الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
التراث والمعاصرة في مسرح عبد الفتاح رواس قلعجي - د.حمدي موصلِّي

التراث والمعاصرة في مسرح عبد الفتاح رواس قلعجي - د.حمدي موصلِّي

مقدمة حول إشكالية التوظيف والتحديث

مدخل إلى مفهوم التحديث

إن الحديث اليوم عن المسرح العربي كظاهرة أو أصالة في إطار المناقشة المفتوحة، والتي تدور حول التأصيل والتحديث في الفكر العربي المعاصر عموماً والمسرح العربي كأحد الفنون البصرية التي لا يمكن استبعادها من الحديث خصوصاً. لأن المسرح في الأصل نمطٌ إبداعيٌ وممارسة فنية وبنية مؤسسية ارتبط منذ دخوله الأرض العربية، تبعاً لسلطة وسيطرة الأنموذج الغربي/ كما في أجناس الفن الأخرى كالرواية والقصة إلى حد ما/، بكل المتطلبات النص الأدبي التقنية والفنية، وكذلك العرض المسرحي بأسلوبه وأدواته الفنية والتقنية أيضاً.

إننا ننطلق من قناعة منهجية نعتبر في ضوئها أن الممارسة المسرحية العربية منذ ظهورها في القرن الماضي شكلت حالة من حالات الممارسة الثقافية العربية ككل، أي أن المسرح شكَّل عنصراً أساسياً من عناصر بنية الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة. لهذا يجب مطارحة القضايا المسرحية ضمن الإشكاليات المركزية المُشكِّلة لتلك البنية، ومنها مشكلة التأصيل والمعاصرة ضمن مفهوم التحديث العام/ ومنها المسرح العربي.

ـ يشكل مفهوم التحديث واحداً من المفاتيح الأساسية لفهم كل المسار التاريخي من سياسي واقتصادي واجتماعي للوطن العربي في الأزمنة الحديثة. ونظراً للاستعمال السائد والشائع لمفهوم التحديث ولتلك المتغيرات السريعة التي تعصف الآن بالعالم، ومنعاً للالتباس الذي يحيط بدلالاته، فإنه من الضروري أن نرجع إلى هذا المفهوم حتى نتمكن من وضعه في إطاره المعرفي والسوسيو ـ تاريخي.

ـ بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حصول أغلب المجتمعات المستعمَرَة على استقلالها، شاع استعمال مفهوم التحديث، وخاصة في مجال العلوم التطبيقية والاجتماعية. كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية حيث شهدت النظريات والدراسات رواجاً واسعاً في أوساط الباحثين الأمريكيين بالخصوص، ومن ثم في أوربا.

ـ لكن هذا المفهوم ونظراً لرواجه السريع والواسع لدرجة أصبح معها مطاطي المعنى. شابته مفاهيم عدة، وملابسات جعلته يعاني من بنية غير مستقرة المفهوم،"فهو يدل على كل شيء، وفي الوقت نفسه لا يدل على أي شيء، وغالباً ما يتم خلطه بمفاهيم أخرى كالتغريب والتحضر والتصنيع والتنمية بأبعادها الأفقية والعمودية...الخ"([1]). وينطلق النموذج القاعدي لهذا المفهوم من مجموعة الشروط التي تسمح بالانتقال من المحيط التقليدي إلى إطار الحديث.

ـ إن مسألة التأصيل والتحديث في المسرح العربي اليوم لا يقتصر البحث فيها على المسرحين والنقاد فحسب، بل تدخل أيضاً في دائرة اهتمام المفكرين والدارسين لشؤون الفكر العربي والجماليات العربية. "غير أن البعض يلاحظ أن الحركة المسرحية العربية تعاني من تضخم نظري ومن نزعات تنظيرية جعلت المسرح يغترب في أطر أدبية ومتاهات مفاهيمية أصبحت تشكل عبئاً على الفعل المسرحي وعائقاً أمام التواصل الثقافي والفني العربي" ([2]).

ـ أكثر النقاد والمفكرين فسروا استلهام التراث أدبياً تفسيراً إنسانياً عاماً، هو ارتباط الإنسان بتاريخه وثقافته كما يرتبط بواقعة أو بما هو كائن عموماً. ومع ذلك فإن مدلول التراث يبقى واسعاً ممطوطاً، ومتشعباً تعوزه الدقة في التحديد والتعين، والتراث بالتعريف: "هو ما بقي من النشاط الفكري لأمة ما أو لحضارة معينة حمله الأبناء عن الأسلاف معتزين به كل الاعتزاز ومستمدين منه قسمات تاريخية لقوميتهم أو أقوامهم. شعورهم هذا لا يحول بينهم وبين أن يضيفوا بدورهم إليه ثماراً يانعة نضرة من تقدمهم وتحضرهم تؤكد تماماً أنَّ هناك سلسلة متصلة من حلقات الإسهام والإضافة مستمرة عبر الأجيال وإلى ما لا نهاية"([3]).

والتراث في حد ذاته هو إضافة قيّمة للحضارة الإنسانية تمكنه من النجاة من عاديات الزمان فالأسلاف بعد أن أدوا أدوارهم على مسرح التاريخ تركوا ميراثاً غنياً، وكبيراً جداً خلال آلاف السنوات، غير أن الزمان لا يحفظ منه إلاَّ البقايا التي تمس شفافية الروح الإنسانية العامة من خلال المقومات القومية  والوطنية لتلك الأمة بعينها. فالشعر مثلاً إنما هو جزء ضئيل مما قيل في حياة كل أمة من نظم، غير أنه الجزء الأرقى منزلة والأوثق صلة بالإنسانية العامة والأرسخ قدماً في ميزان القيم الجمالية التي تحظى بتقدير الناس في كل جيل ولدى كل شعب من الشعوب، وهذا يبرز لنا عنصر الانتقاء أو الاصطفاء التاريخي والحضاري فيما يخلد من آثار فنية وفكرية، وهو العنصر الذي يحدد أيضاً إطار التراث فيبقي على كل ماهو جدير بالبقاء، وما غير ذلك للفناء.

ـ لقد ظلت إشكالية التأصيل والمعاصرة (التحديث) تدخل ضمن اهتمامات أغلب المفكرين والدارسين لشؤون الفكر العربي و الجماليات العربية. غير أن بعضهم، ومنهم المسرحيون العرب الذين رأوّا أنها مرتبطة بالتراث وغالى بعضهم لدرجة كبيرة حين اعتبرها أنها مندمجة فيه تماماً. إن طرح هذه الإشكالية على هذا الأساس (الاندماجي) أوقعها في مزالق جمة، أهمّها الطرح الانفعالي لها، وهو طرح موتور (ناقص) غير مؤسس لـه أصلاً، والذي انطلق من ثنائية الأصالة والمعاصرة.. "فالأصيل لا يمكنه إلاَّ أن يكون معاصراً ولا يمكننا أن نتصوره منفصلاً عن المعاصرة" ([4]).. ولا يمكن للأصالة أن تحتوي المعاصرة أو العكس، ولا يمكننا أن نتصور أيضاً أن اندماجاً كاملاً بينهما، بل هناك ترابط عضوي منفعي متبادل بينهما. ويؤكد الدكتور حسن حنفي هذا الترابط فيقول ".. إنما تعني الأصالة والمعاصرة وحدة باطنية وعضوية بينهما." ([5]).. وهو يقصد بذلك أن يتم تحقيق وحدة متكاملة ذات طبيعة عضوية في حياة الفرد والمجتمعات، وهي هنا تكاد أن تقترب من حالة الاندماج. فالأصالة تعني: إعادة قراءة التراث قراءة متأنية وفق رؤية معاصرة، لأننا حين نتعامل مع التراث فإننا نتعامل معه خارج إطار عملية السكون إلى جانب الحركي (الديناميكي) فيه وهذا تحول. بمعنى أننا لا نتعامل معه من وجهة نظر سكونية (مادة خام) مصدرها الماضي الذي انتهت وظيفته، وإنما نتعامل معه من موقف حركي فاعل ومستمر يساهم في تطور حركة التاريخ وتغيّره. فالفكر الإنساني هو خليط من موروثات تراثية منتجة ومنتخبة والتي فرضت وجودها انطلاقاً من جدلية (التأثر والتأثير) وعلى هذا الأساس كان كل تراثٍ لا يؤكد وجوده وقدرته على الاستمرارية ومواكبته لحركة التاريخ المستمرة هو عاق ولا يعتبر أصيلاً ".. لأنَّ الارتباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية حتمية، تجعل الماضي منعكساً على الحاضر ومؤثراً في المستقبل، وتجعل ذلك حركة التاريخ كلية لا تتجزأ"([6]).. إنَّ مادة التراث كانت ولا زالت المصدر الرئيسي والهامّ من مصادر الأدب العربي والإسلامي منذ بداية عصر النهضة وبداية ظهور عوامل تفتح الوعي القومي والسياسي للواقع العربي الراهن المعاش، وقد أدى ذلك إلى بروز دعوة إحياء القديم والتمسك به، وربطه بالحديث.

مهما اختلفت المذاهب بين القديم والحديث، أو بين المعاصرة والأصالة، اعتدالاً أو تطرفاً فإنَّ الأدب بفنونه الموروثة  والمستحدثة حرص في كل الأحوال على أن ينتخب مادته الأولية بكل أبعادها من التراث الذي اجتمعت ملامحه لدى كتابنا، ومن مصادره المختلفة /التاريخ الإنساني المدون والأساطير والقصص والسير والحكايات الشعبية ومن الذاكرة الجمعية الشفوية، وما أضيف عليه فيما بعد وأصبح أصيلاً.

الكاتب ومنهجه في استلهام التراث والتحديث:

عبد الفتاح رواس قلعجي المسرحي والباحث والناقد والشاعر، وأحد أهم الأسماء المسرحيين العرب الذين ولعوا بالتراث والتجريب، وهو ابن مدينة عريقة بالفن ومدرسة في الغناء والموشحات والطرب حلب الشهباء.. دائماً يحب أن يطلق على نفسه (الباحث المسرحي).. وليس الناقد أو الكاتب. مؤلفاته كثيرة ومتنوعة زادت عن ثلاثين مؤلفاً في المسرح والتراث والدراسات النقدية المسرحية والتراجم والشعر.

أما عن النهج الذي اختطّ وسار عليه عبد الفتاح قلعجي في استلهام التراث في أشكاله وصيغه التأريخية الجاهزة والتاريخية العامة والشعبية (المكتوب منها والمحفوظ) وتوظيفه لها، يمكن حصرها في النقاط التالية:

1 ـ لم يتجه إلى التراث ليمارس حنينه نحوه وحسب، وإنما ليمارس بعداً أنطولوجياً كشرط ضروري وحاسم يرتبط بوجود المسرح العربي المعاصر ذاته. هذا المسرح الذي واجه الاختيار (الهامليتي) الصعب. أن تكون أو لا تكون..؟! حيث كان هذا المدخل (الأنطولوجي) ضرورة لتحقيق كينونة هذا المسرح.

2 ـ إن هذا التوظيف يرى فيه "القلعجي" الأداة التي تحقق نوعاً من التواصل الفني الذي لا يتجاوز الطرح المباشر للقضايا. وهذا شأن العديد من المبدعين الذين تعاملوا مع النص التراثي والقلعجي مثل غيره من المبدعين، مهمته لا تكمن في إيصال المعارف فقط، بل تكمن أيضاً في تحقيق نوع من التأثير والجمالية كما في مسرحية /هبوط تيمور لنك/..

3 ـ لم يستفد من الحادثة التاريخية بشكلها(الفوتوغرافي) المباشر وإنما استحضرها للتدليل بها فلجأ إلى الرمز ودمجه في الحدث المعاصر وصنع منه لبوساً فضفاضاً، وبهذا يمتد خيط التاريخ ليصل إلى الحاضر عبر دلالات إيحائية وأخرى فنية وهذا محقق بشكل جلي في مسرحية /دستة ملوك يصبون القهوة/ ومسرحية مدينة من قش.

الباشا:

هو.. و.. عظيم.. اكتب يا كتخذا

(كتخذا يكتب).. فرمان.

بأمر مولانا الباشا المعظم، ناصر الدين والدنيا، قاهر المشركين والمحتلين والغاصبين، مقيم العدل في الأرض، ورافع الظلم عن الكل والبعض، المجاهد المؤمن، والكريم المحسن، الدائم حكمه بين الحاكمين، دام عزه إلى يوم الدين.

يعين جحا قاضياً للقضاة، وحماره مستشاراً وكاتباً ومحامياً، وقشقو نائباً عاماً على أن تكون الأحكام حسب القانون، والقانون هو سيد الجميع.(من مسرحية مدينة القش)

4 ـ استمد القلعجي شحنة خطابه المسرحي من المرئي التاريخي دون التوغل فيه، لأن الفعل موجه من الخارج، ليفسح المجال للواقعي ولمتواليات الحياة، حتى إن الكتابة في مسرحيتَيْ /هبوط تيمور لنك ـ ودستة ملوك يصبون القهوة/ تموقعتا داخل أنساق مكانية مليئة بالصراع: الكهف المكان الرئيسي والذي يمثل حجرة في قطار الجحيم الهابط نحو العالم السفلي المفترض، ومنه إلى المدن التاريخية، سمرقند وفارس ودمشق وحلب.. الخ. (في مسرحية هبوط تيمور لنك).. أما في مسرحية/ دستة ملوك يصبون القهوة/.. بلدة كفر سلام الموقع والانطلاق نحو التاريخ.. وصندوق الدنيا شاهد عصر، حيث تتحول إلى رموز مكانية تجتمع كلها لتأطير كل شيء؛ لأن البنية المكانية محكمة الإغلاق ومحاطة بسياج حاد لا يترك المجال لتسيب حركة شخوص المسرحية خارج النص والكتابة، وبلجؤئها إلى هذه الأماكن تعكس شبكة علائقية متعددة الدلالات.

5 ـ ولوج عبد الفتاح قلعجي  إلى قلب الحدث التاريخي السكوني (المادة الخام)، وتفجيره إلى وحدات حركية أو شبه حركية وإعادة تركيبها برؤيا أقرب للمعاصرة.

6 ـ الاتكاء على الرمز شأنه شأن العديد من المسرحيين العرب في ذلك، وهو يقترب في ذلك أيضاً من الدراما الطليعية/ اللا معقول/ في بناء هيكلية شخصياته ونوازعها. استفاد من /غودو/ وانتظاره المرير لصومائيل بيكيت في مسرحية هبوط تيمور لنك، ومن كوميديا ديلارتي في تشكيلها الغولدني في مسرحية مدينة من قش، وعكس حيوات هذه الشخصيات، وواقعها على الواقع المعاصر والراهن، وفي زمان ومكان مفتوحين.

يقول عبد الفتاح قلعجي في كتابه مسرحيتان مدينة من قش ومسرحية فنتازيا الجنون:

"في بحثنا عن فرجة مسرحية عربية لمشاهد عربي ذات طابع جماهيري، وانطلاقاً من مواقع التأسيس لمشروع آخر في المسرح العربي، بحيث يحمل هذا المسرح خصوصياته الأسلوبية وجماليته الفنية وقضاياه الفكرية والسياسية والاجتماعية، كان لابد من العودة إلى الرموز والموروثات العربية والتراثية، وإعادة إنتاجها في تشكيلات معاصرة تستفيد من معطيات  الاتجاهات المسرحية العالمية المعاصرة. وهذا اتجاه من اتجاهات عديدة في تأسيس لمسرح عربي أكثر مواكبة وحداثة".

التاريخ بين الرؤية والصياغة الفنية في مسرحية هبوط تيمورلنك

(الهبوط الأول)..

1 ـ المادة التاريخية:

إن العمل الأدبي يضاء حين نعي مرجعه تماماً، بل نرى أن المرجع تميز أدبي، تميز ينهض من إدراك التخيل وقدرة الذاكرة ومقدار الاستقلال فيها عن الواقع المادي، ومقدار فهمها له. ذاكرة تستقل حاملة أثراً دلالياً للموقع الذي منه نهضت وشكلت علاقة بينها وبين الواقع المادي الاجتماعي والسياسي، وتحولت إلى ذاكرة مبدعة اعتمد الكاتب فيها على حقائق تاريخية،وتعامل معها واستفاد منها بمصداقية ومن غير تحريف، أو تشويه مستفيداً من كتب التاريخ ومقابلاً بين الروايات التاريخية.. للوصول إلى الرواية التي تفيد في رسم الشخصية والبناء الدرامي..

فمن هو تيمور؟ ومن هو حسن وبايزيد؟.. ومن هي سارة وألجاي، ومن هم تقي الدين ونور الدين وحافظ الشيرازي ونائب القلعة وابن خلدون..؟الخ.

1 ـ تيمور بن طرغاي من قبيلة البارلاس التترية.. وبلاد التتار تقع بين إيران والصين، وتدعى بلاد ما وراء النهر (نهر جيحون).. والتتار رجال أشداء، تزوج تيمور من الفتاة (ألجاي كان آغا) وأنجبت  لـه ولداً سماه (فاتح العالم)..

2 ـ الصلة بين تيمور لنك والأمير حسين وردت كما جاءت في بعض مراجع التاريخ.

     ملاحظة: في المسرحية استخدم المؤلف اسم حسن بدلاً من حسين.

     وقد تزوج تيمور من (ألجاي) أخت حسين، وعندما توفيت، انقطعت الرابطة التي تصلهما فعاد الصدام بينهما، وعادت الحروب من جديد حتى انتهت بقتل الأمير حسين. وقد تزوج تيمور من امرأته سارة بعد قتله.

3 ـ جعل تيمور لنك عاصمته /سمرقند/ ودهن مبانيها باللون الأزرق، حتى سميت بالعاصمة الزرقاء.

4 ـ حصار دمشق: أثناء هذا الحصار، كانت هناك شخصيتان تاريخيتان هامتان لعبتا دوراً رئيسياً فيه وهماً:

الأول: تقي الدين قاضي دمشق الذي كان يدعو إلى السلام وتسليم دمشق دون قتال أو مقاومة.

الثاني :  نائب القلعة/ الاسم غير معروف/ الذي كان يحض الناس على القتال ضد تيمور لنك./ كما ورد في التاريخ.

5 ـ لقاء تيمور لنك بحافظ الشيرازي شاعر الفرس المعروف والحوار الذي دار بينهما منقول حرفياً تقريباً من سيرة حافظ الشيرازي وأيضاً من كتب التاريخ.

6 ـ لقاء تيمور لنك مع ابن خلدون.. وكيف رسم لـه ابن خلدون خطط أفريقيا وهو يعلم أنه يريد أن يغزوها.. هذا اللقاء حقيقي ومنقول حرفياً من كتب التاريخ. 

7 ـ نور الدين: قائد جيوش التتار في عهد تيمور.

8 ـ /نمتار/.. هو الاسم الحقيقي لشخصية أسطورية ميثولوجية  وردت في الديانات القديمة كحارس للمملكة السفلى /الجحيم/.. وقد استخدم المؤلف الشخصية الأسطورية كدلالة ربط بين عوالم المكان وشخوص الحدث من جهة وشخصية تيمور وأفعالها من جهة أخرى..

وشخصية تيمور كما يصورها التاريخ الذي استمد منه القلعجي مادته تتسم بجبروتها فهي قوية فتّاكة وقاهرة وأقرب لشخصية /نيرون/ حارق روما..

تيمور لنك: أنا قاهر العالم/ص8/.. أنا الذي غزوت العالم برجال توران وأبطال إيران، ونمور تركستان وفهود ساجستان ونسور المغول وثعابين تدكان وجوارج جورجان وعقبان صفانيان وأسود خراسان وذئاب الري وأفيال الهند وكباش اللور وثيران الفور وعقارب شهرزور وحشرات عسكر عكرم وجند سابور وفواعل التراكمة والأوباش../10ص من مخطوط المسرحية/.. يقال: عندما ماتت زوجة تيمور لنك (ألجاي) وهي صغيرة، حزن عليها وغزا العالم من البحر إلى البحر ومن اليابسة إلى اليابسة، ودمر وقتل واغتصب وأحرق كل شيء صادفه من أجل أن ينتزع زوجته من براثن الموت في العالم الآخر.

ولكن كيف تعامل القلعجي مع هذه الشخصية شبه الاسطورية ذات النوازع الفردية النرجسية الغريبة وتوابعها وهل نجح في سبر أغوارها سبراً معاصراً..؟ بمعنى هل وفق القلعجي في تعامله مع هذه الشخصية، وعكس حالتها التاريخية على المعادل المقابل له. على أرضية الواقع الراهن.. كأن تلتقي هذه الشخصية بتوأمها المعاصر؟..

2 ـ القصة المسرحية/ سر اللعبة/

هبوط تيمور لنك: مسرحية مطبوعة، كتبت أول مرة عام 1979م وصدرت في كتاب يجمع  مسرحيتين هما/صناعة الأعداد +هبوط تيمور لنك/ عام 1980م عن دار ابن رشد في بيروت. والمخطوط الأصلي لهذه المسرحية موجود صورة عنه في مكتبتي الخاصة. قسّم القلعجي مسرحيته إلى ثلاثة أقسام /ثلاثة هبوطات/ وهي بالتتالي:

الهبوط الأول ـ الهبوط الثاني ـ الهبوط الثالث ـ وبهذا يكون قد استغنى عن الفصول والمشاهد المتعارف عليها في النص المسرحي.  وكلمة هبوط تستمد شرعية وجودنا من واقع الأحداث التي تحفل بها المسرحية. ولم توضع جزافاً بل موظّفةً مسخرة.

الهبوط الأول: (نكتفي بدراسة الهبوط الأول من المسرحية) يتحدث عن أربعة شخصيات بينهم امرأة /حسن، بايزيد، تقي الدين، سارة: جمعهم مكان واحد (كهف) غير عادي ولا يشبه الكهوف المتعارف عليها، فهي مقطورة لقطار يسير بسرعة الضوء يعبر نفقاً نحو العالم السفلي في الطريق إلى الهاوية.

سارة:

(تكلم نمتار).. أليس لديكم سجن خاص بالنساء؟..

نمتار:

لست في سجن يا امرأة.. أنت في العالم السفلي في الطريق نحو الهاوية..

هكذا بين الحين والآخر يستيقظ بعض ركاب القاطرات، ثم يعودون إلى النوم..

وستبقون هكذا إلى أن ينادي عليكم..(يخرج،.. وينقطع صوت القطار.. (11 ص المخطوط) وكذلك يمكن التعرف على طبيعة المكان والاستدلال عليها في الصفحات../10 و13/ نفس المصدر..

في هذا المكان المركّب تبدأ رحلة الشخصيات مع المكان أولاً ومن ثم تحاول التعرف إلى نفسها ثانياً/ حالة أهل الكهف في القرآن الكريم/.

حسن:

لابد أنني غفوت قليلاً.. لعلي أحلم، ربما لا زلت نائماً..

(يحرك ساقيه ويديه، يفتح عينيه بقوة)..

لم يعد هناك شك..(يتحسس المكان)..(ص2).

وتتالى الشخصيات بالاستيقاظ وتبدأ في بناء أفعالها  مع الواقع الجديد بالنسبة لها، في البدء تعيش حالة اللا وعي، حالة من الفوضى وعدم التوازن  مع نفسها

من تكون..؟ وكيف وصلت إلى هنا.؟، ومع المكان وغربته، الصفحات: 3، 2، 4/ ثم تبدأ هذه الشخصيات تدريجياً استعادة حواسها على مستوى الذات/ الحالة الخاصة لكل شخصية/..

حسن:

نحن أحياء وهذا هو المهم.. أحياء بالتأكيد.. ها أني ألمسكم..

تقي الدين:

أعتقد أننا الآن في منجم للفحم.. دعونا نتذكر.. هل حدث انهيار وأغلق علينا المنجم؟.. في الحقيقة أنا لا أذكر اسمي.

بايزيد:

وأنا لا أذكر شيئاً.

سارة:

يهيأ لي أننا متنا وبعثنا من جديد.. ص4.

ـ هنا لا بد من الإشارة إلى أن الجملة الاسمية منجم الفحم.. تهيئ لنا بدء الحالة المعاصرة، ذلك لأن مناجم الفحم لم تكن قد عرفت أو اكتشفت قبل منتصف القرن السابع الميلادي وعلى نطاق ضيق. وتستمر هذه الشخصيات في البحث الدؤوب عن غربتها، وخلال ذلك تكتشف أنها تلقت دعوة غامضة من قبل شخص قبيح الوجه وعليها انتظاره.

من يكون صاحب هذه الدعوة.؟. متى يأتي.؟ وتتأكد حقيقة صاحب هذه الدعوة من ذلك النقش الذي يكتشف أثناء البحث عن معالم المكان، والنقش هو الصورة /الذاكرة المنقوشة/.. الحقيقية لتلك الشخصيات التي جمعها المكان (الكهف) بالإضافة إلى الشخصية الغائبة عن المكان.

ألا تلاحظون..؟

تقي الدين:

(بدهشة).. غير معقول..؟!

سارة:

(يقفز مرتعباً).. لا.. لا يمكن أن أصدق ذلك..؟!

حسن:

(لسارة).. يا للشيطان.. هذا أنت..؟!

بايزيد:

وهذا أنت..!

سارة:

(لحسن).. النقش يشبهك تماماً

تقي الدين:

(لتقي الدين).. وهذه صورتك

حسن:

انظروا ثمة خامس

سارة:

نحن ننتظر وافداً خامساً.. (صمت)

الجميع:

وينتظر الجميع القادم لعله يحمل معه الذاكرة.. من هو القادم..؟ ومتى سيأتي؟ إنه انتظار الخلاص (غودو القادم)..؟!..

الجميع بصوت واحد: أقبل أيها المنتظَر.. مهما كنت: شراً أنت.. خيراً أنت، أقبل أيها المنتظَر.. /ص6 المخطوط/..

في المحرم والقدسي، للأنبياء معجزاتهم فإِعجاز موسى عصاه وإِعجاز عيسى إحياء أمواته وشفاء مرضاه والسير على الماء وغيرها وإعجاز نبي الإسلام القرآن الكريم، ولعل القلعجي أفاد من ذلك فجعل لكل شخصية من هذه الشخصيات أداتها (معجزتها) الخاصة بها، تحملها معها لأنها جزء من تكوينها التاريخي ثم المعاصر.

حسن:

شخصية المغني والشاعر والموسيقي (صاحب الطنبور) وعضو نقابة الفنانين. وصهر تيمور (غودو القادم).. الذي قتله وتزوج من زوجته سارة.

(يغني).. أقبل أيها المنتظَر.. أقبل أيها المنتظَر.. أقبل أيها الحرف الخامس

سارة:

المرأة الجميلة والتي يعشقها الجميع/ هي الآن في الكهف بين براثن الكل/ والكل يريدها على طريقته.

حسن:

دعونا نتسلى

بايزيد:

بماذا..؟

تقي الدين:

بماذا.. لا شيء هنا ننتسلى به، لا كرة، لا حوض سباحة، لا شطرنج..؟

حسن:

نتسلى بالحب.. لعبة طيبة../ نحن أربعة وفتاة واحدة، لا يعقل أن تكون لنا جميعاً، فلنر من الذي يستطيع أن يظفر بقلبها.

سارة:

ولكنني نسيت فعل الحب منذ مدة طويلة

حسن:

ستساعدنا هذه اللعبة على التذكر..

أما "تقي الدين" قاضي دمشق في التاريخ.. فهو الآن أيضاً في الكهف محاصر كما حوصرت دمشق، يحمل إعجازه في يده (الكتاب).. وأي كتاب هذا؟.. تاريخ.. قانون.. أدب.. سياسة.. زراعة.. صناعة.. في الفكر الرأسمالي.. في الفكر الاشتراكي.. في الأخلاق.. إلخ.. إنه صالح لكل زمان ومكان.. تقي الدين: يوجد فيه بعض القصص ولكنه ليس رواية

بايزيد:

أهو كتاب جنسي؟

تقي الدين:

عيب يا رجل؟!

سارة:

لعله كتاب تاريخ؟

تقي الدين:

... لا أنكر.. لكنه ليس بكتاب تاريخي..

سارة:

أخلاق

تقي الدين:

الأخلاق ليست في الكتب

بايزيد:

إذن نحافظ عليه

تقي الدين:

من يقرأه يصبح دمه حاراً

سارة:

أهو كتاب ثوري..

تقي الدين:

طبعاً.. الحيطان لها آذان..

ـ أما "بايزيد" صاحب المعول أداته التي يبحث عنها، وأخيراً يجده مدفوناً في الكهف، فيلتقطه ويحاول جاهداً الخلاص من الكهف بواسطته ولكنه لم يفلح، فالرطوبة والعفونة تملأان المكان.

الكل ما زال ينتظر القادم الخامس.. والكل يريد أن يلعب وعلى طريقته، وأخيراً.. "المخلص" يظهر، إنه تيمور "الخامس المنتظَر" الذي وَفَى بعهده وحضر بشخصه وفي كامل أناقته التترية وتاجه على رأسه وسلاحه إلى جنبه، ولم يخلف وعده كما أخلفه (غودو في انتظاره الطويل) عند صومائيل بيكيت..

ـ تبدأ لعبة الحب، وكل منهم يحاول تقديم أوراق اعتماده ليفوز بقلبها، لكنهم جميعاً يفشلون بالاختبار الذي قدموه.

بايزيد:

أنت أيتها الفتنة الطاغية.. تعالي.. تزلزلني حركة النهدين.. يا امرأة من نار.. أمامك رجل لا يشيخ.. إذا أحببتك حفرت لك بمعولي الجبال..

سارة:

(تدفعه).. أنت ممثل فاشل.. ص9

ـ وكذلك يتقدم حسن ويعلن عن حبه بالغناء والعزف.. لكنها ترفضه ويناصرها الجميع

بايزيد:

فنان فاشل

تقي الدين:

ألحانه مسروقة

تيمورلنك:

هل أحطم طنبوره؟

بايزيد:

رَجْعي ما زال يؤمن بنظرية الفن للفن

 

ـ وكذلك يفعل تقي الدين، الذي يبدو أنه أكثر (حرفنة) من زملائه فهو مزاود من الطراز الأول وشعاراتي من النوع الرفيع، وقد تقصد الكاتب أن يلبس هذه الشخصية الثوب ذاته الذي ترتديه هذه الفئة من العيارين عبر تاريخها الطويل (الحوار السابق)..

تقي الدين:

كلاسيكي عميل.. أين أنت من الواقعية الجديدة

بايزيد:

والواقعية الاشتراكية؟

تقي الدين:

والاشتراكية الواقعية.. أين الثورة.. والثورة المضادة..؟

تيمورلنك:

لا أفهم هذه الفلسفة، دعوني أدق عنقه وأحطم طنبوره

تقي الدين:

(يناجي سارة).. حبيبتي قوامك كالرمح ونظراتك كالسيف يا رمز النضال.. نهداك قنبلتان، وكلماتك رصاص.. أيتها الكلمة التي يحملها الثوار منارة.. إلخ..

تيمورلنك:

لا.. لا أحتمل ذلك، هذا خطر وتتحدث عن الثورة.. هذا خطر.. أنا تيمور

 

 

 

ـ تستمر هذه اللعبة وتستمر معها لعبة موازية بين تيمورلنك ونمتار حارس العالم السفلي، هذا الأخير يجرد تيمورلنك من سيفه ودرعه وتاجه بالقوة والتهديد ويكرر هذه العملية أكثر من مرة، وفي كل مرة يصادر فيها ما تبقى من أشيائه، رغم ما يبديه من احتجاج صارخ حيال ذلك.

ـ مشروع سارة الجديد /اللعبة مستمرة في الهبوط الأول/

هي استمرار لرحلة الذاكرة واكتشاف ما تبقى من عوالمها في إطار مشروع سارة الجديد لاستكمال حالة الماضي واسترجاع ما تبقى من الذاكرة المنسية.

حسن:

يجب أن نتغلب على الجحيم

بايزيد:

كيف؟

حسن:

نحن بحاجة أولاً إلى أن نتذكر

سارة:

إذن نلعب لعبة أخرى

حسن:

ما هي..؟

وتبدأ اللعبة من جديد،، تيمورلنك منذ عبوره الكوّة السقفية إلى داخل الكهف هو أكثر وعياً لحالته التاريخية من الجماعة في الكهف، تلك الجماعة التي تعيش حالة اللاوعي وعدم التوازن /حالة ازدواجية/.. وهو يرفض في أي وقت أن ينضم إليها وقد أراد لـه الكاتب أن يكون هكذا، وتنبع هذه الإرادة برأيي من سببين:

1ـ سبب مباشر: هو أن تيمور يمثل للكاتب همزة وصل بين الحضور التاريخي الكامل للشخصية على مستوى الشكل والفعل وبين الواقع المعاصر، والراهن لفعل الجماعة.

2ـ سبب غير مباشر: تيمور بحد ذاته يمثل عنصر تحريض هام لجماعة الكهف التي غيّبها الكاتب عن قصد وأدخلها في متاهة اللاوعي، وهو بذلك يحقق تفجير إرهاصاتها الداخلية إلى وحدات مختلفة رغبة في معاصرتها من جهة وتحقيق انتمائها التاريخي الأصلي من جهة أخرى.

ملاحظة: في كتابنا /إشكاليات التحديث في المسرح العربي المعاصر/ دراسة موسعة لمسرح عبد الفتاح قلعجي تتضمن بالإضافة إلى الهبوط الأول الهبوط الثاني والثالث. واكتفينا هنا بالهبوط الأول لنفسح المجال لمناقشة مسرحية أخرى من مسرحيات القلعجي الهامة.

التوازي والتقاطع مع الواقع في مسرحية اختفاء وسقوط شهريار

تشكل العودة إلى التراث الحكائي في ألف ليلة وليلة مغامرة لمن هاجسه التجريب. وقد كانت عودة المؤلف إلى حكاية علي نور الدين وجاريته أنيس الجليس نموذجاً لمنهجه في التجريب على الموروث الشعبي.

يقول في التوجيه: هذا النص هو كوميديا شعبية احتفالية تَعرض بأسلوب الفرجة العربية وشروطها حكاية من الموروث الكتابي الشعبي تتقاطع وتتوازى مع حكاية معاصرة.

غير أن الواقع لا نلمسه في الحكاية المعاصرة فحسب وإنما نلمسه أيضاً في طبيعة تفكيك وإعادة تركيب الأحداث في الحكاية التراثية، وفي مجرياتها وفي الحوارات التي تختزن في مفرداتها وكناياتها وإشاراتها سخرية معاصرة وناقدة.

تقول شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان في البصرة ملك يقول إنه يحب الفقراء والصعاليك ويرفق بالرعية.

هذا الملك وهو محمد بن سليمان الزيني يقول لوزيره: يا أبا علي لقد حكمنا فعدلنا، وحُرِسنا فأمنّا، ألا يحق لنا أن نمتع أنفسنا قليلاً كي نتفرغ لشؤون الرعية ولا نمد أعيننا إلى ما متِّع به غيرنا؟

الفضل:          هل يفصح مولاي عما يريد؟

الملك: أريد جارية لا يكون في زمانها أحسن منها.

هكذا تبدأ المسرحية وتستمر. ألفاظ وعبارات تخرج من كنانة التراث لتنفذ كالسهام في جسد الراهن. وهذه الجارية أنيس الجليس هي منطلق الأحداث، حيث يعجب بها علي نور الدين ابن الوزير الفضل وهي التي اشتراها للملك لصالح التنمية الثقافية! فيأخذها لنفسه، ويتعرض الوزير وابنه والجارية لسلسلة من المكائد يحيكها الوزير المعين وبخاصة بعد أن يموت الفضل ويبدد ابنه العاشق أمواله في السكر والعربدة والغناء حتى يضطر إلى عرض جاريته للبيع ثم هربه إلى بغداد مدينة السلام! إلى أن يكون الخلاص على يد الخليفة شاه زمان الذي يستصفي لنفسه العاشقين ويعين عليّاً ملكاً على البصرة ويأمره بالبقاء مع الجارية إلى جانبه ويأتيه خراجها.

شاه زمان: يا علي اسكن أنت وزوجك القصر النفيس وكلا من نعمتي رغداً، واختر نائباً عنك في البصرة يحكم باسمك ويأتيك بغلتها، وتذهب إليها متى شئت، ستكون أنت نديمي وأنيسي الجليس مغنيتي، فتمام الملك لا يكون إلا بقينة ونديم!

الفساد الاجتماعي والسياسي هو النسيج الذي تتقاطع وتتداخل فيه خيوط الواقع الحكائي بالواقع الراهن، وبات جلياً أن المؤلف لا يهدف إلى مجرد سرد حكاية من التراث.

تتوازى الحكاية التراثية مع أحداث معاصرة بطلها كاتب مسرحي فقير هو السيد كاف يقوم بكتابة هذه المسرحية، وزوجته التي ترهقه بطلباتها ثم لا تتورع عن أن تتعامل مع الأمن لترسل زوجها إلى السجن بوساطة شريط تسجيل، والسبب دائماً اقتصادي وأخلاقي، وثمة سبب آخر هو العِنَّة التي يعاني منها الكاتب، مثل شهريار المصاب بهذه العِنَّة وهو في المسرحية عاجز عن الكلام يصدر أصواتاً حيوانية ويذب البعوض عن وجهه وجسمه في رمز واضح إلى من قتلهم ظلماً بسبب عجزه الجنسي. وإذا كانت العنة تبدو في ظاهرها جنسية لدى الاثنين إلا أنها في حقيقتها لدى شهريار عِنَّة سياسية ولدى الكاتب ثقافية. المرض إذن هو في الدماغ الذي تتحرك به جميع الأعضاء.

تقول شهرزاد لشهريار: مولاي إن مرضك فيما يؤرقك.. التنظير يشير إلى أن هنالك ورماً خبيثاً مستفحلاً في الدماغ، لا لن يفيد العلاج بالليزر، لا بد من استئصال الدماغ.

وتقول زوجة كاف لزوجها: لم تستطع أن تكون صوفياً فترى أن السعادة هي لذة الحياة الآخرة. ولا واقعياً فترى أن السعادة في الفوز بلذة الحياة الدنيا، ولكن العجز جعلك فيلسوفاً، والفلسفة عجز وسكون وأنتم مثقفون مخصيون.

وإذا كانت شهرزاد تنتقم من شهريار بحكاياتها حتى تجعله يضمحل ويتلاشى في نهاية المسرحية. وزوجة كاف تنتقم أيضاً من زوجها وتجعله يتلاشى في أعماق السجن أو الموت، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن الشخصيتين غير متوازيتين وإنما هما متعاكستان، والأمر نفسه لشخصيتي شهريار والكاتب كاف.

هذه المسرحية المبنية بناء ملحمياً متداخلاً أكثر منه حكائياً استدعت معادلاً سينوغرافياً يقوم على عدة مستويات:

المستوى الأول: هو مستوى منطقة الرواية حيث يقوم عرش شهريار في عمق وسقف المسرح. وشهرزاد كلما بدأت رواية أحداث ليلة جديدة ترقى إليه درجة في السلم، وشهريار المشغول بالطعام وكش الذباب يصغر بطنه ويتضاءل جسمه وينحل حتى يختفي تماماً ثم تحتل العرش صوره إلى أن يتداعى وينهار العرش.

المستوى الثاني: هو مستوى الحكاية حيث يقوم قصر الملك الزيني في البصرة، ونهر دجلة وقصر شاه زمان.

المستوى الثالث: هو مستوى التماس وتوليد الحدث الحكائي والحدث الراهن حيث تتحرك في مقدمة المسرح الشخصيتان المعاصرتان السيد كاف وزوجته.

هذه المستويات تشكل مساحات وفضاءات للشخصيات التي تزخر بها المسرحية ولأفكارها. فهناك الطبقة الفوقية المسلحة بالمال والسلطة، وهناك الطبقة التحتية ومثالها الصياد كريم وابنته والتي تمثل الشعب الفقير الكادح، وهي طبقة مهملة معاناتها مستمرة ولا نهاية لأحزانها وفقرها.

يقول الصياد لابنته عندما تمر جنازة الوزير الفضل: إنهم يبكون على الوزير يا ا بنتي.. أما نحن فنحيا ونموت ولا يبكي علينا أحد.

وهنالك فضاء الطبقة الفكرية والمتوسطة بكل تعاستها وتناقضاتها ونموذجها السيد كاف وزوجته.

ـ اختفاء وسقوط شهريار واحدة من المسرحيات التي كتبها المؤلف بهدف التأصيل لمسرح عربي بعد عدة بحوث نشرها تحت عنوان "مشروع آخر في المسرح العربي" ثم وثقها في كتابه مسرح الريادة وتعمد إلى استلهام التراث وألوان من الحياة العربية ثم موازاتها ومزاوجتها بالمشكلات الاجتماعية والسياسية والفكرية المعاصرة من خلال نقاط تماس حارة مع الواقع المعاش.


([1]) مفهوم التحديث واستعماله في سوسيولوجيا المجتمعات النامية. د.محمد شقرون ـ مجلة الوحدة ع 85/1992م/ ـ /1412هـ/.

([2]) ـ مجلة الوحدة العدد 94/95/ أغسطس ـ آب/1992. المسرح العربي هموم ووقائع ـ ص/3 المقدمة ـ التحرير/.

([3]) ـ إبراهيم در ديري ـ تراثنا العربي في الأدب المسرحي ـ الناشر جامعة الرياض 1980 من مقدمة الكتاب..

([4]) ـ مجلة عالم الفكر ـ العدد الرابع 1987/ رمضاني مصطفى ـ توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي ص 79.

([5]) ـ مجلة المستقبل اللبنانية ـ عدد 29/ 1981/ ص133. 

([6]) ـ عالم الفكر ـ نفس المصدر السابق.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244