الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبد الفتاح قلعه جي كما عرفته - بقلم: محمود منقذ الهاشمي

كان اللقاء الأول قبل أكثر من ربع قرن. وفي كل الأمور تكون المرحلة الأوّلية هي الأهم. يجب أن يظل ذلك في أذهاننا على الدوام. كنت قد بدأت أقرأ له، وكان الأصحاب يحدّثونني عنه ويحدّثونه عني. وأخبرني الأديب المرحوم نظار نظاريان عن اهتمامه الجدي بالمسرح الطليعي وما كتبه عنه وما ألّفه فيه. وكان عبد الفتاح قلعه جي مشغولاً آنذاك، في أوائل السبعينيات، بالحداثة ولا سيما في الأدب، جذبه إليها هاجس الحرية النقدية وهاجس التجاوز والتجريب والتجديد. وكنت منهمكاً في تلك الآونة بنظريات النقد الحديث وتطبيقاتها على الأدب العربي المعاصر، أكتب وأحاضر بحماسة واهتمام.

وحدث اللقاء: كان الانطباع الذي تكوّن لديّ هو أنه إنسان يطيل التفكير في كل شيء، كأنما ليست لديه بديهيات، أو كأن الفكرة حتى وإن كانت محسومة لديه من قبل فإنه يتناول إمكان تبدّل معناها في سياق آخر بمنتهى التيقّظ قبل أن يتكلم. بدا لي إنساناً من طراز نادر في هذا الزمان، متفكّراً يجيد الإصغاء والتركيز، يُقبل على ثقافة العصر بعد أن تفهّم علوم لغته وأوغل في تراث أمته، ملماً بفنون المسرح قديمها وحديثها، فناناً يجد في الشعر والأدب المسرحي التعبير الأسمى عن الوجود، وصاحبَ نظرٍ لـه تجربته الطويلة في البحث النقدي والفكري، تزدحم فيه الانفعالات الجياشة ومع ذلك فإن للعقل والضمير الحي عنده السلطانَ الأكبر عليه في معظم الأحوال، لا يرتضي أن ينتفع وحده بل يؤمن بالمنفعة المتبادلة وبالقاعدة الذهبية التي يمثّلها في التراث الإسلامي الحديث الشريف القائل [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه]، وأشدُّ ما يؤرقه هو القضاء على ظلم الإنسان للإنسان واحلالُ العدل، والقضاء على التفرقة وتحقيقُ الوحدة، وتفتيح كل الطاقات في مناخ من الحرية.

هذه هي الصورة التي رسمتها لنفسي عن عبد الفتاح قلعه جي بعد اللقاء الأول. وتوالت اللقاءات وتوطّدت العلاقة بيننا على مر الأيام والسنين، واتّسعت معرفتي بالرجل وإنتاجه الأدبي والفكري كثيراً، ومع ذلك كانت هذه الصورة هي التي تقفز إلى ذهني كلما رأيته أو ذُكر اسمه أمامي، لا يشوّشها أو يدحضها أي أمر بان لي فيما بعد.

إلا أن عبد الفتاح قلعه جي بعد أن كان مولعاً بمسرح اللامعقول والشعر الحديث، وبصورة عامة بالحداثة فناً وأدباً وفكراً، اتجه من جديد إلى التراث العربي والإسلامي يستلهمه ويدرسه ويبحث في ظواهره المسرحية، بل وينفتح كذلك على تراثات شرقية مختلفة. وأخطأ من فسّر هذا التحول عند عبد الفتاح قلعه جي بأنه مجرد حنين إلى الماضي وعزوف عن التجريب والتجديد وركون إلى التقليد، ولم يفسّره التفسير الصحيح بأنه تجريب من نوع جديد أكثر انفتاحاً وأوسع أفقاً.

لقد أدرك عبد الفتاح قلعه جي صَدْع الحداثة في وقت مبكر نسبياً. وفي هذه الأيام نسمع كثيراً عن انهيار الحداثة، ولكن قبل عشرين سنة ونيّف كان الأمر مختلفاً.

وإذا كان الغرب قد آمن في الحداثة بالحرية الذاتية أساساً، فإنه على إيمانه بالحرية كانت تسيطر عليه المركزية الأوربية، فأعمته عن رؤية ما تتمتّع به الشعوب الأخرى من حضارات مهمة، وراح ينكر عليها حقها في الحرية ويعمل على إخضاعها واستغلالها. والحداثيون منذ هيغل وجون سيتوارت مل وألكسي ده توكفيل لا يكفّون عن تسويغ كل ذلك. والحداثة تنظر إلى الحاضر على أنه قطيعة مع الماضي وتمهيد للمستقبل. وفي الحداثة ميتات كثيرة: موت الإله وموت المطلق وموت البطل وموت المؤلف وموت الرواية وموت الأدبيّة وما إلى ذلك.

لكم يحب الحداثيون مصطلحي الموت والقطيعة المعرفية! على أن مفهوم عبد الفتاح قلعه جي للحاضر هو أنه البرهة التي يتصل بها الماضي بالمستقبل وبالأبدية. وبدلاً من نظرة الحداثة المبالغ فيها إلى حرية الفرد المطلقة، وإلى الأخلاق على أنها مجرد مسؤولية فردية، آمن عبد الفتاح قلعه جي بأن الأخلاق مسؤولية متبادلة بين الأفراد وأن الأفراد جزء من الأمة وأن الأمم جزء من شمول أكبر هو الكون. ولإيمانه بالتعددية الثقافية لم يقبل بالعدمية القومية تجاه المركزية الأوربية، ورأى أن في حضارتنا وفي حضارات غيرنا من الشعوب غير الأوربية كذلك ما يستحق أن يبقى لتستفيد منه أمتنا والأمم الأخرى عبر الأجيال.

ويظل عبد الفتاح قلعه جي وفياً لمركزية الإنسان منكراً على تيار ما بعد الحداثة فقدان المركز عندها. ولكن إنسان عبد الفتاح قلعه جي ليس الإنسان المنغلق على ذاته ومصالحه الآنية، بل الإنسان الكوني الذي يحقق الرسالة الكونية الداعمة للخير والعطاء والإبداع. ومن هنا كان اهتمامه بالتصوف الإسلامي يدرسه ويعيشه ويثمر هذا الاهتمام تلك الدراسات المتميزة عن السهروردي والنسيمي وتلك النصوص الإبداعية الفريدة.

وكان أشد ما يحاربه عبد الفتاح قلعه جي هو الجمود والظلم؛ فقد كان ثائراً على التقوقع الذاتي للأمة ثورته على جمود أصحاب المركزية الأوربية، وكان يحارب الظلم في كل أشكاله سواء أتجلى في ظلم الإنسان في معيشته وأحواله الاقتصادية أم في إغماط حق الفرد أو الجماعة في الحرية والاعتراف بالفضل وتوفير الظروف المناسبة للعيش الكريم والنماء والتطور. وفي جوهر كل أعماله المسرحية تلك الثورة على الظلم، وفي خلفية كل اهتمامه بالتراث ذلك الميل القوي إله إحقاق الحق ورد الظلم. وقد يجد، وهو الذي ينطلق من نظرة تمازج بيت الروح والمادة، نفسه قريباً من الماديين الذين يهتمون كل الاهتمام بالإنسان ومن الروحانيين الذين يصلون إلى أعلى ذرى الاستنارة الكونية، ولكنه يجد نفسه غريباً عن التراثيين الجامدين والنفعيين الانتهازيين النسبويين على السواء. فصوته هو صوت الجوهر الإنساني الذي يعبّر عن حريته وحرية ما لا يُحصى من البشر. لكأنه لسان حال بابلو نيرودا حين يقول:

((عَبْري ستُنادي الحرية والبحر

 

 

رداً على القلب المحجوب عن النظر))

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244