الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خواطـــر ملــونة فـــــي التجربة المسرحية - بقلم: عبد الفتاح قلعه جي

هذه الذاكرة العجيبة التي انحفرت على جدرانها نقوش لا تمّحي رغم عاديات الزمن، تتحول إلى قبة أسطورية من المشاهد المختزنة والمعارف والكتابات الاستسرارية المختزلة كأنها قبة دانيال.‏

الحي الشعبي الكلاسة الذي ولدت فيه، والذي كان ذات عصر أكبر حاضر في العالم الإسلامي، عرف بالحاضر السليماني قبل أن يدمره هولاكو. العمائر الأيوبية الأثرية، جامع أبي الرجاء، وجامع حسان وشيخ الكتاب فيه وعصاه التي قدت من نار تحاكي نار تنور الكلس أمام الجامع، وكنا نحن التلاميذ الصغار وكنانيرنا على أكتافنا نتحلق حول التنور أثناء الفرصة، نثرثر مع نسوة الحي اللائي حملن قدور الطعام والشوندر والذرة ووضعنها على الحجارة الملتهبة التي تتحول بفعل النيران إلى كلس حي. ويحلو لي أحياناً أن أجلس إلى جانب امرأة تغلي الماء في برميل للغسيل وضعته فوق الأتون لتغسل بعض الثياب وهي تحكي لي عما تعانيه من شظف العيش، وعن زوجها المغموسة لقمته بالعرق والدم، فيحملني المشهد إلى والدي البناء العامل في البلدية الذي كان يحرق قصاصات الأوراق في حذائه لئلا تتجمد قدماه في أيام حلب الشتائية، وعندما مات، مقعداً في داري سنوات، كنت أسمع في عتمة الليل أدوات البناء التي تركها وما زلت أحتفظ بها وهي تنتحب بصمت عليه.‏

صور القيامة والحساب والجنة والنار وهي تتقافز من الكتاب المبين إلى مخيلتي وأنا تلميذ الكَتَّاب تتجسد أمامي في تنور الكلس المشتعل ليل نهار. هذه الصور التي اختزنتها الذاكرة الطفولية، وما تقصيته منها في البحث فيما بعد تتشكل من جديد في صيغ متعددة ذات طابع مؤلم حيناً، وساخر من لا معقولية الحياة الإنسانية حيناً آخر كمسرحية سفر التحولات، وفانتازيا الجنون وهبوط تيمورلنك.‏

الموت وذلك العالم المجهول وراءه، انهيار الجسد الإنساني وتحلله وعودته ثانية إلى عنصر التراب، ثم انبعاثه من جديد. مشاهد القيامة في القرآن الكريم. كل ذلك لم يغب عن ذاكرتي يوماً، لا في طفولتي ولا في باقي مراحل عمري. هذا العالم الذي لا نعرف عنه شيئاً كان مثار خوف وقلق وترقب شديد الوطأة بالنسبة لي. وفي محاولة للوصول إلى معرفة هذا الغيب وهذا اللغز المحيّر، وكي أصل إلى طمأنينة النفس المرهقة وسكينتها وهي تقف دائماً على حافة ذلك المجهول الرهيب قمت بجمع المادة التصويرية عن القيامة وأحداثها من القرآن الكريم والحديث النبوي، وطالعت النظريات العلمية المتعلقة بنشوء الكون وانهيار المادة. ثم انقطعت عن وسطي المحيط حوالي ستين يوماً عشتها في طقس متعال أنجزت خلالها عملي الذي أعتز به وهو القيامة، الذي جاء مزيجاً من الشعر والمسرح والملحمة، ولم يغب الواقع عن لحمة هذا العمل، بل كانت فرصة لي كي أصور مآل أولئك الذين أرهقوا الإنسان بالطغيان وسلبوه رغيفه وأمنه وحريته.‏

كنت في طريقي اليومية من الكلاسة إلى دار المعلمين في الميدان وأنا طالب فيها ثلاث سنوات أيام لم تكن هنالك باصات للنقل، وأنا لا أملك عشرة قروش أجرة النقل إن وجدت حافلة عابرة، كنت أمر يومياً بباب إنطاكية حيث يتجمع عشرات العمال المياومين بوجوههم البائسة، وثيابهم البالية، وفي أعينهم يأس وترقب وذبالة أمل منطفئ، ينتظر كل منهم من يشير إليه بإصبعه يدعوه إلى العمل يوماً أو يومين ليعود إلى عائلته ببعض الأرغفة، وكان أغلبهم يقضي سحابة نهاره منتظراً من لا يأتي انتظار غودو ليعود بعد الظهر إلى عائلته بدموع لا تبين ونفس منطفئة.‏

وفي دار المعلمين كنت أستمع إلى أستاذ التاريخ وهو يقول لنا: يا أبنائي باب إنطاكية هو رمز للمجد العربي، منه دخل العرب المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح إلى حلب وحرروها من الحكم البيزنطي!‏

هذه المفارقات المستمرة إلى اليوم: الإنسان القلق المعذب، التاريخ المجيد، ضجيج الكلمات المنمقة التي لا تمنحك رغيفاً للعيش، الخوف المتجذر من المستقبل الداجي، الأطفال الذين يُعمَّدون حين يولدون بمياه الملح والكبريت، الأبناء الذين ينتظرون إلى ما لا نهاية فرص الحياة والعمل، العدل المنشود وانتظار من يأتي ليملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت جوراً.. لا أدري كيف انسرب كل ذلك إلى شرايين أعمال مسرحية لي في لبوسات شرسة حيناً، ساخرة بمرارة حيناً آخر: مثل طفل زائد عن الحاجة، الشاطر حسن، صناعة الأعداد.‏

الطريق من الكلاسة إلى مدرسة العرفان الابتدائية في الأسواق القديمة، وأنا أقطعه يومياً عبر مقبرة الكليماتي وخندق السور الموازي وباب قنسرين الشامخ والحارات القديمة بأزقتها المتلاوية وعمائرها الأثرية علمني كيف يقفز التاريخ من الأبراج المطلة وشقوق الأسوار إلى دم القصيدة والمسرحية، لكنني لم أكتب أبداً المسرحية التاريخية وإنما كنت أستخدم التاريخ بأبيضه وأسوده مبضعاً لتشريح الواقع والولوج إلى أعماق أنسجته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولم تكن مسرحيتي "الملوك يصبون القهوة" إلا نموذجاً للوحة من الفسيفساء المسرحية التي ترتصف فيها بلورات التاريخ والواقع معاً لتشكل بكل خلفياتها مشاهد مؤلمة للسلام الراكع مع أعداء الإنسان والسلام.‏

هذا التداخل بين التاريخي والواقعي، أو بين التراثي والمعاصر في أعمال مسرحية لي إنما كان من إيماني بأن كلاً منهما ممتد في نسيج الآخر، والتراث عندي ليس أصيص زهر أضعه على خشبة المسرح وإنما هو كائن حي يشارك في صنع الحدث المسرحي المعاصر، ففي مسرحيتي عرس حلبي وحكايات من سفربرلك انتقاء للمأثورات والأحداث والعادات التي تصب في غدير الرؤى المطروحة حول الإنسان والحرب والجوع والحرية.‏

الإنسان كان دائماً قضيتي ومحور اهتمامي في أعمالي المسرحية، أبسُطُ قضاياه وأدافع عن لقمته وعن أمنه النفسي والاجتماعي والسياسي، عن حريته وكرامته، وأنتقم بكل ما أوتيت من قوة تصوير وتشخيص من ظالميه.‏

إن كنت قد بدأت بالواقعية الممتزجة بالرومانسية في مسرحيتي الفصل الثالث التي قدمها المسرح الشعبي عام 1969، وبالمشاعر القومية في مسرحيتي صرخة في شريان مبتور، فإنني وبعد اطلاعي على تجارب الطليعيين في العالم وجدت في أسلوب المسرح الطليعي أو ما يسمونه أيضاً باللامعقول ما يخدم قضية الإنسان الذي يشكل محور اهتمامي فكتبت ثلاث صرخات والسيد وطفل زائد عن الحاجة ومسرحيات أخرى، ولكن خصوصية جمهوره وغموض إشاراته أحياناً كنص مفتوح الدلالة جعلتني أتجه إلى تخصيص الإشارة وتوضيحها أكثر، وإلى إعادة النظر في لغة الخطاب المسرحي وأدواته ليصل إلى القاعدة العريضة من الجمهور بمختلف مستوياتها محققاً بذلك نوعاً من الفرجة العربية التي طالما كتبت عنها تحت عنوان "مشروع آخر في المسرح العربي" وكنت أسعى مع باحثين آخرين في المسرح إلى التأصيل لمسرح عربي يقوم على منطلقات فكرنا وأساليبنا وأدواتنا الفنية ووعينا الجمالي وتتجلى فيه هويتنا وشخصيتنا العربية. وقد وجدت في هذا الاتجاه مجالات أرحب للتجريب، فأنا لا زلت مصراً على ضرورة التجريب في المسرح، ليس بالمعنى الغربي أو اتجاهاته التي انحرفت عن مسار المسرح وصارت ألصق بفنون أخرى، وإنما بالدلالة التي تحملها مشروعات التأصيل لمسرح عربي.‏

اليوم وأنا أستعرض شريط الحياة منذ أن قدّمنا أول عرض مسرحي في ريف محافظة حلب عام 1957 في قرية دير الجمال، حيث نصبنا خشبة مسرح في باحة المدرسة من أخشاب قالب بيتون، وستارة تفتح، ومشاهد كتبتها تعرض، فكان منظراً مدهشاً لأهل القرية. إلى النشاط المسرحي المتميز الذي قدمته فرقة المسرح الشعبي التي ترأستها في أواخر الستينات، وكنا نصرف من رواتبنا وأجورنا على المسرحية، ونسهر حتى الصباح في التدريبات وفي إنجاز الديكور والملابس بأيدينا. إلى المسرحيات التي عرضت لي فيما بعد، والمهرجانات والملتقيات المسرحية السورية والعربية الكثيرة التي شاركت فيها.. اليوم وأنا أستعرض هذا الشريط الملون، الحافل بالأحداث والذكريات أتساءل: أي سحر في المسرح يجذبك إليه؟‏

هذا التكريم الذي خصني به اتحاد الكتاب العرب، والندوة التي أقامتها جمعية المسرح فيه عن أعمالي المسرحية يشكلان دافعاً لي للاستمرار فيما نذرت نفسي إليه حتى يرتشف الجهد المبدع آخر قطرة من كأس العمر. وإني أتوجه بالشكر باسمي وباسم كل المسرحيين إلى كل الذين ساهموا في هذا الكتاب بكلماتهم وأبحاثهم ومداخلاتهم، مؤكداً أن هذه اللفتة الكريمة إن كانت مخصوصة بشخصي اليوم فإنما هي بجوهر دلالتها وفيض نبعها تكريم لكل مسرحي ومبدع في هذا الوطن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244