|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني الدلالة الإيحائية في الصيغة
الذاتية إن
الذات في مفهومها العام، موجود مقيس، يشغل حيزاً من الفراغ على حدِّ قول رجال
التوحيد([1]). ووجودها يقتضي تخصيصاً لها في
ذاتها عن غيرها. وهذا التمييز يختص بشكلها ومحتواها؛ ويكون ذلك من خارجها لأن
الذات لا تصف نفسها إلا بعد التخصيص والتمييز. وأول ما تختص به الذات في وجودها
وتتميز به في حياتها عن غيرها تسميتها. والتسمية قد تكون مكرورة، ومع ذلك تعد أساس
التمييز والتخصيص. وهي أول ما تتخذه الذات لها من مجتمعها. فتسمية المولود واجبة
على والده في تراثنا الاجتماعي، وفي فقهنا الإسلامي، موضوع يسمى العقيقة. والعقيقة
هي من واجب المولود على والده فإذا بلغ المولود سابع يوم من ولادته، ذبح له والده
شاة واختار له اسماً. "ويسميه بأحسن اسم كعبد الله أو أحمد أو محمد ونحو
ذلك."([2])
فمن
واجب المولود على والده إذن أن يختار له أمه واسمه، ومن هنا كان أول ما يملكه
المولود هو اسمه. ولاختيار الاسم شروط مغفلة وخلفيات ملحوظة. ومن هذه الخلفيات، أن
لكل نطق دلالة. والاسم "لفظ أو صوت مركب من أصوات له معنى"([3])
ومعناه هذا أو دلالته هذه تكون "إما على سبيل المطابقة... وإما على سبيل
التضمين.. وإما على سبيل الاستتباع والالتزام.. مثل دلالة السقف على الحائط،
والإنسان على قابل صنعة الكتابة."([4]) يستبين
من فحوى ما سبق من النصوص، أن الاسم لفظ منطوق دال على موجود، وأن المسمى لا دخل
له في اختيار اسمه؛ بل ذلك من واجبات الوالد. واختيار الوالد لاسم مولوده يرتبط
بالعرف والتقاليد. ومن هذه الزاوية تكون دلالة الاسم عرفية ذات خلفية اجتماعية،
لحال توقعية أو تذكرية. فإذا
سألنا الوالد عن سبب اختيار هذا الاسم الذي قد يكون ترجح بعد نقاش عائلي طويل، فلا
تخْرُج إجابته عن كون هذا الاسم متعارف عليه اجتماعياً، وأن له صورة في ذهنه، التي
قد يتفاءل بها ويتوقع منها خيراً مستقبلاً أو تعود إلى الماضي لعلاقتها بعزيز
افتقده يريد إحياءه من خلال هذا الاسم الحي. وفي مجال التصور والتوقع الأول سمى
ابن الرومي ولده يحيى، ولكنه مات فقال فيه:([5])
وفي
مجال التصور الثاني ما يرويه الرواة عن الأحبة والعشاق في مختلف الحالات
والمستويات، حينما يسمعون أسماء محبيهم فيهتزون حتى الهيام، كالشعراء العذريين،
وكالصوفيين الذين ترتعد فرائسهم بمجرد ذكر حرف (الهاء) الذي هو في الله. واتخذ بعض الشعراء من أسماء النباتات مجالاً لوصف المشاعر،
والتعبير عن المسرات والأحزان في تفاؤل أو تشاؤم. وتسرد الروايات عن العرب في أوج
حضارتهم أن للأزهار بين الظرفاء والمحبين والمتيمين لغة متعارفة تدل على الهجر
والوصل، والدعوة والتحذير، والتفاؤل والتشاؤم... فأحياناً يتخذون هذه المعاني مما
يرمز إليه اسم الزهرة أو الثمرة. فكرهوا التهادي بالسفرجل لأن أوله سفر، وبشقائق
النعمان لأن أوله شقاء كما كرهوا التهادي بالسوس لأن أول اسمه سوء، والياسمين لأن
أول اسمه يأس، والخلاف لدلالته على الخلاف، والبان لدلالته على البين، وحاملة
الورد إن أشارت لغيرها بالنمام فإن مُرافِقها نمّام. ويرمزون
أحياناً بالزهر أو الثمر لا من حيث دلالة لفظه، ولكن من حيث ما يدل عليه معناه؛ أو
ترمز إليه صفاته. فكرهوا التهادي بالأتْرُج، لأن ظاهره غير باطنه، فهو حسن الظاهر،
حامض الباطن، طيب الرائحة مختلف الطعم. وتهادى بعضهم بالورد وتطيّر منه آخرون لأنه
قليل اللبث سريع الفناء. وفي المقابل، تفاءلوا بغير هذه الأزهار وتهادوا بها؛
كالعود لأن في اسمه معنى العودة، والنبق لإيمائه إلى البقاء.([6]) ومن
هذا كله صار الاسم هو الذات بعْد أن كان منها. هذا جميعه حديث عن ا لاسم في
المفهوم والبواعث وعلاقته بالمسمى به، في المجال الاجتماعي دون اللغوي الذي هو
موضوع بحثنا وموضع انطلاقنا. تذهب
معظم الدراسات والبحوث القديمة إلى أن أقسام الكلام ثلاثة: "اسم وفعل وحرف جاء
لمعنى ليس باسم ولا فعل. فالاسم: رجل وفرس وحائط."([7])
وعلى هذا التقسيم سار معظم الدارسين القدماء وبعض المحدثين. لكن البعض الآخر من
المحدثين توسعوا في التقسيم فمنهم من جعله رباعياً ويضم الاسم والضمير والفعل
والأداة.([8])
ومنهم من جعل التقسيم سداسياً، بالزيادة والنقص والتغيير لما سبق، وكانت هذه
الأقسام عنده هي: الاسم، والصفة، والفعل، والضمير، والخالفة، والأداة.([9])
وهذه التقسيمات، قد نقف عندها في مختلف المواضع من هذا البحث. وأما الآن فلنعد
للمفهوم ومصطلحه في اللغة. إن
الاسم هو "لفظ أو صوت مركب من أصوات له معنى، خُلْوٌ من الزمان"([10])
وبالتالي فهو علامة([11]) على المسمى يدل على معنى([12])
كما يقول المبرد، "ولا يلزم منه الزمان الخارج عن معناه لبنيته."([13])
وقد قُسِّمَ معناه المفرد قسمين: يكون شخصاً وغيرَ شخص.([14])
فأما الشخص فنحو رجل وفرس، حيث نجد بأن هذه الأسماء "تنوب في تصور المعاني في
نفوس السامعين مناب المسميات أنفسها لو شاهدوها، فإذا قال القائل: رأيت جملاً؛
تصور من هذا الاسم في نفس السامع ما كان يتصوره من المسمى الواقع تحته لو شاهده.
فلما ناب الاسم من هذا الوجه مناب المسمى في التصور كان المتصور من كل واحد منهما
شيئاً واحداً."([15]) وأما غير الشخص فنحو الأكل
والضرب واليوم والليلة، وإن كان اليوم والليلة يدلان على الزمان إلا أنهما أسماء
وليسا أفعالاً، لأن الفعل يدل على زمان ومعنى، بينما اليوم والليلة فيدلان على
الزمان فقط. وإذا
كان الاسم و ما دلَّ على معنى خالٍ من الزمان فهو ذلك الركن الإسنادي الأساسي في
جملته بحيث يكون هو مدار الحديث. ومن هنا نجد أفلاطون يعرفه بقوله هو "اللفظ
الذي يستطيع أن يكون موضوع المحمولية التي تقدمها الجملة."([16])
أما
الاسم عند آرسطو فهو لفظة دالة على معنى بتواطؤ، مجردة عن الزمان تعبر عن مقولة
الجوهر، وليس واحد من أجزائها يدل على انفراده،([17]) من ذلك أن الأسماء المزدوجة
يجب أن تدل بأجزائها مجتمعة على معنى معين، فكلمة "دورس" من
"تاودورس" لا تدل على شيء لتجزئتها.([18]) يتضح
مما سبق أن هذه لازمة من لوازم الاسم وحقيقة من حقائقه بحيث لا يدل جزء منه على
شيء أصلاً مثل لفظ إنسان إذا جزئ إلى "إن" + "سان" فإن
"إن" هنا وإن كانت دالة على الشرطية فهي ليست جزءاً من لفظ إنسان
"وحيث كانت جزءاً من لفظ الإنسان، لم تكن شرطية، لأن دلالات الألفاظ ليست
لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته."([19])
فإن كان يقصد إن الشرطية فهو بطبيعة الحال لا يقصد جعلها غير شرطية، فشتان بين
الاثنين. ومنه ما هو موجود في بعض الأسماء المركبة مثل عبد الله "إن جُعِلَ
عَلَماً على شخص، كان مفرداً، وإن قُصِدَ به النسبة إلى الله تعالى بالعبودية، كان
مركباً لدلالة أجزائه على أجزاء معناه."([20]) ومن هنا يبقى المتكلم هو
المحدد الأول والأخير لدلالة الاسم وفق قصديته وإرادته. وإذا
كانت البنية اللغوية تعكس بنية العالم كما يرى آرسطو فهذا يعني "أن الكلمات
تدل على الأشياء بحسب طريقة وجودها، جواهر هي أو أعراض.... وخير ما يعبر عن مقولة الجوهر
الاسم."([21]) وهناك
من ميَّزَ بين أجزاء الكلام بناء على "ما يحدثه كل جزء من تبديل في الآخر وأن
الاسم حسب هذا الاعتبار هو مقولة من الدرجة الأولى لأنه هو الذي يبدل في الفعل وفي
الصفة، المعتبرة فعلاً."([22]) وأما
إدوارد سابير EDWARD SAPIR فإنه يعطي أهمية كبيرة للاسم ويُظهر قيمته مثلما فَعَلَ أفلاطون
من ذي قبلْ حيث يرى أن موضوع الكلام هو الاسم، وكل لغة تميز بين الاسم والفعل وأن
لكل خطاب موضوعاً هو الاسم، ومثلما أن موضوعات الحديث الأكثر شيوعاً هي أشخاص أو
أشياء فإن الاسم يَدُورُ حَوْلَ مفاهيم المحمولية.([23])
إن
أول من أثار الجدل حول المفاهيم وأخصها بكتاب هو كمال الدين أبو البركات عبد
الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف بين
البصريين والكوفيين. وفي هذا الكتاب عقد أول مسألة للخلاف في أصل اشتقاق الاسم،
حيث انقسم العلماء في هذا المجال قسمين: 1-
يرى البصريون أن الاسم مشتق من السمو وهو العلو ومنه سما يسمو سمواً أي علا وسميت
السماءُ سماءً لعلوها و "لما سما الاسم على مسماه وعلا على ما تحته من معناه
دل على أنه مشتق من السمو."([24]) هذا من ناحية المعنى، أما من
الناحية النحوية "فقد سما الاسم على الفعل والحرف أي علا فدلَّ على أنه من
السمو"([25])
به فقط والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه. 2-
ويرى الكوفيون أن الاسم مشتق من الوسم وهو العلامة وذلك لأن "الاسم وسم على
المسمى وعلامة له يعرف به."([26]) فحسب
ابن الأنباري إن الاسم من السمو أو من الوسم كلاهما صحيح من حيث المعنى. أما من
حيث اللفظ فهو فاسد وذلك لأن "الصناعة لفظية فلا بد فيها من مراعاة
اللفظ"([27])
وذلك لما يأتي:([28])
1-
أن الاسم محذوفة منه الفاء ومعوضة بالألف والتعويض. إنما يكون عن حذف اللام لا عن
حذف الفاء وهذا دليل على أن الاسم من السمو لا من الوسم. 2-
إنه يصغر على سُمَيّ –وأصلها سُمَيْوٌ- لا على وسيم وذلك لأن التصغير يرد الأشياء
إلى أصولها. 3-
يُكَسَّرُ على أسماء لا على أوسام أو أواسيم. 4-
تستعمل أسميت لا أوسمت. 5-
لقد استعملت العرب سمى والأصل فيه سمو ثم قلبت الواو ألفاً لتحريكها وانفتاح ما
قبلها ومنه قول الشاعر:([29])
إننا
هنا أمام نصوص متقاربة العبارة متباعدة المقاصد بتقسيماتها وتعدادها وعباراتها حيث
تستوقفنا مفرداتها (السمو والوسم). إذا قبلنا بالمفهوم اللغوي، بأن الوسم علامة،
فلا نسلم بأن العلامة والسمة شيء واحد. وخير دليل على ذلك أن السمة وردت في القرآن
الكريم ست مرات منها قوله تعالى: "سيماهم في وجوههم،"([30])
وغلب على معناها أنها علامة البياض في وجوه المؤمنين، والسواد على وجوه المشركين.([31])
وهي هنا علامة على المسحة التي تعلو الوجه عند الشعور بشيء يغير من الحال. وجاء في
لسان العرب في مادة س و م؛ والسومة والسيمة والسيماء والسيمياء: العلامة وسوم
الفرس: جعل عليه السيمة ومنه قوله تعالى "لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند
ربك للمسرفين."([32]) قال الزجاج: روي عن الحسن
أنها معلمة ببياض وحمرة، وقال غيره: مسومة بعلامة يعلم بها أنها ليست من حجارة
الدنيا، ويعلم بسيماها أنها مما عذب الله بها. وقال ابن الأعرابي: السيم العلامات
على صوف الغنم وأنشد أسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عملية حين قاسمه ماله:
وإذا
كانت العلامة عامة فعلامة "الشيء ما يعرف به المعلم له ومن شاركه في معرفته
دون كل واحد كالحجر تجعلها علامة لدفين تدفنه فيكون دولة لك دون غيرك، ولا يمكن
غيرك أن يستدل به عليه إلا إذا وافقته على ذلك كالتصفيق تجعله علامة لمجيء زيد فلا
يكون ذلك دلالة إلا لمن يوافقك عليه ثم يجوز أن تزيل علامة الشيء بينك وبين صاحبك،
فتخرج من أن تكون علامة له."([34]) يستبين
من هذا النص مفهوم العلامة ومجالها، أما السمة التي قيل فيها هي علامة فقد وردت في
القرآن الكريم بلفظ (سيماهم) ست مرات فيما أحصيت كما قلت سابقاً، وكان معناها أنها
علامة على غيرها، فهي بياض الوجوه أو اسودادها، أو علامات النفاق، أو التواضع.([35])
هذا كله في معنى السمة، ويبقى معنى الوسم الذي نتوقعه غير هذا. إذا
عدنا إلى المعاجم اللغوية للاستئناس بها، وجدنا معنى الوسم فيها يلف حول أثر مادي
أليم. فالوسم أثر الكي وفي حديث كان رسول الله يَسِمُ إبلَ الصَّدَقَة أي يُعَلِّمُ عليها بالكَيِّ.([36])
وجاء
في تفسير الكشاف "وسم أبو العباس أباعر في وجوهها فقال له رسول الله : أكرموا الوجوه فوسمها في جواعرها"([37])
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: "سنسمه على الخرطوم،"([38])
وجاء في تفسيرها "سنبينه بياناً واضحاً حتى يعرفه الناس."([39])
وفي جميع معاني الصيغة وضع علامة بآلة حادّة كالمكواة. فهل
هذا المفهوم يتساوق مع مفهوم اختيار الاسم على ما فيه من تفكير وتأمل وتصور ورحمة.
والظاهر لذي عقل، أن مفهوم الوسم لا يتطابق مع الاسم. أما قول البصريين أن الاسم
يعلو على المسمى ففيه نظر ولنا عليه تحفظ أكثر مما كان على الاسم من الوسم. فقولهم
يعلو على المسمى، هذه نظرة مادية سطحية؛ وذلك من جهتين: أولهما جعلهم الاسم
كالعمامة أو القلنسوة على الرأس، تعلوه. وثانيهما توظيف حرف الجر توظيفاً أراه في
غير موضعه. إذا
كان الاسم يعلو على المسمى، كان ذلك إما من مدرك بصري، أو مدرك قلبي، إن جاز لنا
هذا التقدير التنويعي، على قياس رأى القلبية والبَصَرية. وفي كلتا الحالتين الاسم
لا يعلو على المسمى في رأينا وإنما يعلو به ولو قالوا: والاسم يعلو بالمسمى لكان
ألطف وأبْهَى، حتى ليصبح إذا عُرِفَ الاسم استوحيت الدلالة من مجرد ذكره. فإذا
قلنا محمداً مثلاً ونحن نقصد شخصاً معيناً، حضرت معه جميع صفاته التي ترتبط به في
ذهن المتكلم والسامع. وإذا اشتهر صاحب هذا الاسم شاعت صفاته في دائرة أوسع
"حتى تنتظم جميع أفراد البيئة اللغوية، وهنا يمكن أن نتصور أن هذا العَلَم
ينتقل إلى وصف من أوصاف اللغة، متى أطلق دعا معه في ذهن الناس تلك المجموعة من
الصفات."([40])
وهذه الدلالة الإيحائية للأسماء إنما تستمد من طبيعتها الاجتماعية أو العرفية أو
غير ذلك. وهذا ما يصح أن يقال فيه: "عن الاسم هو المسمى"([41])
على حد تعبير البطليوسي. ولكنه لا يمكن أن يكون الاسم على معنى "إن العبارة
هي المعبر عنه وأن
اللفظ هو الشخص، فإن ذلك مجالاً لا يتصور. وإذا أثبت هذا، سقط اعتراض من قال: إنه يلزم
من ذلك أن يحترق فم من قال نار، ويشبع من قال طعام"([42]).
وإنما يقال: إن الاسم هو المسمى بما يوحي من دلالات ومعان منها ما يكون مجازاً وهي
أن "العلة التي أوجبت وضع الأسماء على المسميات إنما هي مغيبها عن مشاهدة
الحواس لها. ولو كانت الأشياء كلها بحيث تدركها الحواس لم تحتج إلى الأسماء، ولكن
لما لم يمكن مشاهدة الأشياء كلها، احتاج من شاهد منها شيئاً أن يخبر عنه من لم
يشاهده، فأوجب ذلك وضع الأسماء باتفاق"([43]). كما
أن الاسم والمسمى في هذا المعنى يمكن عدهما مترادفين لأن "العرب قد تذهب
بالاسم إلى المعنى الواقع تحت التسمية فيقولون: هذا مسمى زيد أي هذا المسمى بهذه
اللفظة التي هي الزاي والياء والدال، ويقولون في هذا المعنى، هذا اسم زيد"([44]).
وبالتالي يكون الاسم والمسمى واحداً لأنهما يبدوان مترادفين وذلك لأنهما يوحيان
بدلالة واحدة ومن ذلك قول ذي الرمة:([45])
لقد
وضع الشاعر الاسم مكان المسمى حيث كان يناديه بمسمى الماء وهو حكاية صوت الظبي. إن الكلمة المنطوقة أياً ما كانت، فهي أصوات معبرات عن دلالة
كامنة في المباني اللغوية على مختلف مستوياتها؛ من ذاتية وحدثية ووصفية، وما دار
في فلكها مما لم نذكره من المباني، والاسم أولها وأعلاها لأنه هو المسند إليه في
اللغة. فالحدث
منه، والصفة إليه، وكل ما بقي يرتبط به ويتحرك في مجاله بأمره. هذه
الخلاصة ليست اختلاقية لوظيفة الاسم ومكانته، وإنما هي الحقيقة المنتهية إليها كل
حقيقة عبر الأماكن والعصور. فالمخلوق الذي حمل اسمه قبل أن يحمل أي شيء غيره بعد
ولادته، وربما تقلد اسمه وتعين له قبل ولادته، قد تحمل أول أمانة ممن اختار له
اسمه تفاؤلاً أو تذكراً. سبق
وأن ذكرت أن الاسم هو علامة على مسمى والعلامة هي "مصطلح أوسع وأشمل من
الكلمة فهي تحتويها وتتجاوزها. فالكلمة في ذاتها نوع لفظي من العلامات تنطلق
دلالتها من قيمة اللفظ في ثقافة ما"([46]). وعلى الرغم من أن الكلمة
تحتل مركزاً محورياً إلا أنها تعد جزءاً من حقل أعم وأفسح هو العلامة وأن هذه
العلامة تنتمي إلى لغة هي لغة علامات أو لغة سيميوطيقية([47]).
ومن هنا نجد بأن هذه اللفظة سيميوطيقا- كما هو مستعمل عند الأمريكيين- أو
سيميولوجيا- كما هو مستعمل عند الأوروبيين- هي من المصطلحات الحديثة التي سمي بها
علم من العلوم الحديثة ألا وهو علم السيميوطيقا أو السيميولوجيا. فكلمة
سيميولوجيا هي من أصل يوناني Semeion تعني العلامة وكلمة Logos تعني العلم. وهكذا يصبح تعريف السيميولوجيا هو علم العلامات([48]). وقد
وردت في الدرس اللساني الحديث كلمة السيمياء والتي هي كذلك "علم يهتم بدراسة
أنظمة العلامات: اللغات، أنظمة الإشارات، التعليمات الخ... وهذا التحديد يجعل
اللغة جزءاً من السيمياء"([49]). وعلى
الرغم من تعدد هذه المصطلحات: السمة والعلامة والسيميوطيقا والسيميولوجيا
والسيمياء سواء في الدرس اللساني العربي القديم أم في الدرس اللساني العربي الحديث
إلا أن الدلالة تبقى واحدة. وما الفرق إلا في الصناعة اللفظية لكل مصطلح من هذه
المصطلحات. وأفضل استعمال هو لفظ سيميائية لعلاقته الدلالية بما ورد في التراث
اللغوي العربي وخير دليل على ذلك ما جاء في لسان العرب لابن منظور كما سبق وأن
ذكرت. هكذا
فإن الاسم هو علامة المسمى والعلامة هي السمة والسمة هي السيماء والسيمياء
وبالتالي فلا وجود للسمة بدون مسمى كما لا يجب أن يكون سابقاً لها، فهما شيئان
متلازمان كوجهي العملة الواحدة، والاسم أو السمة هو وجهها المتميز عن غيره بعلامات
خاصة وهذا يقودنا إلى الحديث عن علامات الاسم في اللغة. ([1]) يراجع الثمر الداني، شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لصلح
عبد السميع الآبي الأزهري ص9 مطبعة المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية وحدة الرغاية
1687. ([2]) اسهل المدارك، شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك للكشناوي
ص2: 42. ([3]) فن الشعر لأرسطو ترجمة عبد الرحمن بدوي ص56. ([4]) الإشارات والتنبيهات لابن سينا ص188. ([5]) يراجع منتخبات الأدب العربي لحنا الفاخوري وجماعة من
الأساتذة ص230. ([6])
يراجع فيض الخاطر لأحمد أمين ص3: 133. ([7])
الكتاب لسيبويه ص1: 12. ([8])
يراجع من أسرار اللغة لإبراهيم أنيس ص282 وما بعدها. الطبعة السادسة 1985م – مكتبة
الأنجلو المصرية – القاهرة. ([9])
يراجع اللغة العربية معناها ومبناها لتمام حسان ص90. الطبعة الثانية 1979 – الهيئة
المصرية العامة للكتاب. ([10]) فن الشعر لأرسطو ص56. ([11]) يراجع لسان العرب لابن منظور ص401. ([12]) يراجع المقتضب لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد ص3: 1 تحقيق محمد
عبد الخالق عضيمة – عالم الكتب – بيروت – لبنان. ([13]) الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد
الآمدي ص1: 21. دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان 1983م. ([14]) يراجع الأصول في النحو لأبي بكر محمد بن سهيل بن السراج ص1: 36
تحقيق د. عبد الحسين الفتلي الطبعة الأولى 1985 مؤسسة الرسالة. ([15]) الاسم والمسمى لابن السيد البطليوسي ص33 تحقيق أحمد فاروق. مجلة
مجمع اللغة العربية بدمشق أبريل 1972م. ([16]) عن اللغة والدلالة آراء ونظريات لعدنان بن ذريل ص85 – مطابع الألف
باء – دمشق 1981م عن علم اللغة لليونز ص12. ([17]) يراجع م س، ص س. ([18]) يراجع فن الشعر لآرسطو ص56. ([19]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ص1: 18. ([20]) م س، ص س. ([21]) اللغة والدلالة آراء ونظريات لعدنان بن ذريل ص90. ([22]) م س، ص95. ([23]) يراجع م س، ص96. ([24]) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين
لكمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري ص1: 6. تحقيق
محمد محي الدين عبد الحميد – الطبعة الرابعة 1961 – مصر. ([25]) م س، ص س، ويراجع الأشباه والنظائر في النحو لأبي الفضل عبد
الرحمن بن الكمال أبو بكر جلال الدين السيوطي ص1: 79. مراجعة وتقديم فايز ترحيني –
الطبعة الأولى 1984م – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان. ([26]) م س، ص س. ([27]) م س، ص1: 7. ([28]) يراجع م س، ص1: 7-15. ([29]) هذا البيت من الرجز المشطور يقول ابن خالد القناني، والقنان جبل لبني
أسد فيه ماء يسمى العسيلة. يراجع الإنصاف في مسائل الخلاف ص1: 7. ([30]) سورة الفتح الاية 29. ([31]) يراجع الكشاف عن حقائق غوامض التنـزيل، وعيون الأقاويل في وجوه
التأويل للزمخشري ص4: 347. ([32]) سورة الذاريات الاية 33-34. الآيتان تامتان. ([33]) يراجع لسان العرب لابن منظور ص3: 2158. ([34]) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص62. ([35]) يراجع صفوة التفاسير لمحمد الصابوني ص3: 229. ([36]) يراجع لسان العرب لابن منظور مادة وسم ص12: 635. ([37]) الكشاف للزمخشري ص4: 588. والجواعر هي الأرجل. ([38]) سورة القلم الاية 16. ([39]) الكشاف للزمخشري ص4: 588. ([40]) من أسرار اللغة لإبراهيم أنيس ص283. ([41]) الاسم والمسمى للبطليوسي ص333. ([42])الاسم والمسمى للبطليوسي ص333. ([43])م س، ص س. ([44])م س، ص 334. ([45])م س، ص س. إن ذي الرمة يصف غزالاً
استودعته أمه في الخمر وهو كل ما يواري الإنسان من شجر وغيره. والوعاء رملة لينة.
ومرخوم محبوب. يقول هو نائم في الخمر لا ينتبه من النعاس إلا إذا تفقدته أمه
للرضاع فصاحت به "ماء ماء" وهو حكاية صوت الظبي. والبغام صوت الظبي. ([46])مدخل إلى السيميوطيقا لسيزا قاسم ص 1: 9. ([47])يراجع م س، ص10-11. ([48]) يراجع ما هي السيميولوجيا لمحمد نضيف ص9. ([49])السيمياء لبيار غيرو ترجمة أنطوان أبو
زيد ص5. |