الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

((العرس)) رحلة المتعة المفيدة في معادلة الألوان المسرحية ـ د.فايز الداية

1ـ يشهد مسرح الحمراء في دمشق تجربة متميزة في الحركة المسرحية المعاصرة في القطر ذلك أنها تجمع عدداً من القضايا، وتحاول الإجابة عن أسئلة كثر تكرارها في الأجواء الفنية.‏

إن العرض المسرحي "العرس" لمؤلفه عبد الفتاح قلعه جي ولمخرجه محمد الطيب، ولمجموعة الفنانين في المسرح القومي. اجتهد في الوصول إلى صورة المسرح الشامل وقد نجح إلى حد كبير، ذلك أنه يعرض قطاعاً من الأرض العربية إبان الحرب العالمية الأولى والاستعمار العثماني يجثم عليها فتتبع الأحداث والصراع الذي تعاظم بين الطغيان والرغبة في الاستقلال والحرية، وعرض الملامح الاجتماعية للعلاقات في المجتمع العربي في سورية آنئذ فتمثلت قسمات العادات الشعبية للخطوبة والزواج، والتي تتآزر فيها روح المجتمع بتكافله ودفاعه عن قيم الخير ليستمر نماؤه رغم الشوائب والمعوقات وخفقات الأفئدة بين المحبين، وتثابر المسرحية على تنامي أحداث الفرد مرتبطة بمصير الوطن، ويظهر على أن الخلاص لا تنفصم عراه بينهما.‏

استعانت مسرحية "العرس" بالموسيقا والغناء والرقص الشعبي وصيغ الاحتفال إلى جانب البناء الدرامي لتغدو تلك الحقبة من تاريخنا ماثلة حية تضج بأنفاس مَنْ عَمَّروها، وتجد منفذاً إلى نفوسنا، فهي لا تكتفي بما يتجسد أمامنا من مواقف وما يتبدى من الآراء، وإنما تكسر الرتابة أو جمود المسافة بين المتفرج وأحداث الخشبة لتغمر بدفء الطقس الاجتماعي وحرارة التفاعل معه، وإن الحشد من الأدوات الموسيقية والغنائية وملامح الرقص لا يدفع به في سبيل متع خالصة يسترخي معها المتفرج وإنما تتعامد مع حركة الحدث التاريخي وعوامل الصراع مما يجعل من الموسيقا أداة فاعلة في تكوين شمولي.‏

2ـ الحكاية بين النص والعرض‏

كتب عبد الفتاح قلعه جي "عرس حلبي" وطبعه قبل أن يقدم هذا العرض المسرحي الذي نتحدث عنه وثمة فرق كبير بين العملين ففي المطبوعة حرص المؤلف على جزئيات ودقائق للأحوال الاجتماعية في مناسبتي الخطوبة والعرس ثم في الأحزان، وكان تدوينه وثائقياً لهذا وللقدود والأغنيات والهناهن وأناشيد العراضة، ووصف الملابس والحركات من خلال تسجيلية عملية، وامتدت نتيجة لذلك الأمكنة وتعددت على نحو يصلح لتنفيذ تلفازي أو سينمائي ويصعب تحقيقه أو متابعة التنقل فيه، وترتب عليه أيضاً ذوبان الفعل الدرامي ووضوح القسمات لكل شخصية من الشخصيات الكثيرة.‏

أما في "العرس" عرضاً مسرحياً حيّاً فقد استفاد قلعه جي من المادة المكتوبة مشذبة ومحدودة وأعطى فرصة عملية للمخرج كيما يستوعب المكان المسرحي أجواء البيئة، ولتبرز شخصيات أساسية وهي تلعب دورها في الصراع والتنامي، ومن حولها الأهل والأقارب والجيران أو الخصوم بكلمة مجملة استطاع القلعه جي إغناء الجانب الدرامي ليقف على قدميه في مسرحية شاملة:‏

انقسمت الشخصيات إلى مجموعتين متواجهتين الأولى فيها أبناء الحارة ـ وهم الشعب ـ حسن الفنان لاعب خيال الظل (الكراكوز) وأهله والجيران ليلى وأهلها وعدد من الذين يكدحون ويسعون وراء لقمة تسد الرمق ويحلمون بيوم تظلل الحرية الديار ويبذل الشباب جهدهم ودمهم في سبيل قضية الوطن لا قضايا المحتل العثماني وأطماعه التي من أجلها سيق زهرة شباب الشام في الحرب الأولى "السفر برلك" وتحتمي هذه الجماعة في بعض المواقف بالخندقاني أو الفتوة الذي أعطاه المؤلف طاقة إيجابية على نقيض ما كان عليه في النص المطبوع، وهذا ضمن تماسكاً أكبر في البناء الدرامي بدلاً من التشتت والتوزع، والمجموعة الرئيسية الأخرى يمثلها الأمباشي التركي رئيس المخفر وعسكره والمختار الذي يمشي في ركابه، وظاهرة التاجر الجشع (ميسور) والفران المنحرف ديبو وكذلك المرابي اليهودي، ويتجلى التسلط والهيمنة والتحكم في أعمال الأمباشي وتلاعبه بقوائم المجندين واستيلائه على قوت الشعب ومؤونته ثم في محاولته ضم ليلى خطيبة حسن إلى حريمه، وكذلك في ذمته الفاسدة، ونلمح أنانية وجشعاً عند التاجر والمرابي وتتفتح وردة الحب والأمل مع حسن وليلى في حلم المستقبل الأفضل وتعترضهما صعوبات منها صلف الأمباشي وطمعه، ويتعمق الصراع والمواجهة بمواقف الفنان حسن الذي يحمس الأهل وروّاد المقهى ويثيرهم ضد العثماني، ويكشف الظلمة وألاعيبهم، ويوظف فنه ليكون صيحة الحق ويدخل في مواجهة فنية فكرية مع الحكواتي (وإن يكن دور الأخير قصيراً في العرض) الذي يبدو ممالئاً للوالي والأمباشي يبارك قصصه.‏

رغم أن الخندقاني وأهل الحارة استطاعوا إتمام فرح حسن، فقد أوقع به الأمباشي بعد مدة قصيرة وسيق إلى الحرب مع العثمانيين، وتعيش الحارة المأساة من جوع وأوبئة ورحيل الأحبة وخواء الديار، وتكشف بعض النفوس الضعيفة إلى أن تنجلي الغمة ويعود حسن ليبدأ فجر جديد وآمال مع الدولة العربية والتحرر من نير العثماني.‏

كان الأمباشي رئيس المخفر العثماني ظلاً للوالي وصورة للسلطة الغازية التي تستنزف خيرات البلاد وتحل بهم الخراب، فلقي مقاومة على رأسها الخندقاني من طرف، ومن طرف آخر عمل حسن بالفن والفكر إلا أن الشباب والفكر طاولا الزمن فعاد حسن وقد تأصلت مواقفه بالمعاناة والتجربة المرة، فتجوهرت الكلمة والرؤية مع غد أفضل.‏

المسرح الشامل في عرض "العرس" يجعل من البناء الدرامي ـ رغم تماسكه إلى حد كبير ـ واحداً من العناصر، وقد قامت المكونات الأخرى بدورها فهي إما جزء من الطقس والاحتفال الاجتماعيين في الحقبة التي تتوضح معالمها وما كان يغلي من تيارات، أو أنها تعبر عن المواقف والحالات وكذلك "العراضة" ومشاهد خيال الظل "الكراكوز" التي تحدثت عن الملك اللاهي الطاغية واستهتاره وخوفه من كلمة الحق وإن جاءت ساخرة ضاحكة مع "كراكوز وعيواظ" من حاشيته.‏

3ـ جماليات العرض المسرحي‏

استفاد المخرج من حدود المكان في مسرح الحمراء فجعل الطرفين الأيمن والأيسر يمتدان إلى الصالة ويشتملان على المنازل وعدد من الدكاكين وكذلك المقهى حيث الحكواتي وخيمة كراكوز، وفي صدر المسرح يقبع المخفر والسجن، وفي الجانب الأيسر ارتفع قوس يمتد بعد ذلك عمق الحارة إضافة إلى مداخل جانبية، وترك أعلى المنازل مجالاً لإطلالة النسوة في حالات متعددة فرحاً ولهفة وحزناً فأعطت بعداً وعمقاً، وكان للمئذنة موضع في ارتفاع وعمق لصدر المسرح.‏

إن معمار "العرس" وظف بشكل جيد وأتاح لجميع الممثلين الذين زادوا على الستين ساحة وسط الخشبة، ثم إنها تمتد بطول الصالة بين المتفرجين وتدور وراء الكواليس في حركة دائرية ثم إن هذا المعمار تضمن القدرة على الاستجابة للمشاهد الجانبية والداخلية انطلاقاً من المشهد الأساسي في أحد أطراف المسرح فعندما دار الحديث بين حسن وأمه وأخته أضيئت الزاوية اليمنى لدى مشهد الفرن وعناء الناس أيام الحرب وجشع ديبو الفران، وفي لقطة أخرى مع الحديث نرى رئيس المخفر الأمباشي والمختار، وكذلك في حكاية أصل كراكوز وعيواظ يتحدث حسن في المقهى يسار المسرح فنعود لنرى تشخيصاً حياً يؤديه الممثلون في وسط الخشبة.‏

مهما يطل الكلام على الجوانب المادية والفنية الشكلية فلا بد من أن نقف عند التمثيل لأنه النبض الحي في المسرح فإما أن يتدفق وإما أن يتحول إلى تصنيف شكلي خارجي، ولعل التحدي الساعي إلى خلق المتعة مع جرعات فكرية هو ما جعل الممثلين في معظم الحالات يتفاعلون مع المشاهد سواء كانت رئيسية أو مساعدة إلا في حالات سأذكرها فمن حسن (الزيناتي قدسية) وليلى (فلدا سمور) والأمباشي (محمد جبول) والخندقاني (ياسين الأرناؤوط: إلى الممثل الذي يصدح صوته في العراضة مروراً بعدد من الفنانين الذين حاولوا أن يعطوا الانطباع بتلقائية المشهد (سعاد عمر: الأم وهيفاء واصف الأخت) ورياض شحرور ومحمد طرقجي في دوري الفران وميسور، وعبد السلام الطيب في دور هام هو عبدو الجدبة لأنه يتطلب تقمصاً متميزاً يخرج به عن نطاق المألوف ويقنع في الوقت نفسه بالتموج الذي يطرأ عليه فتنطلق كلمات الحكمة والكشف ممزوجة بنغمة الصوت: الاندفاع أحياناً والمسكنة في أحيان أخرى، وإن الأداء لهذا الدور يمشي على حافة دقيقة والميل إلى طرف يؤدي إلى الافتعال والهيئة المبالغ فيها، والانحراف إلى طرف آخر يصم الحركة بالبطء، وقد اجتهد "الطيب" ليعيش في أجواء "عبدو" إلا أن الدور يحتمل التجويد الأعمق.‏

أما المشهد المزدوج لحكاية كراكوز وعيواظ فهو استخدام ذكي للخشبة في عمقين مع الربط بينهما ولولا ضعف شخصيتي الحارس والششتري لاستفيد من جهد بسام لطفي وعبد الفتاح مزين اللذين كانا قادرين على ملء المشهد وهذا دليل على أن الإجادة على المسرح جماعية يمكن أن تفسدها أخطاء هنا أو هناك.‏

اعتمد المخرج على الاتصال المباشر بالجمهور من خلال تدفق العسكر من الصالة إلى الخشبة وتجوال العرضة بين مقاعد المتفرجين، وكذلك في امتداد المقهى إلى داخل الصفوف الأمامية، إضافة إلى الخطاب المباشر في بداية العرض. وهذا لا شك مأخوذ من التغريب البريختي رغم الإعلان عن ضجر من غربة المسرح المعاصر ورغبة في شخصية مستقلة للمسرح العربي وتجاربه. إن السعي إلى تفرد لتجارب عربية لا ينفي معطيات معاصرة فالمعول عليه هو أساس التوظيف وتعميق الرؤية الفكرية، ولقد وقع المخرج في مأزق المبالغة عندما كان يصر في المشاهد الأولى وكذلك الأخيرة على إشراك شخصيات بألبسة معاصرة أوربية في خضم الملابس التاريخية والفلكلورية. وكذلك في تركه الدرك بملابس مما نألفه اليوم وميز رئيس المخفر بطربوش مع الزي العسكري، وما أدري هل من قصد فني (يعمق التغريب ويرتبط بالجمهور) أم هو سهو في استكمال الأزياء لأننا في العمل كله أمام لوحات من التاريخ القريب بطوابعها وتقاليدها وأي كسر للوحة يحدث خللاً في التلقي، إضافة إلى كلمات غريبة عن عصر الأحداث (كلمة الجلطة على لسان الملك والوزير في قصة كراكوز وعيواظ) ويمكن الرجوع بسهول إلى صور المرحلة التاريخية لتدقيق الألبسة.‏

كانت الموسيقا "في العرس" سواء الفلكلورية أو الملحنة الحديثة في حالة توهج امتدت إلى أناشيد العراضة. ولقد تجاوب الممثلون في الألحان والكلمات والمواويل في أدائهم الحي على المسرح (الزيناتي قدسية)، وفي متابعة التسجيلات الممتازة في صنعتها التقنية ولعل كثافة الأغاني الشعبية وائتلافها مع المواقف أعطت نمطاً عالياً من عرض التراث الموسيقي، وهذا يرشح أعمالاً أخرى قادمة تقوم على التعاون بين المسرح القومي وفرقة أمية وعدد من المحليين خاصة إذا ما عمق الاتصال بين الحدث والجزء المغنى والمؤدى حركة راقصة تعبيرية.‏

تبقى لمحة تتصل باللغة فقد مزج العرض بين الفصحى والعامية من غير مسوغ، وكان الأداء الفصيح قادراً على التلون وإعطاء خلجات النفوس، ومناقشات الفكر على لسان حسن، وإن يكن حوار رئيس المخفر بالتركية (النبر والتنغيم وبعض الكلمات التركية) معقولاً بعض الشيء، فلا بد من أن نطوع لغة المسرح، والفن نمط مميز وليس نقلاً حرفياً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244