علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الحادي والخمسون : علم النفس في الدول الاشتراكية(سابقاً) والصين وكوبا

عرف علم النفس في دول أوربة الشرقية تحولاً جذرياً بعد الحرب العالمية الثانية. فبدلاً من المبادئ الفنومنولوجية والوضعية والاستبطان صارت الدراسات النفسية هناك تعتمد على أُسس الفلسفة المادية الجدلية والتاريخية. وفي تلك السنوات كان علم النفس في الاتحاد السوفيتي قد قطع شوطاً كبيراً في إنشاءاته النظرية على قاعدة تلك الفلسفة، الأمر الذي سهل مهمة علماء النفس في تلك البلدان. ولذا فقد اتجهوا نحو زملائهم السوفيت يأخذون عنهم وينقلون خبرتهم ويعملون معهم في اختبار نظرياتهم وتطويرها. وقاموا بترجمة أهم المؤلفات من الروسية إلى لغاتهم، وأنشأوا المعاهد ومراكز البحث النفسي والمخابر والعيادات النفسية التي تحاكي بشكلها ووظيفتها واتجاهها المؤسسات العلمية القائمة في الاتحاد السوفيتي. فأصبحت أعمال سيجينيف وبافلوف وتلاميذه وفيغوتسكي وروبنشتين وليونتيف ولوريا وتيبلوف وغالبيرن وإلكونين تدرس في معاهد وكليات وأقسام علم النفس والتربية في تلك البلدان.‏

وفي ظل التعاون بين الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربة الشرقية ضمن إطار ما عُرف بالمنظومة الاشتراكية كانت المؤتمرات والندوات في علم النفس، الإطار الفعّال الذي مكّن علماء النفس في هذه المنظومة من تبادل الآراء والخبرات حول قضايا هذا العلم ومناهجه. كما كانت المؤسسات العلمية والتعليمية في الاتحاد السوفيتي تستقبل الباحثين الشباب والطلاب من الدول الاشتراكية الأُخرى.‏

يُضاف إلى ذلك إتاحة الفرص أمام العلماء والباحثين لنشر مقالاتهم في المجلات والنشريات التي تصدر في أي بلد من بلدان المنظومة غير بلدهم. ويمكن أن نسجل في هذا الصدد صدور العديد من الأعمال المشتركة في أكثر من لغة من لغات تلك البلدان.‏

وتجدر الإشارة إلى أن علم النفس في بلدان المنظومة الاشتراكية لم يكن صدى أو انعكاساً لعلم النفس السوفيتي، وإن العاملين فيه من تلك البلدان لم يكونوا مجرد تلاميذ نجباء، وإنما كانوا باحثين إيجابيين ومبدعين مثلهم مثل زملائهم السوفيت الذين تجمعهم بهم وحدة المبادئ والمنهج. ويشهد على هذا العدد الكبير من المؤلفات التي ترجمت من البولونية أو الألمانية أو التشيكية إلى الروسية. وتتعدد موضوعات هذه الكتب لتشمل ميادين كثيرة من علم النفس. فمنها ما يتعلق بالآليات الفيزيولوجية للوظائف النفسية، ومنها ما يمسّ إحدى تلك الوظائف النفسية (التذكر، التفكير..) وعلاقتها بالتعليم، وبعضها ذو صلة بعلم النفس التنظيمي..إلخ.‏

ولقد شمل تأثير التغيرات التي طرأت على الخطاب السياسي في الاتحاد السوفيتي في أواسط الثمانينيات الدول الاشتراكية في أوربة. وتجسد هذا التأثير على صعيد علم النفس في رغبة العلماء في تلك البلدان في تطوير علمهم والارتقاء بدراساتهم وبحوثهم لتكون قادرة على تلبية مطالب المجتمع. ورأى هؤلاء أن السبيل إلى ذلك إنما يكمن في تعاونهم مع زملائهم السوفيت من جهة، والانفتاح على علم النفس في الدول الغربية والتعرّف عن قرب على معطياته والتقنيات والطرائق المستخدمة فيه من جهة ثانية. ولهذا تداعى علماء النفس في بلدان المنظومة الاشتراكية، وعقدوا في السنتين الأخيرتين من الثمانينات عدة لقاءات ناقشوا من خلالها واقع علم النفس في بلدانهم. وتعد ندوة موسكو أهم تلك اللقاءات. فقد عقدت هذه الندوة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1989. وحضرها علماء من هنغاريا وألمانيا الشرقية وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا والاتحاد السوفيتي. ولعل عنوانها: "علم النفس في المجتمع الاشتراكي: منهجيته وتاريخه ونظريته" يضعنا أمام الدوافع إلى انعقادها والمحاور التي دارت حولها المناقشات أثناءها. فقد طبع الإحساس بتراجع علم النفس في البلدان الاشتراكية خلال العقد الأخير معظم المداخلات التي قدمت في هذه الندوة. وكان البحث عن أسباب ذلك التراجع في المنهجية والنظرية هو القاسم المشترك بين الآراء والأفكار التي عرضها المشاركون فيها.‏

ولهذه الغاية أيضاً حرص هؤلاء العلماء على المشاركة في المؤتمرات الدولية والقارية باعتبارها أحد الشروط الهامة التي تساعد على الإمساك بأسباب تجاوز الواقع القائم. فمن شأن هذه اللقاءات أن توسع دائرة معارفهم بنواحي الخطأ ومواقع الصواب عندهم، وتلقي ضوءاً على ما ينبغي عمله للوصول إلى الهدف المطلوب.‏

وفي ضوء ذلك يمكن فهم مشاركة علماء المنظومة الاشتراكية في المؤتمرات الأوربية التي تعقد بصورة دورية لمناقشة مسائل أحد ميادين علم النفس. ومنها المؤتمر الأوربي لمناقشة الإدراك البصري، والمؤتمر الأوربي لعلم نفس الشخصية، والمؤتمر الأوربي لدراسة الأطفال الموهوبين. فقد حضر ممثلون عن علم النفس من بعض الدول الاشتراكية المؤتمر الأوربي الثاني عشر الذي عقد في "إسرائيل" عام 1989 لبحث مسائل الإدراك الحسي البصري. وتضاعف عدد ممثلي الدول الاشتراكية في المؤتمر الثالث عشر الذي عقد في فرنسا عام 1990 لنفس الغرض، كما حضر ممثلون عن جميع دول المنظومة الاشتراكية المؤتمرين الأوربيين الأول والثاني الذين عقدا في زيوريخ عام 1988 وبودابست عام 1990 على التوالي.‏

وكانت الرابطة الأوربية للمواهب قد تأسست عام 1987. وتكونت من سبعة عشر بلداً، هي: ألمانيا الغربية، إنكلترا، ألمانيا الشرقية، إيرلندا، إيطاليا، إسبانيا، بلجيكا، بلغاريا، بولونيا، سكوتلندا، سويسرا، السويد، المجر، الاتحاد السوفيتي، يوغوسلافيا، النمسا، هولندا. وشارك علماء من بعض دول المنظومة الاشتراكية في أعمال المؤتمر الأوربي الخامس الذي عقد في إيطاليا عام 1989، وخصص للنظر في مشكلات علم نفس الشخصية.‏

وعلى الرغم من وجود عدد كبير من علماء النفس في دول المنظومة الاشتراكية ممن يعترفون بالنتائج الطيّبة والإيجابية التي تحققت في حقل التربية والتعليم بفضل البحوث التي أجريت خلال عدة عقود في علم نفس الطفل وعلم النفس النمائي والتربوي وعلم نفس الشخصية، فإن مصير علم النفس فيها بعد سقوط تلك المنظومة لم يكن أحسن حالاً من مصيره من الاتحاد السوفيتي بعد تفككه وتحوله إلى دول مستقلة، إن لم نقل أسوأ. فقد دخل علم النفس منذ بداية العقد الأخير من هذا القرن كما هو شأن غيره من العلوم الإنسانية مرحلة من التراجع والفوضى.‏

وتقدمت الصفوف جماعات من النفسانيين الشباب الذين يطالبون بوقف البحث وفق النظريات والمناهج السابقة، والشروع بالعمل على أساس النظريات الغربية في مجال الشخصية وتشخيص أمراضها وتقويمها وعلاجها، ونشوء الظواهر النفسية وتطورها عند الفرد في علاقته بمختلف الدوائر الاجتماعية. وبينما ضعفت العلاقات بين علماء النفس في تلك البلدان خلال هذا العقد، قويت علاقاتهم بعلماء النفس الغربيين، إلا أن ذلك لم يغير كثيراً من واقع علم النفس في الاتجاه الذي رسموه والمستوى الذي كانوا يطمحون إليه.‏

علم النفس في الصين:‏

يمتد الفكر السيكولوجي في الصين بأصوله إلى تاريخ موغل في القدم، وبالتحديد إلى القرن الثامن قبل الميلاد عندما ظهر الطب وظهر معه الاعتقاد بأن البنية العضوية للإنسان هي سبب اختلاف البشر في صفاتهم النفسية. ففي تلك الحقبة الزمنية وجد الأطباء أن الدورة الدموية هي أساس حياة الإنسان. ومن الوقائع الحياتية والملاحظة اليومية ذهب هؤلاء في تفسيرهم للفروق بين الناس إلى القول بوجود ثلاثة عناصر يتركب منها الجسم. وهذه العناصر هي الصفراء (أو الدم) والأثير والسائل المخاطي. وما الاختلاف الذي نلاحظه في سلوك الناس سوى نتيجة لغلبة أحد هذه العناصر على العنصرين الآخرين. فمن يغلب لديه الدم أو الصفراء على الأثير والمخاط يكون شبيهاً بالنمر من حيث القوة والشجاعة والإقدام. ومن يتفوق الأثير في جبلته على الصفراء أو الدم يكون كالقرد في حركته وحيويته وضعف توازنه. ومن يسيطر المخاط في تركيبه العضوي على الصفراء أو الدم والأثير يكون متثاقلاً وكسولاً.‏

وفي القرن الخامس قبل الميلاد ظهرت الكونفوشية إلى جانب مدرستين أخريين هما: اللاوتسية، والموتسية. وتدين الكونفوشية بنشأتها إلى الحكيم الصيني المعروف كونفوشيوس (551-479ق. م) الذي اعتقد أن المعرفة والخصائص النفسية تتكون بالفطرة. فالإنسان طيب وخير بطبعه. وما يصدر عنه من شر إنما هو نتيجة الظروف الحياتية التي تحيط به خلال أطوار حياته المتعاقبة. ولذا فقد وجد أن من الضروري العناية بالظروف التي يحيا في ظلها المرء والعمل على استبعاد مخاطرها وتأثيراتها الضارة.‏

ولقد وجدت هذه الفكرة من يدافع عنها ويطورها مثل مين- تسي (372-289ق. م)، كما وجدت من يهاجمها وينتقدها مثل سون- تسي (298-‏

238ق. م).‏

انطلق سون-تسي في نقده لفكرة كونفوشيوس من السؤال التالي: إذا كان سلوك الفرد طيباً بالفطرة، فما الداعي للنشاط التربوي وما الفائدة التي تقدمها التربية؟ ورأى أنه إذا كان الأمر على هذا النحو لما كنا بحاجة إلى التربية. وعلى هذا فإن الحاجة إلى التربية تمليها حقيقة أن الإنسان مفطور على الشر وليس العكس.‏

وبقي هذا التياران يتصارعان داخل الكونفوشية زمناً طويلاً. وفي كل مرحلة كان لكل منهما أنصاره وأتباعه الذين يدافعون عنه ويسعون إلى جمع الأدلة والبراهين التي تساعد على تقدمه.‏

لقد ارتبطت الأفكار السيكولوجية عبر هذا الزمن الطويل بمحاولات الفلاسفة الصينيين الإجابة على مختلف الأسئلة الفلسفية والأخلاقية والتربوية والفنية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما أصبح علم النفس علماً مستقلاً له موضوعه ومناهجه وظهرت نظريات نفسية متعددة في أوربة الغربية وأمريكا الشمالية وانتقل بعضها إلى الصين. وكانت الغشتالتية والسلوكية والتحليل النفسي هي النظريات التي تعرف عليها الاختصاصيون الصينيون حتى عام 1949، وذلك بحكم دراستهم الجامعية والعليا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربة الغربية واليابان. وربما يكون هذا هو السبب الذي وجه اهتمامهم خلال هذه العقود نحو المسائل المتعلقة بتاريخ علم النفس وعلم نفس الطفل وعلم النفس الطبي وعلم النفس الصناعي. أما علم النفس السوفيتي فلم يكونوا يعرفون منه إلا بافلوف وبختيرف وكارنيلوف من خلال عدد من المقالات التي جمعت في كتاب صدر عام 1934 تحت عنوان "علم النفس الجديد في الاتحاد السوفيتي".‏

وفي عام 1922 تأسست الجمعية الصينية لعلم النفس. وكانت تضم نحو 60 عضواً. وتحت إشرافها تم إصدار ثلاث مجلات في علم النفس "المجلة النفسية الصينية" و "مجلة القياس النفسي" و "التعليم وعلم النفس".‏

ومن الباحثين الذين أسهموا في تطور علم النفس في الصين خلال تلك الفترة نذكر تشين داسي وتشين هوتشين وبان شو وغو بين جوان وشانغ ياوسيانغ.‏

وبعد انتصار الثورة عام 1949 تغير حال علم النفس في الصين بصورة جذرية. فقد توقفت العلاقات بين الصين والدول الغربية، ومعها انقطع اتصال العاملين في علم النفس هناك بزملائهم في الغرب. بينما أصبح علم النفس السوفيتي بالنسبة لأنصار الثورة منهم النموذج الذي يجب محاكاته والتعامل معه. وبدا لهؤلاء أن المهمة المركزية تكمن في التوفيق بين علم النفس من ناحية، وفيزيولوجية النشاط العصبي العالي من ناحية ثانية. وكشفت الحوارات والمناقشات التي جرت في مطلع الخمسينيات أن من الخطأ المنهجي مطابقة النفس والنشاط العصبي العالي والنظر إليهما على أنهما شيء واحد. كما أنه من غير الصواب تناولهما كطرفين متناقضين. واستقر الرأي في النهاية على دراسة النفس كشكل متطور للنشاط العصبي، وانعكاس للواقع الموضوعي بجانبيه الطبيعي والاجتماعي.‏

وللقيام بهذه المهمة توجهت أنظار العلماء الصينيين نحو تطوير علم النفس الفيزيولوجي الذي يهتم بدراسة المنعكسات الشرطية. وقاموا بإعادة تجارب بافلوف ومساعديه على الكلاب والقردة والأطفال بهدف دراسة إمكانية الحيوان على التمييز بين المنبهات الشرطية وتشكل أنماط السلوك الدينامية والوقوف على أنماط النشاط العصبي العالي. وتبين لهم نتيجة هذه التجارب أن أي انعكاس شرطي مهما كان بسيطاً (حركياً، مثلاً) هو خلاصة التجربة الحياتية السابقة للفرد.‏

وفي علم نفس الطفل وعلم النفس التربوي أولى الاختصاصيون اهتمامهم نحو دراسة مراحل تطور الطفل والخصائص التي تتصف بها كل مرحلة وتجعلها تتميز عن سواها من المراحل.‏

وتوقفوا مطولاً عند مرحلة التعليم الابتدائي وأجروا على أطفال هذه المرحلة العديد من التجارب لمعرفة جدوى تدريس مبادئ الجبر فيها قبل الحساب أو تدريسهما معاً وبصورة متوازية. ودرسوا الشروط اللازمة لإعداد الطفل إعداداً سليماً من النواحي الخلقية والاجتماعية والعقلية، ودور التربية الجماعية في ذلك. والجدير بالذكر أن العلماء الصينيين لم يستخدموا الاختبارات في دراساتهم هذه مثلما كانوا يفعلون قبل عام 1949. فمنذ هذا التاريخ تخلّوا عن تلك الوسائل التي كانوا قد كيفوا منها حوالي 40 اختباراً.‏

وإلى جانب ذلك كان علم النفس العام وعلم النفس الصناعي وعلم النفس الطبي محط اهتمام العلماء الصينيين. فقد تناولوا الوظائف النفسية كالتفكير والتذكر والإدراك والمهارات وعلاقة الكلام بالتفكير. وحاولوا التعرف على أسباب وقوع حوادث العمل. وقدموا في هذا الشأن النصائح والإرشادات الضرورية لتفاديها.‏

وعرف عام 1956 عودة "المجلة النفسية الصينية" وإعادة تنظيم الجمعية الصينية لعلم النفس التي ترأسها البروفسور شان شو. وأصبحت تضم 585 عضواً حسب بيانات عام 1958.‏

وتطبيقاً للشعار الذي رفعه علماء النفس الصينيون في أعوام ما بين 1949 و 1958: "خذوا العلم من علم النفس السوفيتي". ترجمت أمهات الكتب السوفيتية إلى اللغة الصينية، مثل أعمال بافلوف وسيجينيف وأختومسكي وروبنشتين وتيبلوف وليونتيف ولوريا. ودعي العديد من العلماء السوفيت إلى الصين لإلقاء المحاضرات وتعريف مجتمع علم النفس الصيني بهم وبآرائهم. وأوفدت أعداد كبيرة من الطلبة الصينيين لإتمام دراساتهم النفسية في جامعات ومعاهد الاتحاد السوفيتي. إلا أن هذه العلاقة الرفاقية لم تدم طويلاً، وتوقفت تماماً في أواسط عام 1960.‏

ورغم الصعوبات التي اعترضت سبيل حركة علم النفس في الصين والانتقادات التي وجهها بعض القياديين السياسيين إلى علم النفس، فإن النجاحات التي حققها العلماء والباحثون هناك ساعدت على تجاوز تلك الصعوبات، وخففت من عواقب هذه الانتقادات في الواقع العياني، وشجعت الكثيرين على الالتحاق بميدان علم النفس والانضمام إلى الجمعية النفسية حتى بلغ عدد أعضائها عام 1956 نحو 1087 شخصاً. وكانت وسائل النشر والإعلام العلمي النفسي قد تعززت بصدور العدد الأول من "النشرة النفسية" عام 1964 . كما عقدت خلال تلك السنوات مجموعة من المؤتمرات والندوات المحلية. وتطورت البحوث في الميادين النفسية المذكورة سابقاً.‏

ففي علم النفس الفيزيولوجي تناول العلماء الصينيون بالدراسة الأشكال المعقدة للسلوك الحيواني مستخدمين طريقة التخطيط الكهربائي الدماغي. وسمحت هذه الطريقة بتتبع مراحل تطور الدماغ عند الإنسان ودراسة المنعكس التوجّهي وبعض اللزمات السيكوباثولوجية.‏

وفي علم النفس العام اهتم العلماء بظاهرة الإدراك وأخضعوا العديد من أنواعه للدراسة. كما واصلوا بحوثهم في مجال العمليات المعرفية كالتفكير والتذكر من المدخل المعلوماتي.‏

وفي علم النفس النمائي والتربوي تم التركيز على دراسة تشكل المفاهيم كالتباين والسببية والمكان، وتطور التذكر الكلامي والبصري عند الطفل. وتوجه الاختصاصيون في علم النفس التعليمي نحو دراسة اكتساب أطفال ما قبل المدرسة القدرة على العد والقراءة، وإمكانية تدريس الجبر واللغة الإنكليزية في المرحلة الابتدائية.‏

وحقق علماء النفس الصينيون تقدماً ملموساً في ميدان علم النفس الصناعي والتنظيمي من خلال دراستهم للظروف الفيزيقية والعلاقات الاجتماعية والتنظيم الإداري للعمل، والعلاقة بين الإنسان والآلة وطرق تحسين وضع الإنسان وأدائه.‏

وفي عام 1965 وجه ياوفين يوانيا، أحد زعماء الثورة الثقافية نقداً عنيفاً إلى علم النفس الصيني. وكان هذا بمثابة الأمر الذي يقضي بضرورة إعادة النظر في منهج هذا العلم ومبادئه الرئيسية. ولم يغير رد فعل الاختصاصيين ودفاعهم عن وجهة نظرهم من الأمر شيئاً. وتفاقم الوضع إلى حد إغلاق المؤسسات النفسية وإيقاف البحث النفسي وتدريس علم النفس وإصدار المجلات النفسية تماماً. ويذكر أنه خلال الفترة الواقعة بين عامي 1971 و 1975 لم ينشر أي مقال في علم النفس. ولم يبق ما يذكر بهذا العلم في الصين على امتداد السنوات الخمس سوى بعض الدراسات التي كانت تجري ضمن مجال الطب الصيني التقليدي.‏

وكان على علم النفس في الصين أن ينتظر هزيمة زعماء الثورة الثقافية عام 1976 لينفض عنه المعنيون بشؤونه والعاملون فيه غبار السنين العجاف ويستأنفوا نشاطهم. وفي عام 1977 تم وضع خطة تفصيلية للنهوض بعلم النفس. وخلال هذا العام أيضاً رجع الاختصاصيون إلى مراكز عملهم، وفي العام التالي عقد ملتقى في هانجا ولمناقشة سبل تطوير علم النفس الصيني.‏

ولعل أهم ما تقرر في هذا الملتقى هو تطبيق سياسة الأبواب المفتوحة في علم النفس. وعند التجسيد العملي لهذا الشعار وجد علماء النفس في الصين أن عليهم تمثل الإنجازات النظرية التي تحققت في علم النفس السوفيتي نظراً للمبادئ الواحدة التي ينطلق منها علم النفس في كلا البلدين. كما أن عليهم امتلاك تقنيات وطرائق البحث التجريبي والعملي التي تستخدم في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.‏

وتمثلت الخطوة الأولى التي خطاها هؤلاء العلماء في نقل مؤلفات أنانيف وروبنشتين وليونتيف ولوريا وفيغوتسكي وسميرنوف إلى اللغة الصينية. ومن المؤلفات التي ترجموها أيضاً أهم كتب بياجيه وأشهر الأعمال في علم النفس الإنساني والتحليل النفسي.‏

وانطلاقاً من أن الماركسية هي منهج عمل وليست حلولاً جاهزة لجميع المشكلات التي يعاني منها المجتمع، وأنها، في ضوء ذلك، تقدم لعلم النفس المبادئ الرئيسية، ولا يمكن لها أن تحل محله. فقد وسع العلماء الصينيون دوائر البحوث النفسية لتشمل ميادين جديدة لم يكن بالإمكان التطرق إليها في السابق، كعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس الإدارة وعلم النفس الاقتصادي وعلم النفس القانوني وعلم نفس الدعاية والإشهار وعلم النفس المعرفي.‏

إن ظهور علم النفس الاجتماعي في الصين بعد عام 1976 يرتبط بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي أعلنت الحكومة عنها. ومع أن عدد الدراسات في هذا الميدان لا يزال قليلاً، فإن ما أنجز منها حتى الآن يهدف إلى الإسهام في حل مشكلات القيادة والزعامة في الجماعات الإنتاجية، والجوانب الاجتماعية والنفسية لعلاقة المعلم والدارسين، وأشكال وطرائق تربية الفتيات والشباب، وتطور القدرات العقلية لدى الأطفال الذين ينتمون إلى أقاليم وقوميات مختلفة.... الخ.‏

وتشهد سنوات الثمانينيات على التقدم الذي تحقق في علم النفس الطبي. فقد سعى الاختصاصيون في هذا المجال إلى حل المسائل المرتبطة بالتشخيص والعلاج. وشددوا على الدور الإيجابي لعلاقة الطبيب والمريض في معالجة الأمراض النفسية. وقاموا بتكييف أكثر الاختبارات شيوعاً وانتشاراً في الدول الغربية كاختبار مينيسوتا متعدد الأوجه (MMPI) ، وبتطبيق وسائل معالجة الأمراض النفسية الأجنبية من مثل التغذية الراجعة البيولوجية (BIOFEED BACK) وتحديث السلوك علاوة على انصرافهم إلى استخدام التحليل النفسي.‏

وفي الوقت ذاته انكب علماء النفس في الصين على تأليف الكتب لتوفير المراجع للبحث والدراسة. ومن أهم تلك الكتب التي نشرت خلال هذه الأعوام كتاب "علم النفس التربوي" الذي صدر عام 1981 بإشراف بان شو و "تاريخ علم النفس الغربي المعاصر" الذي صدر عام 1982 بإشراف غاوجوفو و "علم النفس العام" الذي صدر عام 1985 لمؤلفه تشينغ تشي تشينغ و "دراسات في علم النفس الصيني القديم" الصادر عام 1982 لمؤلفيه بان شو وغاوجو فو و"علم نفس التوجيه" الصادر عام 1986 لمؤلفه سيوليان كانغ و "علم النفس الاجتماعي" الذي صدر عام 1986 للمؤلف سون ياي.‏

وعلى صعيد البحث العلمي النفسي في الصين فإن معظم البحوث يجري تحت إشراف أكاديمية العلوم وأكاديمية العلوم الاجتماعية. أما الجزء الآخر منها فيتم داخل كليات وأقسام ومعاهد علم النفس والتربية في بكين وشنغهاي وهانجاو. وهذا يعني أن المؤسسات الأخيرة أي الأقسام والكليات والمعاهد، تهتم في المقام الأول بإعداد الاختصاصيين والمدرسين.‏

وفي الصين يوجد في الوقت الحالي أكثر من ألفي اختصاصي في علم النفس. ويمارس هؤلاء نشاطهم العلمي بصورة منتظمة على المحاور أو الميادين التالية: 1)علم النفس العام والتجريبي، 2)علم النفس النمائي، 3)علم النفس الفيزيولوجي، 4)علم النفس النظري، 5)علم النفس الطبي، 6)علم النفس التربوي، 7)علم النفس الصناعي والتنظيمي، 8)علم النفس القانوني، 9)علم نفس الرياضة، 10)المدارس والاتجاهات الأجنبية.‏

علم النفس في كوبا:‏

عندما قامت الثورة في كوبا عام 1959 كانت هناك كليتان لعلم النفس تعدان الاختصاصيين للعمل في مجال التشخيص والإرشاد النفسي. ولم تكن الدولة هي الجهة المسؤولة عن تأمين مناصب عمل لهؤلاء، وإنما كانوا يتدبرون شؤونهم بأنفسهم ويعملون لحسابهم الخاص. وبعد انتصار الثورة وتأميم التعليم العالي أبقت السلطات على الكليتين: الأولى في العاصمة هافانا، والثانية في محافظة سانت كلار. وأصبح الخريجون يلتحقون إما بوزارة الصناعة للعمل في المصانع والمعامل والورشات عملاً بتوجيه من أرنستوتشي غيفارا، أو بعيادات الطب النفسي تطبيقاً للقرار الذي أصدره إدوارد بيرنابي أورداس، أو بالمدارس الثانوية العامة والمهنية كمدرسين لمادة علم النفس.‏

ومنذ ذلك التاريخ أصبح الاهتمام موجهاً بصورة رئيسية نحو علم نفس العمل والصحة النفسية وعلم النفس الطبي والعيادي وعلم النفس النمائي والتربوي. وصارت مادة علم النفس العيادي والصحة النفسية تدرس في معاهد وكليات الطب.‏

ولإعداد الاختصاصيين النفسيين إعداداً يتناسب مع التوجه السياسي والعقائدي للبلاد من جهة، ويفي بالحاجة المتزايدة بعد افتتاح العديد من كليات ومعاهد الطب، وإنشاء مراكز للخدمة الاجتماعية والنفسية ومعاهد إعداد المعلمين والمدرسين من جهة ثانية، شرعت الحكومة الكوبية بإرسال طلابها إلى الدول الاشتراكية منذ السنوات الأولى لقيام الثورة. واستمر الوضع على هذا النحو حتى بداية التسعينيات.‏

وتشير الوقائع إلى أن الاهتمام بعلم النفس بصورة عامة، والصحة النفسية بصورة خاصة لم يكن يقتصر على كوبا وحدها فقط، بل شمل بلدان أمريكا الوسطى. وهذا ما تدلل عليه الملتقيات التي عقدت في الثمانينات، وحلقة البحث الدولية الأولى في الصحة النفسية التي عقدت عام 1985، وحلقة البحث التي عقدت عام 1986، وكان موضوعها المشكلات النظرية والمنهجية لعلم النفس في بلدان أمريكا اللاتينية، وحضرتها البرازيل والأرجنتين والمكسيك وفنزويلا والأورغواي بالإضافة إلى كوبا.‏

وقد ناقش المشاركون في حلقة البحث الدولية الأولى حدود مساهمة الاختصاصي النفسي في حل مشكلة الحفاظ على صحة الإنسان. بينما ناقشوا في حلقة البحث الثانية إمكانية التوفيق بين الماركسية والتحليل النفسي. واستمعوا إلى مداخلات عدة حول ظاهرة التعذيب ودور الاختصاصي النفسي في إزالة آثاره الجسدية والنفسية أو التخفيف منها.‏

- الفصل الثاني والخمسون : علم النفس في بعض البلدان الغربية خلال العقد الأخير من القرن العشرين‏

أشرنا في أكثر من موضع في الفصلين الأخيرين إلى أن العلاقات بين علماء النفس في الدول الاشتراكية سابقاً ونظرائهم في الدول الغربية عرفت تحسناً تدريجياً مع بداية الربع الأخير من القرن العشرين تقريباً. وتجلى ذلك بشكل خاص في السنوات الأخيرة من الثمانينيات عبر الزيارات المتبادلة والندوات والمؤتمرات. وكانت هذه اللقاءات فرصاً سانحة لتبادل الخبرات، ولتغني كل جماعة معارفها بالجماعات الأخرى، وتطلع على نشاطاتها وأعمالها.‏

والحقيقة التي لا جدال فيها أن علماء هذا البلد أو ذاك كانوا على دراية بنشاطات زملائهم في البلدان الأخرى حتى قبل الفترة التي نتحدث عنها. فبالإضافة إلى المؤتمرات الدولية كانت حركة الترجمة قبل الثمانينيات وسيلة ناجعة للتواصل العلمي لم يكن ليستغني عنها بلد من بلدان أوربة وأمريكا الشمالية.‏

ومع الإشارة إلى تفاوت مستوى تلك الدراية واختلافها من بلد إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، فإن علماء النفس في بلدان المنظومة الشرقية، وعلى خلفية معرفتهم بعلم النفس في بلدان المنظومة الغربية، لم يخفوا إعجابهم بالكم الضخم من المعطيات المتوافرة هناك، وبالتقنيات والطرائق المستخدمة في الحصول عليه. كما أن الكثير من علماء النفس في بلدان المنظومة الغربية، وعلى خلفية ما يملكونه من معلومات عن علم النفس في بلدان المنظومة الشرقية، عبر عن تقديره للإنجازات التي تحققت على الصعيد النظري هناك.‏

وتجلت هذه المواقف عبر العديد من الأعمال "الغربية" التي تُرجمت إلى اللغات السلافية، وأدوات البحث التي جرى تكييفها وملاءمتها للبيئة الثقافية في البلدان الشرقية. ومن الجانب الآخر تجلت في ترجمة العديد من المؤلفات "الشرقية" إلى اللغات اللاتينية. فإلى جانب السلوكية والنظريات الاجتماعية وتيارات التحليل النفسي أصبح العلماء الغربيون يهتمون بالنظريات التي ظهرت في الاتحاد السوفيتي، وفي مقدمتها نظرية روبنشتين وليونتيف في النشاط ونظرية فيغوتسكي التاريخية- الثقافية.‏

وبلغ هذا الاهتمام والتقدير حداً جعل علماء نفس وفلاسفة ومربين ألمان غربيين أمثال غ. روكريم و أ. ميسمان و م. هيلدبران-نيلسون و ك. هوتسكامب يدعون إلى عقد أول مؤتمر دولي في نظرية النشاط في برلين الغربية عام‏

1986. وحضر هذا المؤتمر أكثر من 600 شخص يمثلون 22 بلداً.‏

وتدلل وقائع هذا المؤتمر ومداخلات أعضائه على مكانة نظرية النشاط في علم النفس الغربي، والموقف الإيجابي لعلماء الدول المشاركة من هذه النظرية. فقد انطلقت اللجنة التحضيرية للمؤتمر من النظر إلى النشاط بوصفه مقولة فلسفية واجتماعية ونفسية وتربوية. ولذا فإن نظريات عديدة، ولا سيما في ميدان التعليم، تقوم عليه. وهذه النظريات تدرس تطور سمات الشخصية من خلال أوجه النشاط المختلفة التي يمارسها الفرد. فهناك العمل، والنشاط الفني، والنشاط الرياضي، والنشاط المعرفي، ودور كل منها في تطور الشخصية. وهذا يعني أن نظرية النشاط تستمد أسانيدها من ميادين عدة، كعلم نفس الشواذ، وعلم النفس العيادي، وفن تعليم اللغات الأجنبية... الخ.‏

واستعرض م. كوول ود.فيرج (الولايات المتحدة الأمريكية) في مداخلتهما مراحل انتشار وتطور نظرية النشاط في بلدهما. ووقفا على صورتها الأولى التي نقلها فيغوتسكي ولوريا أثناء عرضهما للنظرية التاريخية- الثقافية في المؤتمر الدولي التاسع عام 1929. ووجدا أن السبيل الأسلم لتطوير هذه النظرية وتطبيقها الصحيح في الواقع هو الحوار المباشر بين العلماء السوفيت والأمريكان.‏

وتحدث ك. براون (كندا) عن المدرسة التاريخية- الثقافية ونظرية ليونتيف في النشاط وقال أن علماء النفس في بلده لا يعرفون الاتجاهات النفسية في البلدان الاشتراكية جيداً. وهم يعرفون بعض الدراسات التي أجريت في إطار نظرية فيغوتسكي ونظرية ليونتيف أكثر مما يعرفون عن هاتين النظريتين. وعبر عن رغبة زملائه في التعرف عليهما بصورة جيدة متمنياً زوال الحواجز العقائدية والسياسية التي رأى أنها ما زالت تحكم العلاقة بين علماء البلدين.‏

ورأت م. فيجيتي (إيطاليا) أن المؤتمرات الدولية ولقاءات العلماء الغربيين بكل من ليونتيف ولوريا أثناء الدورات الاطلاعية التي كانوا يقضونها في جامعة موسكو بشكل خاص لعبت دوراً كبيراً في انتشار أفكار فيغوتسكي داخل إيطاليا. وأعلنت عن وجود عمليات مراجعة وتدقيق في مؤسسات البحث النفسي الإيطالية بغية معرفة الجوانب الابستمولوجية في نظرية فيغوتسكي وتطبيقاتها في مناهج علم النفس وعلم النفس الاجتماعي والتربية عبر تأثير الثقافة في تشكل العمليات المعرفية، أي من خلال تنظيم العملية التربوية والتعليمية. وأكدت في مداخلتها أنه ما من نظرية نفسية استدعت ذلك القدر الكبير من الاهتمام والعدد الضخم من الدراسات مثلما فعلت أفكار فيغوتسكي وليونتيف ولوريا.‏

وأشار ج. بوسا (هولندا) إلى الأهمية المتزايدة التي تكتسيها نظرية النشاط في ميدان علم النفس التربوي والتربية في بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ. وقال إن غياب الفهم الدقيق والموحد لمفهوم النشاط في تلك الدول لم يقلل من شأن هذه النظرية، ولم يضعف من حماس الباحثين الذين يتخذون منها محوراً رئيسياً في دراساتهم النظرية والعملية.‏

ووجد ي. انغسترم (فنلندا) أن قيمة نظرية النشاط تكمن في أنها لا تمثل قضايا منظمة ومحددة ونهائية. فهي تجسد الحركة النظرية الحية. وتحدث عن تسرب الأفكار التي تتضمنها هذه النظرية إلى الدانمارك وفنلندا. وأعاد الفضل في ذلك إلى الحركات الطلابية في التعليم الثانوي والعالي التي شهدها البلدان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. وقال إن أول دراسة تمت في بداية السبعينيات لتحسين التعليم في فنلندا استخدمت أفكار فيغوتسكي وليونتيف وغالبيرن. وفي الثمانينيات ارتفعت أصوات الطلبة في حركة جديدة تطالب بضرورة الاهتمام بالدراسات السوفيتية، وخاصة ما أجري منها في علم النفس التربوي والتعليمي الذي تطور بشكل ملحوظ بفضل أعمال دافيدوف. وأشار انغسترم في نهاية مداخلته إلى الاعتراف العالمي الذي تلقاه النظرية التاريخية- الثقافية في الآونة الأخيرة. وطالب بالمزيد من التعاون بين العلماء من مختلف البلدان للوصول إلى تقارب في الرؤى والتصورات حول موضوعات اهتمامهم وكيفية تناولها والطرائق الواجب استخدامها في ذلك.‏

كما برزت هذه التطورات والتحولات في مواقف علماء النفس الغربيين إزاء نظرية فيغوتسكي التاريخية الثقافية خلال المؤتمر الأوربي السابع لتاريخ علم النفس والعلوم الاجتماعية الذي عقد في بودابست عام 1988. فقد ذهب ك. راتنر (الولايات المتحدة الأمريكية) إلى أن فيغوتسكي استطاع أن يتجاوز الخيار الذي كان قائماً من قبل في نظرية الوعي: إما الفطرية أو الخِبْرية. وتم له ذلك بفضل اهتمامه بالعلاقة الجدلية بين الوعي ومقدماته البيولوجية والتجربة الذاتية. واقترح المضي في نفس المسار الذي حدده فيغوتسكي والمتمثل في دراسة الأشكال الخاصة بالمحيط والتطبيق الاجتماعيين للناس، وتحليل الإصلاحات الاجتماعية التي لا بد منها لضمان نموهم النفسي السليم.‏

وتحدث د. بورس (تورنتو) عن مكانة بنيوية بياجيه والمدخل الثقافي الاجتماعي الذي وضعه فيغوتسكي في أمريكا الشمالية. وقال أن البنيوية وجدت أصداء إيجابية لها في أمريكا الشمالية، وتفوقت على نظرية فيغوتسكي بصورة ملحوظة. وأرجع ذلك إلى "العداء للسوفيت". ولكن الصورة اختلفت في الثمانينيات، حيث بدأ العلماء الكنديون وغيرهم يقبلون التصورات عن الطابع الخارجي والمباشر والطبيعة الاجتماعية للنفس البشرية.‏

وانطلق مواطنه إ. شيكيلي من واقع أن تحليل الجنسية يؤلف ظاهرة ثقافية اجتماعية، وإن إدراك "الأنا" الجسمي يتضمن تصور المرء عن انتمائه الجنسي المرتبط بتمثل الذات للنماذج التاريخية الثقافية للرجولة والأنوثة. وطالما أن نظرية فيغوتسكي تقوم أساساً على ربط الوظائف النفسية للإنسان بالمستوى الثقافي لمجتمعه، فإنها، في اعتقاده، تستجيب لمتطلبات تحليل الهوية الجنسية وأهدافه بشكل أفضل مما يفعله المدخل العيادي الطبي النفسي المتبع في أمريكا الشمالية.‏

وأجرى هـ. رابارد (هولندا) مقارنة بين مدخل فيغوتسكي التاريخي- الثقافي ومدخل ج. غيبسون الأيكولوجي. ووجد أن ما يجمعهما هو الأساس النظري الذي يجسده مبدأ الفاعلية، وموقفها المشترك ضد الثنائية. واعتبر الهيغلية القاعدة المنهجية الفلسفية المشتركة بينهما، حيث تتجلى عند غيبسون عبر براغماتية ديوي، وعند فيغوتسكي عبر المادية الجدلية.‏

وأشاد خ. مورا (إسبانيا) بدور علم النفس السوفيتي، وخاصة النظرية التاريخية –الثقافية، في تكوين التصورات حول الفاعلية "النشاط" كمادة لعلم النفس. وتوقف مطولاً عند التصورات المعاصرة حول السمات الابستمولوجية للفاعلية وعند تحليل النشاط.‏

وتناول س. بيتشين (فرنسا) بالتحليل نظريات بعض العلماء الذين عملوا في فترة ما بين سنوات العشرينيات والخمسينيات. ووقف على التماثل بين مفاهيم الصورة الرمزية (إ. كاسيرر) والفعل العملي (ل. بييرسون) والأداة النفسية (فيغوتسكي) والفعل الأداتي- الوسيلي (فالون).‏

واعتبر هذه النظريات محاولات جادة لتجاوز معارضة الذات والموضوع. ففي أساسها جميعاً تكمن فكرة التفاعل بين الذات والموضوع، حيث يبدو الفرد عبر هذا التفاعل طرفاً قادراً على تحويل العالم الموضوعي إلى واقع فكري عن طريق بناء منظومة من الوسائل غير المباشرة التي أوجدها الإنسان عبر تاريخه الطويل.‏

وانحى ل. ميكاتشي (إيطاليا) باللائمة على العلماء لغياب الأساليب، بله المحاولات التي ترمي إلى استخدام الكم الهائل من المعارف المتعلقة بالآليات العصبية للوقائع السلوكية البسيطة في تحليل السلوك، أو على الأقل بعض جوانبه المعقدة. وذهب إلى أن مدخل فيغوتسكي التاريخي- الثقافي يوفر إمكانية تجاوز هذا التقصير. ومما يعزز هذا الاعتقاد هو ما حققه لوريا في ميدان النيروسيكولوجيا. ومما تقدم يمكننا إدراك التغيرات التي طرأت في علم النفس في البلدان الغربية والبلدان الشرقية في العقدين الأخيرين من القرن الحالي. ويتبدى ذلك أيضاً من خلال عرض نشاط علماء النفس في بلدين غربيين في شتى الميادين. وهذان البلدان هما أستراليا وإسبانيا.‏

علم النفس في أستراليا:‏

يتمتع كثير من علماء النفس في استراليا بمستوى عال وسمعة عالمية طيبة. فقد برع السيد رونالد فيشر في الإحصاء، والتون مايو في التوجيه المهني. وعرف هذان العالمان في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قبل أن يعرفا داخل أستراليا. واشتهر نورمان مان من خلال كتابه "مدخل إلى علم النفس" الذي صدر عام 1947 في أمريكا، وأعادت دور النشر فيها طباعته أكثر من مرة.‏

يبلغ عدد الاختصاصيين الأستراليين في علم النفس اليوم 4400 شخصاً تقريباً. وينضم معظمهم إلى الجمعية الأسترالية لعلم النفس التي أقيمت عام 1966 بعد أن كانت فرعاً من الجمعية البريطانية لعلم النفس التي تأسست عام 1945. ويعمل هؤلاء الاختصاصيون في قطاعي التربية والتعليم والصحة والمواصلات، وبقدر أقل في الطاقة والاتصالات.‏

ولقد ساعد الاهتمام الذي أولته حكومات الولايات والحكومة الفيدرالية الاسترالية بعد الحرب العالمية الثانية إلى التعليم والقوات المسلحة على تطور علم النفس بوتائر سريعة. فكان على العاملين فيه آنذاك أن يقوموا بالدراسات التي تكشف لهم عن مستوى القدرات العقلية عند تلاميذ المدارس وأفراد القوات المسلحة، الأمر الذي جعلهم يركزون جهودهم في ذات الوقت نحو توفير الاختبارات والروائز التي تقيس تلك القدرات في مراحل عمرية مختلفة.‏

ولئن كانت القدرات العقلية تدخل ضمن اختصاص علم النفس النمائي والتربوي وعلم النفس العسكري، فقد اعتبرت الاضطرابات الانفعالية من اختصاص علم النفس المرضي. ويقدر عدد الاختصاصيين في علم النفس النمائي والتربوي بنحو 1400 شخصاً، أي أقل بقليل من ثلث مجموع العاملين في علم النفس. ويقوم هؤلاء بتصميم وتكييف الروائز والاختبارات النفسية واستعمالها في التشخيص النفسي لغرض توجيه التلاميذ نحو الأعمال والمهن التي تناسب إمكانياتهم واستعداداتهم وقدراتهم. ويجرون المقابلات مع التلاميذ والطلاب والمربين والمعلمين، ويستقبلونهم في مكاتبهم أو في مراكز خاصة بغية التعرف على مشكلاتهم النفسية والتربوية والاجتماعية. كما يزورون المؤسسات التربوية والتعليمية للإطلاع على الصعوبات التربوية التي تعترض سير القائمين على شؤون التربية والتعليم.‏

ولعل أهم الموضوعات التي ناقشها الاختصاصيون في علم النفس التربوي خلال العقد الأخير هي الخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية والعاطفية التي يجب توافرها لدى الطفل عند دخوله المدرسة الابتدائية. وهذا يعني أن تحديد سن الدخول إلى التعليم المدرسي ينبغي إخضاعه لاعتبارات علمية لكي يلبي متطلبات النظام المدرسي من النواحي الجسمية والفيزيولوجية والنفسية.‏

وفي الأعوام الأخيرة يتزايد دور علماء النفس الأستراليين في القطاع الصحي. ويتجسد هذا الدور في مجالين اثنين: علاج الأمراض في المؤسسات الصحية والاجتماعية، وإعداد طلبة معاهد وكليات الطب إعداداً سيكولوجياً. ويجيء ذلك تطبيقاً لتعليمات السلطات الأسترالية وتوجيهاتها.‏

وفي هذا المجال يقوم الاختصاصيون في علم النفس العيادي بتطبيق الاختبارات لتشخيص الأمراض والاضطرابات النفسية ومعالجتها. كما يقدمون الاستشارات في مراكز وعيادات خاصة. ويدرس الاختصاصيون في علم النفس الاجتماعي العلاقات بين الأشخاص والجماعات والشروط البيئية، ولا سيما الاجتماعية، المحيطة بهم وتأثيراتها عليهم.‏

ولا يتوقف عمل الاختصاصيين النفسيين في هذا المجال عند حدود التشخيص والعلاج، بل يتعداها إلى إجراء البحوث والدراسات بغية تقويم المعونة التي يقدمها الاختصاصيون في علم النفس العيادي وعلم النفس الاجتماعي ومعرفة نتائج تدخلهم في الحالات الفردية والجماعية للعمل على رفع مستواها وترقيتها. أما دور علماء النفس في إعداد الاختصاصيين في الصحة العامة فيتمثل في إلقاء المحاضرات على طلبة الطب في علم النفس التطبيقي إضافة إلى المحاضرات التي يلقيها الاختصاصيون في علم الاجتماع والأنتروبولوجيا. ووفقاً للخطط التعليمية فإنّه يتم التركيز في هذه المحاضرات على فهم أطباء المستقبل للمشكلات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها كبار السن من الرجال والنساء، وممثلو الأقليات، ومسائل الوقاية من الأمراض، إلى جانب إكسابهم مهارات الاتصال الناجح بالآخرين.‏

وتجدر الإشارة إلى التطور الملحوظ الذي حققته الأرغنوميا في استراليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من هذا القرن. وقد ارتبط هذا التطور بالإنجازات التي أحرزها العلماء في هذا الميدان الهام، ولا سيما بعد انتشار الأجهزة الإلكترونية ومعالجة الأمراض العضوية (إصابة الأصابع والرسغ والرقبة) والاضطرابات السيكوفيزيولوجية (أعضاء الحس والإدراك) التي يتعرض لها العاملون على تلك الأجهزة.‏

علم النفس في إسبانيا:‏

وإذا كان نشوء علم النفس الاسترالي وتطوره مرتبطين بعلم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، أو أنه كان يقتفي أثرهما في كثير من المراحل والأطوار التي مر بها، فإن علم النفس في إسبانيا يملك تاريخه المستقل نسبياً، بل والأقدم. وترجع بدايات علم النفس في هذا البلد إلى القرن السادس عشر، حيث نشر الطبيب والفيلسوف خوان وارتي دي سان خوان‏

(1530-1589) مؤلفه "دراسة الطباع لأغراض علمية" عام 1575. وحدد مهمة هذا المؤلف في التعرف على منازل (أنماط) الحكمة، والكشف عن مستويات الوظائف العقلية من أجل تحسين التعليم وما نسميه اليوم بالتوجيه المهني.‏

وفي القرن التاسع عشر برز العالم ماريا نوكوبي (1801-1875) الذي حذا حذو جول وسبورز هايم في ربطهما للملكات النفسية بحجم الجمجمة ومساحة كل ملكة على سطحها.‏

وللبرهان على صحة هذه النظرية (الفرينولوجية) أخضع العشرات من الأشخاص الذين يعانون من نقص في تطورهم العقلي للمعاينة والفحص. وفي نفس الفترة ظهر بدروماتا فونتانيت (1811-1877) الذي رفض الاستبطان كطريقة لدراسة الظواهر النفسية. وشدد على ضرورة تناولها من زاوية فيزيولوجية.‏

ومع مطلع القرن العشرين مثل علم النفس الإسباني كل من هينر وسيمارو وتورو ولافورا وسالاس ومير، ولقد اهتم هؤلاء بصورة رئيسة بالتربية والتعليم والطب النفسي. وكان هدفهم من وراء ذلك رفع المستوى العقلي للتلاميذ وتحسين التعليم في المدرسة من ناحية، والتعرف على أسباب التخلف العقلي واضطرابات النمو النفسي والأمراض النفسية من ناحية ثانية. ولتحقيق هذا الهدف قاموا بنقل الاختبارات التي ظهرت في أوربة الغربية. فترجموا اختبار بينيه عام 1930 واختبارات كلاباريد المدرسية واختبار الرورشاخ وغيرها.‏

وعقب الحرب العالمية الثانية أخذ الجيل التالي من العلماء أمثال هيرماين و م. بيلا و ج. بينيلوس وسينوان على عاتقه إحياء علم النفس الإسباني في مراكز عدة كالمجلس الأعلى للبحوث العلمية وجمعية علماء النفس الإسبانية وجامعات مدريد وبرشلونة وفالنسيا. واتسعت دائرة موضوعات دراستهم. فصاروا يهتمون بالشخصية وعلم النفس التربوي وعلم النفس الفيزيولوجي وعلم النفس الصناعي. ودعموا نشاطهم التجريبي بتكييف الروائز الأجنبية وتصميم روائز واختبارات محلية كروائز الذكاء التي وضعها بيلا وغارسيا واختبارات الشخصية لبينيلوس التي تحاكي نموذج ج. آيزينك.‏

وفي بداية الستينيات راح علماء النفس في إسبانيا يبحثون عن مضمون جديد للقياس النفسي على أسس التعليم ومعطيات علم النفس التجريبي. وتم تجاوز محاولات قصر مهمة علم النفس على وصف الخصائص النفسية والنزعة السكنريّة التي أرجعت النفس إلى خصائص البيئة الفيزيقية والاجتماعية التي تحيط بالفرد. فقد أكد ستاتس وبندورا أن السلوك هو نتاج التفاعل بين العضوية والوسط المحيط. وأن هذه الأطراف (العضوية والبيئة والسلوك أيضاً) يحدد بعضها بعضاً. وبكلمات أخرى إن سلوك الفرد يرتبط في كل لحظة بالموقف الذي يوجد فيه وبالخبرة التي اكتسبها سابقاً والتي ترتبط، بدورها، بالبيئة الطبيعية والاجتماعية. ويرى فرنانديس- باليستيروس أن ستاتس وبندورا يلتقيان حول هذه النقطة مع روبنشتين في قوله: إن ما هو خارجي يؤثر في الإنسان عبر ما هو داخلي، أي عبر خصائص الشخصية. ويعدُّ التقاء الطرفين، على نحو ما ذكر، مؤشراً على تقارب مقدمات علم النفس الغربي وأفكار العلماء السوفيت حول نشأة السلوك والنشاط النفسي.‏

ومن هذا التقارب يبدأ الكثير من علماء النفس الاسبان اليوم في دراستهم للنفس الإنسانية. وهذا ما يلاحظ من خلال أعمال ف. بيليجانو (جامعة لالاغونا) في ميدان علم النفس العيادي، ومن خلال النشاط العلمي في مجال علم النفس التربوي الذي يقوم به ف. سيلفا (جامعة الكالا دي اناريس) و م. انغيرا (جامعة برشلونة) و خ. بيرو (جامعة فالنسيا) و م. آفيا (جامعة مدريد).‏

وقد يتجلى ذلك أكثر في مسعى هؤلاء العلماء للانتقال من قواعد القياس النفسي التي تركز على تحليل السمات الثابتة عن طريق الروائز والاختبارات إلى القواعد المرتبطة بتحليل التفاعل بين الإنسان كعضوية تحمل سمات جسمية ونفسية، والبيئة التي يعيش فيها بوصفها واقعاً تاريخياً اجتماعياً، والنشاط الذي يمارسه.‏

وربما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك وانحاز أكثر إلى أفكار العلماء السوفيت باعتماده على مفهوم "منطقة التطور القريب" لفيغوتسكي لدى تقويم التحصيل الدراسي للتلاميذ.‏

وزيادة على علم النفس النمائي والتربوي شمل نشاط علماء النفس الإسبان علم نفس العيادي وعلم النفس الفيزيولوجي وعلم نفس الشواذ والنيروسيكولوجيا وعلم النفس الصناعي. فقد أولى ج. كاروبليس وج. سانتاكريو اهتماماً خاصاً بقياس الاستجابات التي تصدر عن الفرد. وتولى ج. اسبينوزا وم. ماركيس وف. روبيو دراسة الصلة بين السلوك التكيفي عند الأطفال ومعوقات نموهم النفسي وشروط بيئتهم الطبيعية والاجتماعية. وتناول فيسكار وزملاؤه الاضطرابات النفسية الحادة كانفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) وأسباب نشوئها وأساليب علاجها. ودأب ل. مانينغ على وضع أساليب تقويم الظواهر النيروسيكولوجية.‏

هذا ويعترف هؤلاء بالتأثير الإيجابي لأعمال بافلوف وأتباعه وأعمال لوريا* وسوكولوف وخومسكايا في تطور بحوثهم، وخاصة في ميداني علم النفس الفيزيولوجي والنيروسيكولوجيا.‏

*ترجمت أعمال أ. ر. لوريا إلى الإنكليزية عام 1974، وإلى الإسبانية عام 1978.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244