الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قراءة تحليلة أدبية لملحمة القيامة الشعرية المسرحية لعبد الفتاح قلعه جي – د.حسين يوسف خربوش*

الملخص‏

تحاول هذه القراءة أن تبرز طبيعة هذا العمل الملحمي في هذا الزمان المتأخر، من حيث الشكل والمضمون والإيقاع الموسيقي وتصوير الشخوص، حتّى تصحّ القراءة في أحكامها ونتائجها.‏

أما منهج القراءة، فيعتمد على القراءة الدقيقة للنص، كما يقوم من جهة أخرى على ربط أجزائه بكل وضوح بواقع الحياة الدنيا وتصوّر الآخرة، في محاولة للإجابة عن هذا اللون الفني الشعري الذي غابت فيه صورة الملحمة الشعرية أمام ازدهار العلم الحديث.‏

((تصور جديد))‏

القيامة "ملحمة شعرية" عنوان لهذا المصنف الذي نحن بصدد قراءته وتحليله، وهذا العنوان يتفق مع موضوعه، في توضيح أبعاده العقلية والفكرية، وهو لا يحمل جواباً سهلاً لموضوع القيامة: سرّ الحياة ولغز الموت. فالملحمة تهدف إلى غاية بعيدة، هي تصوير الواقع الدنيوي، وتمثل التصور الأخروي، وهي تتميّز بالتنوع: تنوع المناظر، وتنوع في الوصف، وتنوع في العواطف، وتنوع في الأسلوب، وتتصف بتماسك الأجزاء، وتسلسل الحوادث، مما يدل على وحدة الموضوع ووضوح الفكرة. وموضوعات الملحمة، كما وردت في النسخة تسعة. الموضوعات الثلاثة الأولى تناول الصيحات الثلاث: الأولى والثانية والثالثة. والموضوعات الأخرى التالية، جاءت مرتبة وفق أصول معتقدية على النحو التالي: الحساب، والمطهر، والشفاعة، والنار، والجنة، وأخيراً ذبح الموت. وبذكر هذه الأصول تنتهي قواعد الاعتقاد كما جاءت في الملحمة. وهي تقع في 223 صفحة، من القطع العادي، وكانت الطبعة الأولى في سنة 1400هـ-1980م عن دار النفائس ببيروت(1).‏

ولعل أهم ما يواجه الباحث –وهو يتعرض لهذا الأثر الأدبي- هو إخراج هذا النص الشعري، في العصر المتأخر، الذي غابت فيه صورة الملاحم الشعرية أمام ازدهار الروح العلمي، الذي تحفزه أسباب كثيرة في مهاجمة الشعر والنيل منه في تأديته أيّ دور حيوي، لأن روح العصر تناوئ الشعر الملحمي، ذلك أن الفكر في الشعر ليس فقط ثمرة للنشاط العقلي، وإنما للمشاعر والإرادة، أو كما يقول فرنسيس بيكون: "إن الشعر يخضع مظاهر الأشياء لرغبات الذهن"(2). ولهذا نتساءل: لماذا هذا الشعر الملحمي هو المقدم لدى الشاعر مع أنه تمرّس في غيره من الفنون؟.‏

قد نتذرع بالإجابة عن هذا التساؤل، بأن الشاعر إنما أراد للشعر أن يكون الفيصل في رسم صورة للواقع، ولكن هذا لا يحمل الإجابة الكافية.‏

إذن، هل نشكّ في مكانة الشعر، ومن ثمّ فإن تنغيمات الشعر وإيقاعاته لم تكونا الأسلوب التعبيري الذي يصور مرحلة تطور الإنسان الفكري؟ وهل معنى هذا –كذلك- أن "ملحمة القيامة" ينطوي شعور منشئها على أن الشعر من القوة والحيوية بحيث يتمتع بمكانة آمنة؟.‏

ليس من شك في أن الشعر الحديث على ترسله أصبح رافداً قوياً للنشر وخاصة في مثل موضوع القيامة وأهوالها، فهو يكتب في الحقيقة شعراً يختلف عن الشعر المعهود، يحسّ صاحبه بأنّ تركيباته تقوى على تقديم الأفكار مهما كانت رمزيتها وقدرتها الإيحائية.‏

ولكن، كيف تأتّى للشاعر أن يخرج "ملحمة القيامة" في هذا الزمان المتأخر نسبياً من القرن العشرين عن زمن الملاحم؟ أفي هذا ما يؤكد أن زماننا صار يحترم الشعر ويقدّر لونه الملحمي، أو ما كانوا يسمّونه الشعر البطولي؟‏

إن موضوع ((القيامة)) ويوم الحساب الأكبر، يتميزان بخصوصية معيّنة في مفهوم العقيدة الإسلامية، وتتخطّى أبعادهما حدود الواقعية في الحياة، ولذلك فإن قصيدة أو ملحمة شعرية تحاول أن تترسم صفاتهما وتعيننا على إدراكهما بالقلب والذهن، يمكن أن تحقّق هذا المفهوم الفني للملحمة الشعرية المتميزة بالطول والضخامة والحقائق، فهي شاسعة الأبعاد، تتجاوز الزمان والمكان في واقع الحياة الإنسانية، ومن غير أن تختص بفرد، وهذه بحدّ ذاتها لمحة ذكية، استطاع الشاعر أن يقف عندها ويستلهم أبعادها ويطور اللغة للصياغة الفنية التي تستوعب مثل هذا الموضوع الضخم.‏

- حول الملحمة:‏

تتصل هذه الملحمة المسرحية (الشعرية) بالحياة الدنيا والآخرة اتصالاً وثيقاً، ويتأكد لنا فيها ناحيتان مختلفتان: فهي تتصف بجوانب جمالية فنية، تجئ إلى الناس جميعاً، وهي من الناحية الأخرى تصوّر شخصية الشاعر وبيئته وعصره، فتتصل بالزمان والمكان معاً، وتصور أنحاء دينية عميقة، فهي بذلك تمثّل العواطف وتصور الحياة الدنيا وتنزع إلى الآخرة نزوعاً قوياً صادقاً.‏

ولذلك يمكن للنفوس أن تتأثر بها من ناحية الفناء الدنيوي، الذي تمثل القيامة درجاته الأولى، فقد انشغلت بموضوع أساسي، وهو الانتقال –بأسلوب مؤثر- إلى العالم الآخر، وتصوير القيامة بأحداثها وأهوالها، والانتقال بالقارئ إلى الحساب والمطهر، وتناول الشفاعة والإتيان على النار والوقوف عند صوت جهنم وما يلحق الكافرين من الظمأ والجوع، ثمّ الولوج بأهل الإيمان إلى الجنة، وذلك هو الخلود الأبدي بعد ذبح الموت النهائي.‏

ويمكننا أن نلمح نواحي الجدة والأصالة في هذا العمل، في أبعاد التناول، سواء أكان ذلك من ناحية الأسلوب وطريقة التعبير، أم من جهة المحتوى والموضوعات التي تناولها، أم من ناحية الخيال والصورة الفنية، فهو ذو جاذبية خاصة في تناوله، والحق أن هذه الملحمة هي امتداد للبحث في مسألة الحياة والموت، فقد تغلغلت هذه الرؤية في الآداب القديمة وأظهرتها ملاحم معروفة كملحمة "جلجامش" (3) البابلية التي تعدّ أول الآثار الأدبية في العالم (4)، ونجدها في المآثر اليونانية القديمة، وكذلك فقد احتوت الآداب العربية والأخبار التي تعالج هذه الفكرة في البقاء والخلود (5).‏

ولكن هذا المفهوم الملحمي، لم يتأصل في الأدب العربي، كما في ملاحم اليونان والرومان، وآداب أوربا في القديم والحديث، كالكوميديا المقدسة لدانتي، والفردوس المفقود لجون ملتون، وملحمة أورلاندو التي تصور معارك المسيحية والوثنية إبّان انتشار المسيحية في أوربا، فضلاً عن الشاهنامة التي صوّرت عبقرية الفردوسي (6).‏

وإذا أخذنا بهذه الرؤية للفهم الملحمي، فمن الطبيعي أن لا يستقيم البحث الذي نحن بصدده، إذ ليس لملحمة القيامة هذا المضمون التصوري في الأحداث والوقائع، فضلاً عن مخالفتها لأصول الخرافة والأساطير، فهل نحن –إذن –نضرب بالماء ونجترئ بأنّ هذه الملحمة يستغرقها مفهوم الملاحم وتتضمنها حقائق فنية وموضوعية تؤهلها لأن تأخذ مكانها في العمل الملحمي؟.‏

فإذا ما وجدنا في ملحمة القيامة المسرحية ما يفيد بالحرية في التصرّف في البناء الفني الملحمي، وجب علينا أن نفهم الظروف التي أحاطت بهذا العمل ومدلولـه الحقّ، فالشاعر لم يوسع على نفسه في الملحمة، بحيث يمنحها حق الاختراع، لأنه يتصل بعمل عقدي يقوم على قواعد واضحة من الدين القويم، فلم يبح ولم يتّسع، وإنما التزم بوجوب القواعد الأساسية في هذا المجال، وليس معنى ذلك إهمال الاتجاهات والالتفاتات الملحمية جميعاً، بل لقد استعار الشاعر، أو تابع أنحاء من الفن الملحمي في مذهبه وطرق إجادته.‏

فهو يكتب ملحمة كالملحمة التي كتب فيها هوميروس، من حيث الروح القصصي والمشاعر المثيرة والصور الحية النافذة التي تقصّ وقائع الأحداث، وتستظهر بواطن الأشياء، فتحملنا حملاً على التفكير، وتعمّق في أنفسنا القدرة على التخييل بآفاق موضوعية عميقة، ذلك أن ذاتية الشاعر كانت تعبر عن مواقعها، وفلسفتها في شيء من الاستقصاء والشمولية. وعلى ذلك، يمكن لهذه الملحمة أن تجسد الروح الديني وتستظهر كثيراً من أبعاد الاستدلال على الصانع تعالى من الصنعة، "فلئن كان تهاويل الأساطير في الخيال، شروطاً في الملاحم القديمة والملاحم الغربية، فليس هذا جديراً بالملحمة العربية العتيدة، فإن عصرنا الحاضر لم يعد أهلاً للأساطير، وديننا الحنيف قضى عليها منذ أقدم العصور، ونهضتنا العربية الراهنة ملأى بالحقائق التي لا مكان للخرافة فيها"(7).‏

فملحمة القيامة لم تصف لنا حروباً أو تظهر بطولات، ولكنها وصفت النفس الإنسانية في صراعها بين الدنيا والآخرة، واستظهرت أفكاراً تنزع بالإنسان، منازع شتّى، بين ثنائية الخير والشر، والخوف والأمان، فهي ملحمة أقيمت على أسس ثنائية جدلية، كانت الجوهر الذي يتجاذب الفروع والأجزاء، وقوام هذه الثنائيات (8): المادة والروح، والدنيا والآخرة، والجنة والنار، والموت والحياة، والجزاء والعقاب، والإيمان والكفر، والنور والظلام، والواحد والمتعدّد، والشيخ والفتاة، الشخصيتان الرئيسيتان في الملحمة، اللذان يكشفان حقائق يقترب بعضها من بعض، ولكنها لا تتطابق، أي إنهما يظلان يعبران عن موقفين متراوحين، مما سنتحدث عنه في حينه.‏

ولا شك أن هذه الملحمة، استلهمت كثيراً مما تقدمها من روايات الإسراء والمعراج والتراث الإسلامي والصوفي عند المعري وابن عربي، ولكن استقصاء ذلك والإتْيان به يخرج بنا عن طبيعة هذا البحث وفلسفته المحدودتين. غير أنه يمكن القول بأن هذه الملحمة ليست تفصح عن نفسها بالنظرة السريعة المباشرة، فإنها يحيط بها كثير من الصعوبة في الإدراك، لأنها تحاول أن تبرز الروح الإيماني من خلال ممارسة الواقع، بحيث تمنح القارئ، قوة من تصوير الانفعال الذاتي، ورسوخ النغمة الشاعرة والإيقاع الموسيقي، على ما سيأتي الحديث عنه.‏

ونشير هنا، إلى أن هذه الملحمة، تختلف عن غيرها في اختيار الموضوع الديني، فالشاعر –على ما يبدو –لم يكن لملحمته أن يتضمنها إطار تاريخي، وإنما كان يهدف إلى تصوير الواقع، من خلال ما يحمله هذا الواقع من مآس ومرارات أليمة، أي واقع الإنسان الذي تتنازعه قوى الخير والشر، وهذه –بطبيعة الحال –هي الفكرة الأساسية التي تجسدها الملحمة وتنافح عنها، ولكن الشاعر على كل حال، لم يجعل هذا التصور نحو الإنسان تحدّده رؤية دينية خاصة، بل استطاع أن يمنح موضوعه رؤية أشمل، من خلال رؤية القيامة وأهوالها، فكانت أحداث الملحمة تتضامّ فيها وشائج الدنيا والآخرة في صورة جيّدة.‏

ومن هنا يمكن أن تكون –أي الملحمة –نتيجة لانشغال الناس وفساد أمرهم، فهي تعبر عن نوع من "التراجيديا" الواعية لأبعاد الحياة الدنيا والآخرة معاً، أي تنطوي على الإحساس بالدار الآخرة وتصوير يوم الحساب، فهي تنهج منهج التفكير والتعقل، إذ لا تدعو إلى السخرية أو الهزل، بل تلتزم الوقار والجدّ، ومن ثمّ فعلى الإنسان أن يبتعد عن اللهو واللعب، وأن يستحضر تفكيره في المصير الجاد الذي ينتظره بعد الموت. ولذلك فهي تأخذ بالوحدة الموضوعية التي يتجاذبها حدث واحد، وذلك مما تهدف إليه، وماذا "لملحمة القيامة" أن تحمل من معان ودلالات، إن لم تأخذ بالإنسان في مشكلاته وإدراك الكون من حوله، أقول: يكفينا ما أتاحته لنا من هذا الانفتاح الذاتي على حقيقة الوجود.‏

ومن هنا، ليست ملحمة القيامة بعيدة عن الحياة والتجربة، فلقد كان لتصور الشاعر وقوة إيمانه أثر كبير في إنشائها، فملامحها تتجلى بمعرفة فقهية وبموروث عقدي، تمكنت بهما من أن تستكنه المعنى الشامل للكتاب الكريم.‏

ولقد كان ذلك يمنح الشاعر استشرافاً ونفحات إيمانية متميّزة، ينعكس أثرها قوياً في نفس القارئ، وخاصة عندما كان يسمّي الأشياء بأسمائها القرآنية، بحيث تبدو الصورة واقعية ملموسة، استطاع الشاعر أن يوظفها توظيفاً فنياً جيداً، منحه هذا الرسوخ الوجداني لفهم العالم الآخر، وعلى الخصوص القيامة وأهوالها.‏

فالملحمة في هذه الجوانب الفكرية، تكشف عن معبودات الناس وغرائزهم فيها، ويتضّح ذلك فيما يسوقه على لسان "الأعور الدجال" الذي ينتحل شخصية عيسى المسيح عليه السلام، فيؤلّه نتاج العقل الإنساني من دون الله تعالى، ويدعو إلى الفكر العلمي المجرد، بعيداً عن الحقيقة العلمية التي يريدها (أهل القرية)، يقول: (9)‏

أهل القرية: ما أنت سوى فِرية‏

هذا بعض نتاج العصر:‏

إنسان ذريّ‏

لا نشرك بالله‏

الدجال: يا ظلمات الجهل:‏

هذا عصر المعجزة العلمية‏

أهل القرية: نؤمن بالعلم طريقاًَ يدعو للإيمان‏

لا رَبّاً نشركه مع ربّ الأكوان. (10)‏

وتكتمل رؤية الملحمة في مشهد على لسان موسى عليه السلام (11) في محاجّة فرعون، وذلك في مخاطبة الجموع: (12)‏

كفى أيّها الناس ذلّة‏

أيا أيّها الجائعون:‏

كفاكم عبودية واضطهاداً‏

وعلى ذلك فالملحمة تجسّد الفكرة القرآنية في مواقف كثيرة، وتبسطها "شعراً منثوراً" فإن الصورة الفنية الأساسية فيها هي التشبيه الذي يتميز بانعكاس الروح القرآني وتجسيد معانيه. ويستدل على ذلك من خلال هذا المشهد الذي يصف انبعاث الإنسان بعد الصيحة الثانية، يقول: (13)‏

عاد إلى رحم الصّلصال‏

على الشاطئ همسة روح في جسد خليّة‏

""هل أتى على الإنسان حين من الدّهر‏

لم يكن شيئاً مذكوراً""‏

قالت غبرةُ إنسان:‏

""إَِننّا لمبعوثون؟""‏

"أو آباؤنا الأولون""‏

سألت ذرةُ عظمٍ نَخرة:‏

""مَنْ يُحيي العظام هي رميم؟""‏

قالت غبرةٌ بارّةُ في الرقيم:‏

""يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة""‏

""وهو بكلّ خلق عليم""‏

وهو يصور تماوج الناس في درب المجهول بعد النفخة الثانية: (14)‏

ماجوا بعضهم في بعض‏

كلّ يعدو في درب لا يدري أين يصير؟‏

يُرعدهم في السّكرة صوت الحقّ،‏

""وترى النّاس سكارى‏

وما هُمْ بسكارى‏

ولكن عذابَ الله شديد""‏

ولـه على لسان فرعون في اجتياز الصراط المستقيم، وقد هوى في وديان جهنّم: (15)‏

وغاص يصيح: لقد آمنت‏

لا كفر اليوم ولا إيمان‏

"رُفعت الأقلام.. وجفَّت الصّحف"‏

إن هذا التصور الإسلامي لم يَغُلّ من قريحة الشاعر الشعرية، بل كان يحاول أن ينطلق حتى في الحوادث العادية، فكان يستلهم الآيات ويضعها في موضعها من هذه الملحمة، حتى غدت الآيات كأنها اللّبنات التي يقام عليها البنيان كلّه. فالموضوع على هذا الأساس، ليس بالجديد على الأذهان.‏

لا شك في أن هذه الملحمة الشعرية، تنطق بنفسية صاحبها، فهي كتاب مصنّف من أوله إلى آخره شعر، وهو شرح قصص وأحوال، وكان كثيراً ما يتخذ من القصص أو من الملامح القصصية وسيلة لبيان طريقته، وشرح ما دقّ من إدراكه وإحساسه كقضية الألوهية المطلقة والعدل الرباني، والحياة الأخروية بعد الموت، وعن هاتين الحقيقتين تنجم المشاهد الكثيرة كلّها لتبحث في العلاقة القائمة بين الله تعال والإنسان وحدود الفعل الإلهي والفعل الإنساني (16)، وأمّا الحياة الأخرى، فقد راحت تصور الموت وطبيعته، ونذهب إلى أن هذه الملحمة تصور ما يسود في هذه الأيام من جموح مادي، وطغيان عقلي، لما فيها من جدلية وجدل وصور محكمة، فهي تقع في هذا الجانب الفكري، وإن كانت تتخذ أساس الشعر الغنائي المرسل الذي يحفل بالحياة وينبض بأسرارها وهواجسها. فمن الحقائق الفنية الأصيلة فيها، ما نجده من موسيقى الشعر وترتيبه الحكائي، أي حكايته، -وهو ما سيأتي الحديث عنه –بحيث تنطلق أبعاده الإيقاعية ومقاطع الألحان والأصوات من القرآن الكريم، فخلجات النفس –ينظمها تناسق حكائي موحّد يصور النبر والصوت والإحساس، الأمر الذي يعكس فهماً واضحاً لتصور القرآن الكريم، إذ استطاع أن يبرز انفعالاً ذاتياً بالحدث، وأن يسلّط الضوء على الشخوص ومواقفهم، ويعمق المجرى الدرامي للحدث الرئيسي عند التقائه بروافد أقل الأحداث الفرعية المساندة.‏

ومن الأمثلة على ذلك، هذا المشهد الذي يمثّل صراعاً بين "المادة والروح"،عبر هذه الثنائية الرامزة "هو.. و... هي"، ونقتطف فيما يلي بعض هذا المشهد:‏

هو: وقبلُ التقينا‏

على شاطئ الكون‏

كان الزمان غريضاً‏

هي: وكنّا.. يغلّفنا الستر‏

هو: كنّا حبيبين‏

باعد ما بيننا الأهل‏

هي: كلاّ..‏

غريبين كنّا..‏

نعيش انعزال التوحّد‏

كنّا قناعين‏

بعيدين رغم التواصل‏

ما بيننا حائط من رفات الكلام‏

عضاة التقاليد‏

بيد الرواسب‏

رمح الظلام‏

إلى الآجلة‏

طلعنا بكورا‏

وصلنا عشيّة‏

فكان نهار... وغاب‏

فللفرحة الأرق المستطاب‏

وللبسمة الشفة العندمية (17)‏

فهذا الإحساس الشعري، جعله يستكشف إمكانات اللغة، ويستجلي صفاءها، ولكنه لا يجتمع لـه فيها نماذج لأهل الأدب واللغة، على غرار رسالة الغفران، لأن القيامة هي المحور الأساسي لفكر الشاعر. وكذلك ليس للنظرة الجمالية معنى مستقل بحيث تصرف الإنسان عن التأمل فيما وراء هذه المعاني، ولكنها شاعرية رامزة، تنزع إلى أبعاد صوفية تكاد تستغرقها، وهي تنطوي على إحساس رقيق عذب، وحكايات ترمز إلى البطولة والتضحية، ومختلف القوى العاطفية التي يلوذ بها الإنسان للتفوق على ضعفه، والتطلع إلى مثل أعلى.‏

ولا شكّ في أن اهتمامه بالموسيقى الشعرية، كان وراء إيجاد هذه الشاعرية، وفي تراوح نغماتها بين الغموض والوضوح، والشدة واللّين، تبعاً لتغيّر الموضوعات واختلافها، بين الحساب والمطهر، والشفاعة، والنار والجنة، إلى أن كان "ذبح الموت"، آخر موضوعات الملحمة على ما ذكرنا.‏

-الإيقاع الشعري:‏

فهذه الروح الفنية المتيقظة في "ملحمة القيامة"، كانت تهيج الفطرة الشعرية لديه، فاتجهت إلى التحرر من القيود العروضية والتخلص من عمود الشعر، وإن كانت لا تسمح باستعمال ألفاظ لا تدخل في قوالب التفعيلات الموروثة، لمكان هيكلها الصّوتي، فهي إذن، أخذت بالألفاظ الروح والجوهر، ممّا أتاح لها تلاحماً خاصاً في الناحيتين: الفنية والفكرية، ذلك أنها تسير في تحديد مفهومها الشعري، على الأسس والمبادئ المتبعة في الشعر الحديث، من حيث إقامة الكلام الموزون على أساس وحدات صغيرة، وضمّ هذه الوحدات في مجموعات أكبر، وهو المصطلح عليه "بالتفعيلات"، مع المحافظة على الإيقاعات الخاصة التي تنتظمها تناغمات موسيقية معيّنة، فقد ظلّت واعية تمام الوعي للإيقاع المميز للقصيدة العربية.‏

ولعله ممّا تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أن نشير هنا إلى أن مفاهيم علم العروض ومصطلحاته، مما يتصل بالشعر في العربية، كانت هي الوسائل الأولى التي ينطوي عليها شرح الإيقاع الغنائي، فقد كان اهتمام الموسيقيين العرب يعتمد على نهج علم العروض في تقطيع أزمنة النغمات إلى وحدات تفعلية خاصة. غير أن هذا الفهم للإيقاع الغنائي أخذ يهتم بالإيقاع الشعري، وذلك على أساس من المقابلة والمقايسة بين وحداته بالتفاعيل العروضية، إذ صارت وحدات التفاعيل العروضية قضية يقاس عليها في هذا المجال.‏

ومن هنا، فإن تتبع عناصر الجانب الصوتي الموسيقي في إيقاع "ملحمة القيامة" يكشف عن قضيتين مهمتين في هذه القراءة التحليلية التي نحن بصددها، وهما قضيتا الوزن الشعري والقافية.‏

-الوزن الشعري:‏

نظر القدماء إلى الشعر على أنه في عمومه لفظ موزون مقفى، لـه أقيسة وأوزان خاصة به، (يراعى فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذراً من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه، فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس، ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمنها علم العروض، وليس كلّ وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن، وإنما هي أوزان خاصة تسمّيها أهل تلك الصناعة البحور) (18).‏

أما هذه الملحمة ففيها الأوزان قد تزيد وتنقص بحسب التفاعيل، فالأساس في كل ذلك هو طول المقطع أو قصره وموضع النبرة من اللفظة (غير أن النبر في اللغة العربية ليس صفة جوهرية في بنية الكلمة، وأن يكن ظاهرة مطردة يمكن ملاحظتها وضبطها. وإذا صح ذلك فإن القول بأن الشعر العربي شعراً ارتكازي، كالشعر الإنجليزي أو الألماني، قول ليس لـه –حتى الآن –ما يسنده من نتائج البحث اللغوي. ولعل وصف جمهور المستشرقين للشعر العربي بأنه شعر كمي، أن يكون أدنى إلى الصواب) (19).‏

والحق أن هذه النظرة إلى الوزن، قد انعكست على نحو جيد في آثار الفلاسفة المسلمين، من أمثال الكندي (ت 252ه‍) والفارابي (ت 339ه‍)، وابن سينا (ت 428ه‍)، فهؤلاء تتحدد معايير الوزن الشعري عندهم على أساس من القيمة العددية في (تعاقب الحركات والسكنات التي تشكل الأسباب والأوتاد والفواصل وتكرارها على نحو منتظم، بحيث يتساوى عدد حروف هذه المقاطع، وأزمنة النطق بها في كل فاصلة من فواصل الإيقاع) (20).‏

وكذلك نجد أصداء هذا الفهم تتردد عند الناقد حازم القرطاجني (ت 684ه‍) بشيء من التأصيل من حيث تناسب الأوزان وتغيير مقاديرها إذ الوزن عنده (أن تكون المقادير المقفاة تتساوى في أزمنة متساوية لإتّفاقها في عدد الحركات والسكنات والترتيب) (21). فهو بهذا الإكتناه لخصائص الأوزان من حيث هي متركبة من متحركات وسواكن، بحسب أعداد المتحركات والسواكن في كل وزن منها، أمكنه أن يضفي عليها (ميزة في السمع، وصفة أو صفات تخصه من جهة ما يوجد له.. مما يناسب فيه المسموع المرئي، ولا بد أن يكون كل وزن مناسباً لغيره من إحدى الجهات مناسبة قريبة أو بعيدة) (22).‏

وعلى ذلك فإن أهم الأسس التي يقوم عليها الوزن في منظار الشعر الحر، هي وحدة التفعيلة التي تتكرر مرات مختلفة في السطر الواحد، وهو ما يتناسب مع رؤية القصيدة العربية التي (يحرص –الشاعر فيها –على إعطاء ذلك في البيت ما يستقل في إفادته، ثم يستأنف في البيت الآخر كلاماً كذلك، ويستطرد للخروج من فنّ إلى فنّ، ومن مقصود إلى مقصود، بأن يوطئ المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني، ويبعد الكلام عن التنافر) (23).‏

وهذا الفهم، لا يكاد يختلف عن منظور بعض النقاد المعاصرين فيما يتعلق بأطوال الأسطر أو عدد تفعيلاتها، أو تنويع هذه التفعيلات، حذر الخروج في قصائدهم على مألوف القصيدة العربية وموسيقا الشعرية، لأنها في هذه الحالة "تبدو قبيحة الوقع، عسيرة على السمع (24).‏

وطبيعي أن تكون هذه العناصر المتقدمة من أطوال الأسطر وعدد تفعيلاتها والتنوّع فيها وانفراد بعضها أو مشاركتها غيرها في القصيدة، هي مدار الاهتمام في قضية الوزن الشعري الذي نسجت على أساسه هذه "الملحمة"، فهذه الخصائص الثلاث ليست خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإن بدت أنها صور لتراكيب منتظمة.‏

- طول السطر الشعري وعدد تفاعليه:‏

ولعله من متممات النظر في الأجزاء التي تأتلف منها مقادير الأوزان في طول أسطر الأشعار لهذا العمل الذي نحن بصدده، أن نتعقب ذلك بالنظر الإحصائي الدقيق، غير أن هذا الأمر عسير جداً، لأنّ طبيعة العمل تكتنفه وحدة موضوعية متكاملة، بعيدة عن معيار القصيدة الواحدة التي يمكن تتبع عدد تفعيلات كل سطر من أسطرها، "فالملحمة" –كما قلنا –تأتلف من وحدات كثيرة وهي: الصيحة الأولى، والصيحة الثانية، والصيحة الثالثة، والحساب، والمطهر، والشفاعة، والنار والجنة، وذبح الموت، إضافة إلى أن هذه الوحدات تنتظمها أساليب متباينة ليست من القياس في شيء، إنما هي أشكال ترسخ في النفس من تتبع تراكيب الشعر العربي.‏

ومن هنا، تبدو عملية الرصد هذه لعدة تفعيلات السطر الواحد شائكة وعسيرة في الوقت نفسه، وهذا لا يتأنّى لنا إلاّ باجتزاء مقاطع بعينها من مشاهد الوحدات الأساسية المتقدم ذكرها، وهذا العمل لا تتوفر لـه الدقة المتوخاة أيضاً.‏

وعلى الرغم من ذلك فقد كان الشاعر يجعل الأسطر منها ما يتناسب في عدد من التفعيلات، نحو فاعلن وفاعلاتن وفعولن ومفاعيلن، ومنها ما يتناسب على الضدّ من هذا العدد، نحو مستفعلن وفاعلن، ومن الأجزاء ما يتباين ويتخالف، نحو مفاعيلن ومستفعلن، ولكنه في الأعم الأغلب، كان يحافظ على جعل أسطر الأشعار تشتمل على عدد قليل من التفاعيل، فقد كانت الأسطر التي تتردد فيها تفعيلتان أو ما يلحقهما من أجزاء من تفعيلات أخرى تكتمل في الشطر التالي، في المرتبة المتقدمة لديه، بينما كان يحتل عدد الأسطر التي تتكون من تفعيلات ثلاث، أو ما يلحقها من أجزاء من تفعيلات أخرى تليها، المرتبة الثانية، في حين كانت المرتبة الثالثة للأسطر التي تتكون من تفعيلة واحدة، أو ما يتبعها من أجزاء من تفعيلة أخرى تكتمل في السطر التالي.‏

وطبيعي أن تكون هناك أسطر يتراوح عدد تفعيلاتها بين أربع تفعيلات إلى خمس تفعيلات، وقد تبلغ ست تفعيلات، وهذه تشكل النسبة الأقل بين عناصر أسطر الأشعار.‏

ومن هنا، فإن الجملة الشعرية عند الشاعر تمتد لتشمل عدداً معقولاً من التفعيلات وعدة أسطر، وفي هذا الإطار، فإن الجملة الشعرية المشتملة على عدة أسطر، لا تبعد كثيراً عن عدد تفعيلات البيت الشعري العادي في القصيدة العربية وموسيقاه الشعرية.‏

بقي شيء ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق، وإن تردد ذكره في تضاعيف هذه الدراسة، وهو أن الشاعر كثيراً ما كان يلجأ إلى الاقتباس والتضمين من القرآن الكريم ونخلص إلى القول، بأن الشاعر كان يعمد إلى التنويع في الوزن في أشعاره التي تشكّل منها هذا العمل، لأنه كان يسعى لما يحقق لـه التوافق والانسجام مع مواقفه الكثيرة المتغيرة، ذلك أن أغراض "الملحمة" كانت شتى (وكان منها ما يقصد به الجدّ والرصانة، وما يقصد به الهزل والرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء والتفخيم وما يقصد به الصغار والتحقير –ولذلك –وجب أن تحاكى تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان، ويخيلها للنفوس (25)، ومن هنا كانت القصيدة الحرة تستجيب لهذا المسعى.‏

- القافية:‏

كان للقافية التمكّن في القصيدة العربية، فإن النظر فيها يكون من جهة اعتناء النفس بما يقع في نهاية البيت الشعري، من إيقاع موسيقي حسن (فإنها حوافر الشعر، أي عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه. فإن صحّت استقامت حريته وحسنت مواقفه ونهاياته) (26)، كما يقول حازم القرطاجني.‏

ولقد اهتم هذا الناقد بالقافية وأولاها عناية خاصة، وتكاد الدراسات الحديثة لا تغادر كثيراً من أرائه في هذا الجانب وبخاصة التوقف عند القافية المقيدة دون القافية المطلقة منها، فالقافية المقيدة تكاد تكون من مستلزمات القصيدة الحديثة، فإن نسبتها فيها هي الغالبة.‏

ولقد توقف عند هذه الظاهرة الدكتور شكري عيّاد في كتابه "موسيقى الشعر العربي"، وفسرها على أساس من الصوت الساكن ومدى تأثيره اللغوي (فهو يقوم في موسيقى الكلام بوظيفة تشبه قرع الطبول في الأوركسترا، إنه أساسي في ضبط الإيقاع، وبما أن للقافية وظيفة مزدوجة، إيقاعية وهارمونية، فإن الحرف الساكن يصبح لازماً كلزوم اللين، وإن اختص كل منها بجانب من هذه الوظيفة. وإذا انفرد حرف اللين ككثير من الفواصل القرآنية، فإن التأثير الهارموني يكون هو المقصود، وإذا انفرد الحرف الساكن كما في كثير من القوافي المقيدة، فإن التأثير يكون إيقاعياً صرفاً) (27)، ومن هنا اتجهت القصيدة المعاصرة إلى القوافي المقيدة، لأنها تهدف إلى التأثير الإيقاعي.‏

فالقافية في موزون الشعر الحر، ليست من لوازمه أو أساسياته، وقافية الأبيات قائمة بنفسها، لا ينظر فيها المماثلة لأي قافية من قوافي الأبيات الأخرى.‏

تلك هي النظرة إلى تقفية هذه الملحمة، إلا أنها في بعض الأحيان قد تأخذ بالقياس، وتحافظ على الرنّة الموسيقية، أي أن تكون المقاطع أو الأجزاء التي يتألف منها السطر أو البيت متساوية، فالشاعر كان يراعي القوافي المتناسبة، ولم يقتصر على صوغ أشعاره على أساس "حرية الشعر"، فلم يُعَرِّ شعره من القوافي بتاتاً ولكنه إن سلك ذلك، فلطبيعة الموضوع وروح المحاورة، (إذ لا تزال للقافية سيطرة هامة، بل إن بعض الشعراء يركبون من أجلها، في بعض الأحيان، نهايات قلقة في سطور قصائدهم) (28).‏

فلهذين الاعتبارين –طبيعة الموضوع، وروح المحاورة -، أخذت الملحمة بالوزن الشعري القائم على التفعيلات المعروفة، من غير أن تلتزم بالتقفية، لأن التقفية في البيت الشعري أو في الشطرة منه قائمة بنفسها، لا يراعى فيها التماثل في الأغلب. وليس معنى هذه، أننا نفتقر إلى التقفية فيها، بل على العكس، فإن القافية تتلاحم في كثير من الأجزاء لأهميتها الإيقاعية في هذه الصناعة، كقوله على لسان المهدي يخطب في الجموع: (29)‏

"لقد طال انتظار الناس في بوابة الآتي‏

وآن لثورة الإسلام أن تأتي‏

لتعلو فوق فكر الشّرك والطغيان‏

تعلن في ظلام الجور والأوثان‏

.. فجر عدالة الإسلام..‏

........................‏

سيرجع ذلك الظبي الطريد إلى ظلال الكعبة المعطاء‏

وطير من كوى التاريخ يرجع حاملاً نبأ من الصحراء‏

وفي حرم النبوة يسجد الملك العظيم‏

وترقص الأضواء"‏

فالمقاطع، لا تقوم على التشابه ولا التماثل، سواء في التقفية أو طول تفعيلات المقطع الواحد أو قصرها، بل تأخذ بالتنويع حسب المقتضى الفني أو الموضوعي، فتهيأ بذلك الشاعر بناء في متوازن عندما لم يخضع للأشطار الشعرية المتساوية في البيت الواحد، ولذلك كان لـه تعمّقه الخاص به في الفكر والشعور معاً، لأن المادة القرآنية كانت المصدر الأساسي في الإلهام عنده –كما ذكرنا -، وهي مادة تتفرد بجميع نواحي الإعجاز الفني والموضوعي والحجاج المنطقي، إضافة إلى استلهام منهج أهل التصوف في فكرهم وتخيّلاتهم، حتى بلوغ الذروة من العشق الإلهي، فإن الشاعر لـه تجاوب وحضور ذهني واضح في هذه المعاني.‏

هكذا بدا لنا أن هذا العمل قد اتخذ الشكل الحر نمطاً له، وعمل على الإفادة من جو الحرية التي يوفرها هذا النمط الشعري الجديد، وهو إلى ذلك كله، لم يبتعد عن جوهر القصيدة العربية، فالوزن والقافية ظلا عنصرين أساسيين لهما أهميتهما الخاصة، إذ لم يخرج الشاعر عن قوانينهما في الإيقاع العروض الأساسي.‏

وإذ قد فرغنا من هذه الحدود، فلنبحث كيف ينبغي أن يكون نظم "المصطلحات اللغوية" التي تضمنها هذا العمل الشعري، إذ كانت –المصطلحات اللغوية –تثير الانتباه وهي –في الوقت نفسه –لا تدل على مستوى عال من الجودة، إذ يبدو في لغته مزيج من الإبهام الذي يعمد إليه كثير من المحدثين أو "الحداثيين"، نحو قوله: (30)‏

"هذا هو الحلم السرمدي لتوق الحياة‏

تجسد بعد انبثاق هيولى الوجود‏

من النفق الأبيض المستقيم إلى عالم الآخرة"‏

ومن التفاصح الذي يدخل أحياناً في باب الاستعارات غير المفيدة والألفاظ الغريبة، كقوله بعد بضعة أسطر:‏

"وعاد النقاء‏

وعاد السّلام يرنّق فوق حدود القلوب"‏

وأحياناً أخرى في باب الخطأ اللغوي الصريح، كقوله:‏

(غريباً عاد هذا الدين تحمله سواعد "هاؤم" الضعفاء) (31).‏

ومن المهم أن تراعى المناسبة في استعمال كل من هذه الكلمات الغريبة وهذه الاستعارات وهذه الأنواع الأخرى، كما في هذه الصورة الشعرية المركبة، التي تحاول خلق تصورات جديدة، من شأنها أن تحث على التأمل، وتثير الاهتمام، يقول: (ص 125)‏

"هذا الجسد البازلتي انتهشته جراء اللّهب"‏

ومع أن الاعتدال أمر واجب في هذا المجال، إلا أن "نزعة علمية" كان لا تفارق حسّ الشاعر وتسيطر عليه، كما في هذه الأقوال:‏

"ذرة فلز الغيب" (ص 9)‏

"التخمر الأمونياكي" (ص 53)‏

"هجمت حشرات العت.. الأغلوسا" (ص 53)‏

-الشخوص:‏

تقدم القول، بأن هذا العمل الذي نحن بصدده، تتبع أبعاد الملحمة "من حيث هي جنس أدبي" (32)، وكان ذلك حافزاً لأن يأتلف من أجزاء كثيرة (وامتياز الملّحمة من هذه الناحية، يفضي إلى امتيازها بروعة التأثير والتنقل بالسّامع، وتخفيف القصة بلواحق مختلفة) (33). وقد كان يتجاور الوصف فيها والحوار وصور الشخصيات، وفي وصف أخلاقها.‏

ونحاول فيما يلي أن نستجلي الشخصيات الأساسية والثانوية فيها، لتصحّ لنا هذه الدراسة والأحكام والنتائج، فقد كانت تلتقط مادتها من واقع الحياة نفسها، فجاءت المعاني والرؤية الخيالية، وكذلك الأشخاص على انسجام تام.‏

تقوم هذه الملحمة، من حيث الشخوص، والأسلوب القصصي، على أساس اختيار شخصيتين أساسيتين، هما: شخصية الشيخ وشخصية الفتاة، اللتان كان الشاعر يوحى إليهما بما يريد، ففي شخوص أبطال الملحمة دلالات كثيرة على الشاعر، ولكنه لم يضع على ألسنتهم من الكلام ما وضع على لسان "الشيخ" فبصيرة الشيخ وحنكته هما نضج الشاعر نفسه فيما حوله من الناس ومن الحياة، وللشيخ في غضون هذا البصر والنفاذ، كلام هو خليق بأن يجري على لسان الشاعر، من أن يجري على لسان الشيخ.‏

فشخصية الشاعر ذات عمق اجتماعي واضح، تتفانى في محيطها الاجتماعي الذي تصفه، وتستوضح فضائله ورذائله بطريق الرمز الإخباري، وتحاول أن تسبر أعماق النفس وتتحرّى الفطرة فيها، وتهيج العواطف والشعائر، فكانت امتداداً فكرياً للشاعر، أحاطت برؤاه نحو الواقع، والكون من حولـه، فلم تحتبس مخيلته عند قضايا بعينها، بل وجد عالمه أرحب، فاستنطق كثيراً من الأشخاص –بعيداً عن الطبقات الأدبية واللغوية –الذين يستوعبون ثقافة العصر، ويعبرّون عنها بطرائق مختلفة. فكانت الرؤى لأولئك تتميّز بالإحاطة والشمول، وهو ما يمكن أن نصفه "بالحيّز الاستيعابي"، فلم يغادروا فلسفات العصر وتنبؤاته، وعلى الأخص فيما يتصل بقوى الطاغوت التي تؤجّج الفتنة في الأرض، بأسماء واهية مستعارة، لتدوس الأمم والشعوب، فيعبّر عن ذلك صوت الفتاة: (34)‏

"وانسالت يأجوج ومأجوج‏

زحفوا بالنار العصرية لاستعمار الأرض:‏

باسم المدنيَّة‏

باسم مذاهب شرقيّة‏

أو غربية‏

باسم الفكرية داسوا أمماً وشعوباً‏

قتلوا الأطفال.‍!‍.‏

فهذا التعدد في الشخوص، واختلاف الأنحاء فيها، يتيح لملحمة القيامة، أجواء إنسانية واقعية، تقف على حقائق الواقع المضطرب، وترصد أبعاده وتغيراته بأدق المعايير، فهذا "الشيخ" الصوت الرائي، يرصد حركات الناس واختلاط أمرهم بقوله:‏

"رصدت حركات الناس عيون ذئبية‏

كانوا للطاغية عيون القهر‏

تراهم في الطرقات‏

زوايا العمل‏

سرير اللّذة‏

تحت الملعقة..‏

فعلى الرغم من أن هذه الشخصيات تمتلئ بهذه الحيوية المعبرة، فهي تعمد أحياناً إلى أن تلغز، وتؤثر الرمز والإيحاء، عندما تتماشى مع الأحداث، فتحاول أن توجد صلات متينة بين واقع الحياة الدنيا التي تعيش فيها، وتتأثر بدقائقها، وبين المصير النهائي في يوم القيامة.‏

فالشيخ نراه يرمز إلى البعد الروحي الخير الذي يبسط ظله على الملحمة ويوجهها، فإن لفظة "الشيخ" تحمل هذه المعاني من السيادة والترفع والقوة الإيحائية، في تلمس حقائق الأشياء نحو حتمية المصير ونهايته، فإنه العراف المتنبئ بأبعاد الحقائق. فقد ارتسمت شخصيته وقورة ذات تجربة ومراس، لها من بعد النظر ما هيأ لها نفاذاً إلى الحقائق، فإنه يبدو في كثير من الأحيان تجاوز إلى ظاهر الغيب، حتى كأن الملحمة بنيت على ما كان يستشرفه.‏

ومن هنا، فالشيخ والفتاة يجسدان فلسفة الملحمة ورؤاها، فإذا حاولنا أن نستكنه حقائقهما ودورهما في هذه الملحمة، فإنه يعز علينا أن نتعرف إليهما بكل المعاني والأحوال، فهما اللذان يشكلان القضية الأساسية في هذا العمل الذي يجسد حقيقة الوجود وأبعاده، إلى جانب الحقيقة العلوية التي ينشدها أهل الإيمان في عالم "الغيب والشهادة" وهذان الأمران: الدنيوي والأخروي لا يستطيعهما الإنسان على الشكل الصحيح المراد، إذ أن أحدهما منوط بالآخر، وأمام هذه الثنائية المادية والروحانية، فإننا لا نقوى على إضفاء حقيقة واحدة بعينها على الشيخ أو الفتاة، لأن الأدوار تتفاوت بينهما في بعض الأحيان، والغايات تتشابك عند كليهما، بحيث لا نتمثل مجال الفصل بينهما بكل وضوح، إذ هما يؤديان دوراً متكاملاً ذا امتداد واحد، فهما بمثابة الشيخ ومريده الروحي عند المتصوفة، وهما بمثابة الرمز إلى رؤية الشرع وفلسفة العقل، ولعلهما بعد ذلك كله، يرمزان إلى آدم وحواء عليهما السلام، فيعطيان بذلك حقيقة الوجود نفسه، فإنهما يؤكدان هاتين الحقيقتين في كثير من مشاهد هذا الأثر الملحمي، ولعل هذا الاستنتاج فيما يرمزان إليه، يرجع إلى تصور الشاعر في محاولة التأليف بين مادية الإنسان وروحانيته، فالشيخ يحمل تعبيرات قوية تستلهم الشفافية الروحانية، والفتاة تجسد الحياة وتخصبها بمعاني الخير.‏

وعنصر الشخصية في الملحمة ليس دائماً هو الإنسان، فإنه يكون الحيوان كالحشرات والذباب الأزرق "حيوانات الظلمة"، والدابة التي تنهي كل شيء (35)، وأحياناً يكون أجساماً خفية، وفي بعض الأحيان، يتعانق بالأشلاء الآدمية، كالأعين والأقدام والآذان والجلد (36)، ومرات كثيرة يتعلق بالرسل فيسميهم كآدم ونوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام (37)، وعلى العموم، فإن الشخصية وعنصرها، واضحان جليان، فليس ثمة تصور إلا وقد استلهمته الملحمة في تأدية دور بعينه كالمهدي المنتطر(38)، وقوم يأجوج، والدجال الأعور(39)، وفرعون وجماعة الشرك وأهل النفاق(40)، كل أولئك قد كان لهم تحركهم في أدوارهم، فهذه العناصر الشخصية، تجعلنا حين نتأملها، نرجّح بأنها ليست المرادة لذواتها، وإنما هي بمثابة الحقائق التي يمكن تطبيقها على أبعاد الكفر والإيمان.‏

وإلى جانب شخصيتي الشيخ والفتاة، فقد اجتمع لـه فيها أشخاص كثيرون، حتى ليخيل للقارئ أن أهل الدنيا بنماذجهم واختلاف مشاربهم، قد أخذوا أدوارهم فيها، وهذا طبيعي في مثل هذا العمل الذي يتمثل الدارين، الأولى والآخرة.‏

غير أن أسلوب التحاور الشخصي، ليس هو المسيطر في جل الملحمة، بل نجد الشاعر يميل إلى التقسيمات والتفريعات، فيوجد المواقف والموضوعات التي تخفف من حدة التحاور والتجادل، ومع ذلك، فإنه ما ينفك يتمثل بالأشخاص الطغاة والعتاة الجبارين من أهل الدنيا، وتتضح صورة ذلك في المطهر حيث يعذب العاصون بالعذاب(41)، وكذلك في حيز النار وأبواب جهنم السبعة، فإن للشاعر في هذه المواقف اجتهادات جيدة، يتيح لك تأملها، ويكون ذلك في النار السوداء المتمثلة بالبركان الأعمى(42)، وشجرة الزقوم(43)، وغيرها من مواقف، حيث تختتم صورة النار ومشاهدها، ضمن تصور العقل البشري.‏

ومن هنا، فإنه يتحقق في هذا العمل شخصيتان رئيسيتان، هما: الشيخ والفتاة، بحيث نلمح فيهما العنصر النسوي أداة فاعلة وشخصية أساسية، على نحو شخصية "بياتريس" ملهمة دانتي ومرشدته بعد فرجيل في الفردوس في الكوميديا الإلهية.‏

المصادر والمراجع‏

1 ـ أرسطو طاليس، 1967 ـ في الشعر تحقيق د.شكري محمدعيّاد، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.‏

2 ـ باقر، طه، 1980 ـ ملحمة جلجامش. الطبعة الرابعة، منشورات وزارة الثقافة العراقية، بغداد.‏

3 ـ الجيزاوي، سعد الدين، 1967، الملحمة في الشعر العربي. المكتبة الثقافية رقم 182.‏

4 ـ ابن خلدون، عبد الرحمن، 7791 ـ مقدمة ابن خلدون. تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر بالقاهرة، الطبعة الثالثة.‏

5 ـ الروبي، ألفت كمال، 3891، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين. دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت.‏

6 ـ عباس، إحسان، 8791 ـ اتجاهات الشعر المعاصر (سلسلة عالم المعرفة). الكويت.‏

7 ـ عناني، محمد، 1982، الفردوس المفقود (المقدمة العربية). الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.‏

8 ـ عياد، محمد شكري 1982، موسيقى الشعر العربي. دار المعرفة بالقاهرة، الطبعة الثانية.‏

9 ـ القرطاجني، حازم، 1966، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب الخوجة، دار الكتب الشرقية، تونس.‏

10 ـ قلعه جي، عبد الفتاح 1980 ـ ملحمة القيامة. الطبعة الأولى، دار النفائس، بيروت.‏

11 ـ المحاسني، زكي، أدب الملاحم والملحمة العربية. دار المعارف بمصر.‏

12 ـ النووي، محيي الدين بن شرف 1977، منهل الواردين شرح رياض الصالحين. تحقيق د.صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت.‏

13 ـ هلال، محمد غنيمي 1970، الأدب المقارن، الطبعة الرابعة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.‏

14 ـ حلمي، أحمد كمال الدين، 1985، مقال:دراسة حول شاهنامة الفردوسي "ملحمة الفرس الخالدة". مجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر ـ العدد الأول؛ الكويت.‏

* أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة اليرموك ، اربد-الأردن.‏

(1)-كتب هذه الملحمة الشاعر السوري، عبد الفتاح قلعه جي، وقد ولد في مدينة حلب، في سنة‏

1938م، وهو كاتب مسرحي، عمل رئيساً لفرقة المسرح الشعبي بحلب. صدر لـه: مولد النور "ملحمة حوارية شعرية"، وفي المسرح: "ثلاث صرخات"، وفي قصص الأطفال: مسلسل أحاديث وقصص. ويعكف على عمل ملحمي جديد: "الإسراء والمعراج".‏

(2)-د.عناني، محمد، 1982-الفردوس المفقود (المقدمة العربية)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص41.‏

(3)-انظر: باقر، طه، 1980 –ملحمة جلجامش، الطبعة الرابعة، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، ص 42. وانظر: مجلة عالم الفكر، ملحمة جلجامش، مقال الدكتور فاضل عبد الواحد علي، المجلد السادس عشر –العدد الأول 1985، ص 35 –46.‏

(4)-كان لانتقال الحضارة البابلية إلى آسيا الصغرى والجزر القريبة منها، أثر في احتكاك العقليتين اليونانية والبابلية، نتيجة الاتصال بينهما، ولذلك لا يستبعد أن تكون ملحمة جلجامش، من مصادر هيوميروس الإلهامية في ملحميته فيما بعد، وخاصة أن ثمة ملامح تشابهية كائنة بينهما.‏

(5)-كقصة لقمان الحكيم وذي القرنين والخضر التائه، وتبّع الأوسط وشمّر يرعش وقيس بن زهير، وقد نسب للخضر الخلود المطلق. (ملحمة جلجامش، ص 43).‏

(6)-انظر: دراسة حول شاهنامة الفردوس وملحمة الفرس الخالدة للدكتور أحمد كمال الدين حلمي، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر –العدد الأول سنة 1985، ص 69 –130.‏

(7)-د. المحاسني، زكي، أدب الملاحم والملحمة العربية، ص9. وانظر: د. الجيزاوي، سعد الدين، 1967 –الملحمة في الشعر العربي "المكتبة الثقافية" رقم 182 ص 33.‏

(8)-هذه الثنائيات مبثوثة في الملحمة كلها، ومن العسير أن نحيل إلى مظانها فيها، فلينظر إلى ذلك كلّه.‏

(9) -صورة أهل القرية قرآنية، فقد تضمنها القرآن الكريم كثيراً، وهي في الأغلب تجسّد أهل الإيمان.‏

(10) -قلعه جي، 1980 –ملحمة القيامة، الطبعة الأولى، دار النفائس، بيروت، ص 90.‏

(11) -يجسّد موسى عليه السلام، صورة المؤمن القوي الأمين، كما في القرآن الكريم.‏

(12) -ملحمة القيامة، ص 98.‏

(13) -ملحمة القيامة، ص 27.‏

(14)-الملحمة، ص 39.‏

(15)-الملحمة، ص 111. وهذا القول جزء من حديث نبوي شريف، وأوله: يا غلام إنّي أعلّمك كلمات.. رفعت الأقلام وجفت الصّحف. (النووي محيي الدين، بن شرف، 1977 –منهل الواردين شرح رياض الصّالحين تحقيق د. صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ص 94‏

رقم 62).‏

(16) -الملحمة، ص 79 وما بعدها (صور ومشاهد).‏

(17)-الملحمة، ص 196 –197.‏

(18)-ابن خلدون، عبد الرحمن 1977 –مقدمة ابن خلدون. دار النهضة مصر –القاهرة، الطبعة الثالثة، ج 3 /1299 –1300.‏

(19)-د. عياد شكري 1982 –موسيقى الشعر الربي، دار المعرفة، القاهرة ط2، ص 49.‏

(20)-الروبي، ألفت كمال، 1983 –نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، دار التنوير للطباعة والنشر –بيروت، ص 248.‏

(21)-القرطاجني، حازم، 1966 –منهاج البلغاء وسراج الأدباء. دار الكتب الشرقية –تونس،‏

ص 263.‏

(22)-منهاج البلغاء، ص 266.‏

(23)-مقدمة ابن خلدون، ص 1299.‏

(24)-الملائكة، نازك، 1965 –قضايا الشعر المعاصر، مكتبة النهضة، بغداد، الطبعة الثانية، ص 103.‏

(25) -حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، ص 266.‏

(26) -المصدر السابق، ص 271.‏

(27) -شكري عيّاد، موسيقى الشعر العربي، ص 131.‏

(28) -عبّاس، إحسان، 1978 –اتجاهات الشعر المعاصر (سلسلة عالم المعرفة)، الكويت، ص 148.‏

(29) -ملحمة القيامة، ص 105 –106.‏

(30) -ملحمة القيامة، ص 198.‏

(31)-هكذا وردت اللفظة، وهي هنا تقع في باب الخطأ اللغوي الصريح، إذ لا تحتمل في دلالاتها المعنى المراد منها.‏

(32)-هلال، محمد غنيمي، 1970 –الأدب المقارن، مكتبة الأنكلو المصرية بالقاهرة، ط4، ص 143.‏

(33)-أرسطو طاليس، 1967 –في الشعر، تحقيق د. شكري عيّاد، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، ص 136.‏

(34) -الملحمة، ص 11.‏

(35)-الملحمة ص 52 –55.‏

(36)-الملحمة ص 85 –86.‏

(37)-الملحمة ص 126 –129.‏

(38) الملحمة ص 101 ـ 106.‏

(39) الملحمة ص 86 ـ 92.‏

(40) الملحمة ص 95 ـ 100.‏

(41) الملحمة ص 117.‏

(42) الملحمة ص 149‏

(43) الملحمة ص 151.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244