتابع معين وفقاً للقوانين العامة التي تتحكم بنضج النشاط العصبي العالي وشخصية الطفل، والقوانين الخاصة التي تتحكم بنضج كل نمط من أنماط الجملة العصبية. وهي تتفاوت في ظهورها وتطورها لدى الناس تبعاً لاختلاف الشروط التي يعيشون فيها (المرجع السابق، 179). وكرس عدد من العلماء السوفيت جل دراستهم لمعالجة الطبع. ولعل من أشهر تلك الدراسات وأهمها دراسة ن.د. ليفيتوف (1891-1972) التي عرضها في كتابه "علم نفس الطبع". ويعرف ليفيتوف الطبع بأنه: "الملامح النفسية المتميزة نوعياً، والمعبرة بجلاء عن فردية الإنسان، والمؤثرة في سلوكه وتصرفاته: (ليفيتوف، 1969، 18). ويعتقد ليفيتوف أن ما يكسب الطبع أهمية في حياة المرء هو احتواؤه على النزوع والإرادة من جهة، وتمثيله للبنية العامة لملامح شخصيته من جهة ثانية. وتتوزع هذه البنية بين التماسك والانقسام، الوحدة والتناقض، الثبات النسبي والدينامية، السعة والضيق، القوة والضعف، ويقصد ليفيتوف بالنزوع موقف الفرد تجاه الواقع. وهذا الموقف (أو العلاقة) يتجسد في مضامين محددة وأشكال نفسية معينة، كالانتباه والميل والمثل.. إلخ. أما الإرادة، وهي الجانب الثاني الذي يحتويه الطبع، فتتمثل في النية والقصد والرغبة. ويشير مؤلف كتاب "علم نفس الطبع" إلى تنوع ملامح الطبع وما تدل عليه من خصائص فردية معقدة يتّسم بها الإنسان، وتسمح إلى درجة كافية من اليقين بتوقع ما سيكون عليه سلوكه في المواقف الحياتية المختلفة. وما دام الطبع شأناً نفسياً إنسانياً يعبر عن موقف الإنسان تجاه الواقع وعلاقته بالأحداث والوقائع الخارجية، فإن دراسته، وفقاً لاقتراح ليفيتوف، ينبغي أن تتم من خلال معرفة سلوك هذا الإنسان وتصرفاته ومعاناته أثناء ممارسته لأي نشاط. ويجد ليفيتوف أن الطبع يتشكل في مجرى حياة الفرد. ولذا فإننا نراه يتحدث عن الدور الإيجابي الذي تلعبه الشروط الاجتماعية –التاريخية لتشكل الطبع عند الإنسان. وتأتي الظروف المادية والثقافية والتربوية للفرد وأوجه النشاط التي تتاح له ممارستها في مقدمة تلك الشروط. ووقف علماء النفس السوفيت مطولاً عند خصائص الشخصية التي أثارت جدلاً حاداً بين ممثلي مختلف المدارس والتيارات، وهي الاستعدادات والمواهب. والاستعدادات، من وجهة نظرهم، هي الخصائص النفسية التي يرتبط بها اكتساب المعارف والقدرات والمهارات، إلا أنها لا تفضي إليها. ويعني هذا أنهم ينفون المطابقة بين الاستعدادات والمركبات الرئيسية للنشاط (المعارف والقدرات والمهارات). ولكنهم يؤكدون وحدتها، أي وحدة الاستعدادات ومركبات النشاط، التي لا تتجلى في تلك المركبات بحد ذاتها، بل في دينامية اكتسابها (بتروفسكي وآخرون، 1970). وبكلمات موجزة تتبدى الاستعدادات في النشاط الذي لا يمكن تحقيقه دون وجودها. ويعارض هؤلاء العلماء وجهات النظر التي تقول بوراثة الاستعدادات. ومع أن فريقاً منهم يقر بوجود ما يعرف بالإرهاصات الفطرية أو الموروثة، إلا أنه يشدد على ضرورة التمييز بينها باعتبارها خصائص تشريحية وفيزيولوجية للجملة العصبية، وبين الاستعدادات التي تعتبر ثمرة التطور وتتصف بالحركة والدينامية. يقول تيبلوف: "حينما نتكلم عن الإرهاصات الفطرية، فإننا لا نقصد بذلك وراثة تلك الإرهاصات" (تيبلوف، 1961، 14). ويرى هؤلاء العلماء أن دور الإرهاصات في تشكل الخصائص النفسية بعامة، والاستعدادات بخاصة، هو دور محدود جداً، لا يتعدى كونها لحظة انطلاق فقط. فالاستعدادات تتطور على أساسها، ولكنها لا تتحدد بها ولا تتقرر من خلالها. إن الاستعدادات لا تصير وجوداً بالفعل إلا إذا توافرت لها شروط الرعاية والعناية، وقام الكبار في مختلف المؤسسات الاجتماعية والتربوية –التعليمية بإكساب الطفل عبر أطوار حياته المعارف والقدرات والمهارات. وفي هذا دعوة صريحة إلى ضرورة الاهتمام بمستوى وشكل التعليم والتربية لما لهما من دور أساسي في تطور خصائص الشخصية بوجه عام، وتطور الاستعدادات والمواهب بشكل خاص. فلا وجود، حسب اعتقادهم، لأي نوع من الاستعدادات من غير نشاط تربوي –تعليمي. وفي هذا يقول تيبلوف: "ليس هناك استعدادات لم تتطور من خلال التربية والتعليم" (المرجع السابق، 61). ويرفض علماء النفس السوفيت القول بوجود استعدادات منفصل بعضها عن بعض، أو متوضع بعضها بجانب البعض الآخر. إنها، برأيهم، توجد معاً مؤلفة مجموعة واحدة متماسكة يكتسب بعضها طابعاً متميزاً نوعياً، ويتغير كلية تبعاً لوجود البعض الآخر ودرجة تطوره (المرجع السابق، 17). ويذهب تيبلوف أبعد من هذا فيجد أن تضافر الاستعدادات الذي بفضله يحرز الإنسان النجاح في نشاط ما يجسد موهبته في ذلك النشاط. وأن الموهبة أو النبوغ ليس شأناً عاماً، وإنما هو محدد في مجال معين أو نشاط من الأنشطة. ولذا فإنه لا يحق لنا أن نتحدث عن موهبة عامة. بينما يمكننا أن نتكلم عن موهبة في مجال الموسيقى أو الرسم أو الرياضيات..إلخ. وما دامت مضامين تلك النشاطات في تطور وتغير مستمرين نتيجة التطور الاجتماعي الذي يشمل كافة مجالات الحياة العلمية والفكرية والفنية والأدبية، فإن مركبات الموهبة أو النبوغ تتغير وتتطور على الدوام. وتجيء هذه المرة رداً على آراء العلماء الذين ينظرون إلى محتوى الموهبة والنشاط الذي تتجلى فيه هذه الموهبة على أنه ثابت على مرّ السنين وفي جميع المجتمعات. ومن جهة أخرى فإن فهم الموهبة هو الآخر يتغير بصورة أساسية بالنظر للقيمة التي يمنحها المجتمع لأوجه النشاط عبر مراحل تطور المجتمع الإنسان. ويعقد العلماء السوفيت في معرض برهانهم على صحة هذا الرأي مقارنة بين القيمة التي يعطيها المجتمع الرأسمالي والمجتمع الاشتراكي للعمل العضلي. ويجدون أنه في الوقت الذي يتم فيه الفصل في المجتمع الرأسمالي بين العمل العضلي والعمل الذهني ويعتبر فيه النوع الأول من العمل غير ذي شأن بالمقارنة مع النوع الثاني، لا يفرق المجتمع الاشتراكي بين العملين. ويعطي كلاً منهما القيمة التي يستحقها كنشاط إنساني يشبع جانباً من حاجات البشر، ويلبي جزءاً هاماً من مطالب المجتمع. ويحدد الاختصاصيون مهمة البحث النفسي في الكشف عن نوعية الموهبة أو النبوغ، وليس في القياس الكمي لهما والتعرف على مستواهما عند هذا الموهوب أو ذاك من أجل وضع ترتيب للناس الموهوبين حسب الدرجات التي أحرزوها في الاختبار. يقول تيبلوف: "تكمن المهمة المركزية لعلم النفس في الوقوف على أساليب التحليل العلمي للخصائص النوعية للاستعدادات والموهبة". وإن السؤال الأكثر إلحاحاً هنا ينبغي أن لا يكون "إلى أي حد تبلغ موهبة هذا الإنسان ونبوغه؟" وإنما "ما هي الاستعدادات والموهبة التي يملك؟". وهذا التوجه لا ينفي إمكانية القياس الكمي للاستعدادات والمواهب وضرورة البحث عن أفضل الوسائل والطرائق وأكثرها موضوعية لأداء هذه المهمة. فالاختبار أو الرائز الذي يقيس الموهبة أو الاستعدادات أو النبوغ ينبغي أن يتصف بالعلمية إلى الحد الذي يصبح معه واضحاً بالنسبة للباحث أنّ ما يدرسه بالفعل هو تلك الخصائص لا المعارف أو المهارات التي يشتمل عليها هذا النشاط أو ذاك. وبتحقيق هذا الشرط الهام تصبح الدراسة الكمية مكملة للدراسة النوعية للمواهب والاستعدادات وليست بديلاً عنها. وفي كل الأحوال يبقى الأهم في نظر علماء نفس الشخصية السوفيت أن نعرف أن لدى الناس استعدادات ومواهب مختلفة. والفروق بينهم ليست في كمية أو درجة ما يملكونه من هذه الاستعدادات والمواهب بقدر ما تكمن في نوعيته. ويشير هؤلاء العلماء إلى خطأ الحكم الذي يصدره الكثير من العاملين في حقل علم النفس، وهو أنه كلما كان مستوى النبوغ عالياً قلّ عدد ممثليه بين الناس. ويجدون أن مثل هذا الحكم أو الرأي يلغي الشروط الثقافية والتربوية والتعليمية التي يمكن أن يوفرها المجتمع للناس وأهميتها في تطوير استعداداتهم ومواهبهم، ويبقي على دور الوراثة كمحدد لخصائص الشخصية، وكعاملٍ مسؤول عن توزع تلك الخصائص بين الناس. لقد خصص العلماء والباحثون السوفيت في العقود الثلاثة الأخيرة العديد من الأعمال لدراسة بعض الاستعدادات والمواهب المحدّدة. ومن هذه الأعمال نذكر دراسة تيبلوف للاستعدادات الموسيقية التي تضمنها كتابه "مشكلات الفروق الفردية" الصادر عام 1961م، وكتاب "الاستعدادات للرسم" الذي نشره ف. إ. كيرينكو عام 1959، وكتاب "الاستعدادات الرياضية" لمؤلفه ف. أ. كروتيتسكي الصادر عام 1968م، وكتابي ن. س. ليتيس "حول الموهبة العقلية" الصادر عام 1960 و"حول الاستعدادات العقلية" الصادر عام 1971. (1)-صدر العدد الأول من هذه المجلة عام 1955. (2)-عقد المؤتمر الدولي الحادي عشر لعلماء النفس في باريس عام 1937. وعلى الرغم من أن المؤتمرات الدولية لعلماء النفس تعقد مرة كل ثلاث سنوات، فإن المؤتمر الثاني عشر لم يعقد إلا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبالتحديد في مدينة أدنبرة عام 1948. ومنذ المؤتمر العشرين الذي عقد في طوكيو عام 1972 أصبحت هذه المؤتمرات تعقد مرة كل أربع سنوات، حيث عقد المؤتمر الحادي والعشرون في باريس عام 1976. وعقد المؤتمر الثاني والعشرون في مدينة لايبزيغ عام 1980 احتفاءً بالذكرى المئوية لإنشاء أول مخبر للبحوث النفسية. (3)-صدر هذا الكتاب للمرة الأولى عام 1964. ثم صدر ثانية بالتعاون مع باحثين آخرين وبمضمون مختلف تماماً عن مضمون الطبعة الأولى، وذلك عام 1973م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |