علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الثامن علم النفس في العقد الأخير من القرن العشرين : الفصل الخمسون علم النفس في الدول المستقلة خلال العقد الأخير من القرن العشرين

في الأعوام الأخيرة من الثمانينيات، وتحت تأثير خطاب تغيير الأوضاع الحياتية وشعار إعادة البناء والغلاسنوست في الاتحاد السوفيتي تعالت الأصوات وانبرت الأقلام مطالبة بإجراء تقويم شامل لواقع علم النفس هناك، وتحديد الوسائل والأساليب وتوفير الإمكانيات اللازمة للارتقاء بهذا العلم وزيادة فعاليته لتشمل مجالاته وميادينه كافة. ومن خلال الإحساس بالمسؤولية إزاء علم النفس وإدراك أهميته وقدرته على الإسهام في التقدم الاجتماعي جاءت دعوة معظم المطالبين بضرورة القيام بما من شأنه تجاوز الوضع المتردي الذي آل إليه هذا العلم في الآونة الأخيرة.‏

وقد اتخذ هؤلاء من الندوات والملتقيات والمؤتمرات التي كانت تعقد آنئذٍ ضمن إطار علم النفس، ومن المجلات والنشريات المختصة منبراً للتعبير عن آرائهم ومطاليبهم، ويمكننا أن نستعرض الكثير من تلك الأسماء التي شارك ذووها في المناقشات الحادة والحوارات الساخنة التي كانت تتم في اللقاءات الرسمية المختلفة أو على صفحات المجلات، مثل مجلة (مسائل علم النفس) و"المجلة النفسية" و(التربية السوفيتية) و(العلم والحياة). ولكننا نفضل أن لا نشغل القارئ بمثل هذه الأمور الشكلية. وحسبنا أن نذكر هنا أنّ المؤتمر السابع لجمعية علماء النفس السوفيت الذي عقد في نهاية الشهر الأول من عام 1989 كان إحدى الفرص التي برز فيها هذا الاتجاه. فقد وجه كثيرون من أعضاء الجمعية نقداً عنيفاً إلى المجلس المركزي للجمعية واللجان التي تعمل تحت إشرافه واتهموه بالبيروقراطية والتقصير والجمود. وتضمنت مداخلات بعض الأعضاء إشارات صريحة ومباشرة إلى تخلّف الدراسات النفسية في العقد الأخير والأسباب التي تكمن وراء ذلك.‏

ووجدت تلك الانتقادات صداها في قرارات المؤتمر وتوصياته. فمن يطلع على أجواء المؤتمر وعلى ما انتهى إليه يدرك مدى تراجع علم النفس السوفيتي خلال سنوات الثمانينيات من حيث كمية الدراسات ونوعيتها وفاعليتها. ولذا أوصى المؤتمرون بضرورة زيادة عدد العاملين في حقل علم النفس وتحسين مستوى الاختصاصي النفساني ورفع كفاءته وزيادة إمكانيته، وإنشاء معاهد نفسية تهتم بشتى ميادين علم النفس وتقوم بالبحوث الميدانية مستخدمة الطرائق العلمية والتقنيات الحديثة التي يمكن الحصول عليها من الخارج، وضرورة تطوير تبادل الخيرات بين علماء النفس السوفيت ونظرائهم في الدول الغربية.‏

والواقع أن السنوات التي نحن بصدد الحديث عنها شهدت لقاءات بين علماء النفس السوفيت ونظرائهم في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. وتمت زيارات لعلماء وباحثين من كل بلد للبلد الآخر. إلا أن هذا المستوى من العلاقات العلمية لم يكن ليرضي الكثير من الاختصاصيين النفسانيين الشباب في الاتحاد السوفيتي. ورأى هؤلاء أن من الضروري توسيع قاعدة هذا التعاون والتبادل العلمي النفسي ليشملهم أو ليشمل قسماً منهم على الأقل. وطالبوا بتنظيم دورات اطلاعية تستمر عدة أشهر يقضيها الموفد في إحدى الدول الغربية ليطلع خلالها على المخابر والعيادات النفسية ومكاتب التوجيه والإرشاد المهني وتقنيات البحث المستخدمة هناك.‏

وفيما يتعلق بموضوع علم النفس فقد ذهب فريق من علماء النفس السوفيت إلى أن علم النفس في بلادهم يعاني منذ سنوات وضعاً إشكالياً، وإن الخروج من هذا الوضع يكمن في الانفتاح على النظريات الغربية، وفي مقدمتها التحليل النفسي. فقلّما يخلو عدد من مجلة "مسائل علم النفس" أو "المجلة النفسية" من مقال أو أكثر يتحدث فيه صاحبه (أو أصحابه) عن أهمية عودة التحليل النفسي إلى الاتحاد السوفيتي بعد انقطاع عنه دام قرابة الستين عاماً، أو يحاول من خلاله تقديم مشروع جديد يؤلف فيه بين منطلقات المدارس السوفيتية (مدرسة تيبلوف بشكل خاص) في دراسة الشخصية والأساس الذي اعتمدت عليه إحدى نظريات التحليل النفسي التي يلعب فيها البعد الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية التي يقيمها الفرد مع الآخرين دوراً هاماً في تشكل سمات الشخصية وبلورتها، كنظرية آدلر ونظرية هورني وغيرهما.‏

وزيادة على ذلك فقد جسّد عدد من أصحاب هذا الاتجاه مطلبه هذا في تلبية الدعوة للمشاركة في لقاءات علمية قارية ودولية. فقد شارك كل من ي. ف. بوبوف وف. د. فيدمن ليننغراد وأ. بيلكين ول. غ. غيرتسيك من موسكو في أعمال المؤتمر السادس والثلاثين للرابطة الدولية للتحليل النفسي الذي عقد في روما في صيف عام 1989. وتجسد أيضاً في تشكيل حلقات تجمع أنصار ومريدي التحليل النفسي داخل حدود الاتحاد السوفيتي.‏

وإذا كان إدخال تعديلات هامة على موضوع علم النفس المرضي وعلم النفس العيادي وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية بصورة خاصة هو، في اعتقاد بعض علماء النفس السوفيت، الإجراء الضروري لتجاوز الوضع المأزوم الذي وصل إليه علم النفس السوفيتي، فإن الاستعانة بطرائق ووسائل بحثية أخرى ما زالت محظورة على الباحث السوفيتي ليست أقل ضرورة في رأي هذا الفريق من العلماء. ويتعلق الأمر هنا مباشرة باختبارات الشخصية وروائز الذكاء والقدرات العقلية وقد بذلت في هذا السبيل مساعي كثيرة لنقل بعض اختبارات الشخصية (اختبار كاتل، على سبيل المثال) وتكييفها ليكون تطبيقها ممكناً في البيئة الجديدة.‏

ولعل من الطبيعي أن تستمر الأصوات والأقلام المطالبة بالتغيير خلال العقد الأخير من هذا القرن، أي بعد تصدع الاتحاد السوفيتي وتفككه. فإلى جانب استمرار تأثير النظريات والأفكار السابقة والمعروفة في مختلف الجمهوريات المستقلة ظهرت هنا وهناك دعوات إلى العودة إلى الذات والاعتماد على الثقافة "الخاصة" والانطلاق منها في الحكم على الكثير من الأفكار والمفاهيم الموروثة من العهد "البائد" كالوعي الفردي، وعلاقته بالوعي والوجود الاجتماعيين ومحددات الشخصية والمدخل لدراستها وقياس سماتها.‏

إن الجدل بين علماء النفس داخل كل جمهورية من الجمهوريات التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي ما زال قائماً. وبصرف النظر عن التفاوت في درجة حدة هذا الجدل من جمهورية إلى أخرى، فإن هناك قواسم مشتركة في أطروحات علماء النفس في جميع تلك الجمهوريات. وهذا ما يتمثل في اتفاق أكثرية العلماء في كل الجمهوريات حول أهمية النظريات التي تمت صياغتها في ظل الاتحاد السابق واعتبارها شرطاً هاماً لتطوير الدراسات والبحوث وتحسين مردوديتها في شتى مناحي الحياة. وتتمثل كذلك في اعتراف أغلبية العلماء بالنتائج الإيجابية التي تحققت في ميادين عديدة من ميادين علم النفس، كعلم نفس الطفل وعلم النفس التربوي والتعليمي وعلم النفس الفيزيولوجي وعلم النفس العصبي. ويتفق علماء النفس في سائر الجمهوريات أيضاً على ضرورة الاطلاع على أعمال زملائهم في الدول الغربية والإفادة منها في نشاطهم العلمي، ولا سيما ما يمس منها جانب مناهج البحث وطرائقه.‏

وإن ظهور الدراسات في علم نفس الشخصية وعلم النفس الصناعي والتوجيه والاختيار المهنيين في الأعوام الأخيرة داخل روسيا وأوكرانيا وبيلا روسيا وغيرها من الجمهوريات المستقلة، والتي استخدمت فيها طرائق وتقنيات شبيهة بالتي يستخدمها علماء النفس في الغرب، ونشوء حلقات لجماعات التحليل النفسي في تلك البلدان، وحتى سماع بعض الأصوات التي تنادي بالقطيعة، كل ذلك لم يغير كثيراً من اللوحة التي رصدنا من خلالها الملامح العامة لحركة علم النفس في أيام النظام السوفيتي.‏

ورغم تصدع الاتحاد السوفيتي وانفصال جمهورياته بعضها عن بعض، فإن علماء النفس فيها ما زالوا يواصلون اتصالاتهم بعضهم ببعض بهدف تبادل الخبرات والتجارب، ويتابعون، كل من موقعه وبلده، علاقاتهم مع نظرائهم في مختلف بلدان العالم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244