|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الطليعة والتجريب.. في مسرح عبد الفتاح قلعه جي - نجم الدين السمان بينما كان المسرح السياسي. المتأثر بالمدرسة البريختية، سائداً عقب نكبة حزيران وطوال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ كان عبد الفتاح قلعه جي يأخذ مساراً مفارقاً في كتاباته الإبداعية للمسرح. سماها "المسرح الطليعي". تلك التسمية لا سيما في مهرجانات الهواة المسرحية في سورية، أثارت نقاشات لاهبة بعد كل عرض كانت فرقة إدلب المسرحية تقدمه عن نص للقلعه جي تلو نص، حتى لكأنها اختصت بنصوصه عبر مخرجها المتميز أحمد مروان فنري. في الوقت الذي كانت فرق حلب المسرحية هاوية ومحترفة، تتحاشاها! مفارقتان اندمجتا في ذاكرتي عن تجربة القلعه جي في الكتابة المسرحية، وقد عاصرتها تجسيداً وقراءة وعروضاً منذ "غابة غار ـ طفل زائد عن الحاجة ـ ثلاث صرخات ـ اللحّاد" وحتى مسرحياته "عرس حلبي ـ هبوط تيمورلنك ـ اختفاء وسقوط شهريار ـ باب الفرج" مروراً بمسرحيتيه: "الشاطر حسن ـ الملوك يصبون القهوة" وليس انتهاء بـ "فانتازيا الجنون" التي اعتبرها إرهاصاً بمرحلة جديدة في مسيرة القلعه جي المديدة في الكتابة المسرحية. الطليعية.. مفاتيح التجريب إشكالية التسمية وَسَمَ القلعه جي المرحلة الأولى في كتابته للمسرح بـ "المسرح الطليعي"، وهي ملتبسة وإشكالية، بسبب من تركيبها اللغوي مجازاً ودلالة على أن الطليعية سيرورة في الفن والحياة.. بهذا المعنى، يكون مسرح "هوميروس" طليعياً، كما كل انعطاف مسرحي يشكل تجاوزاً أو إرهاصاً بجديد. هكذا حال تسمية "المسرح التجريبي" أيضاً، لأن التجريب سمة إنسانية لولاها ما تقدمت البشرية فكراً وفناً وعلوماً وبهذا المعنى يكون أبو خليل القباني تجريبياً، كما الطيب العلج، كما محمود دياب، كما وليد إخلاصي وسعد الله ونوس ومحمد أبو معتوق وغيرهم، لأن العمر الزمني القصير للمسرح العربي قياساً للمسرح العالمي في شرقه أو غربه، لم يكن مسرحنا من إرساء نموذجه، أو مدارسه، أو صوته الخاص، وأنا أعتبر المسرح العربي منذ بواكيره الأولى، التي لا تتعدى منتصف القرن التاسع عشر، وحتى راهننا، لا يزال في مرحلة التجريب، وفي مرحلة البحث عن هويته وصوته وفضائه، لا سيما انقطاعه عن الطقوس المسرحية الأولى، انقطاع تاريخ مديد وانقطاع بنية معرفية ما بين فجر التاريخ في سورية ومصر وبلاد الرافدين وبين بواكير النهضة العربية الحديثة. يعزز هذا الانقطاع أن مسرحنا العربي قد تمثل النموذج الغربي الأوروبي في المسرح، ولا يزال يتمثل تجاربه ومدارسه، رغم المحاولات الجادة لتأصيله باستلهام التراث، لا سيما ما تبقى من طقوسه المسرحية الشفوية المتواترة، ومن الخصوصية الحكائية، ومن أشكال الفرجة الشعبية، أو ما تبقى منها قبل اندثارها الوشيك. من هاهنا، ولغير ذلك من الاعتبارات، سأتحفظ على تسمية "المسرح الطليعي" فيما يخص مسرح القلعه جي، وغيره.. وفي ظني أن مسرحه ينقسم إلى ثلاث مراحل، في سياق بحثه التجريبي عن تأصيل المسرح في حياتنا العربية المعاصرة، ومن خلال رؤيته الخاصة وبحثه الدؤوب. "الطليعية" ملتبسة بالوجودية وبالعبث تلعب سيرورة الشخص دوراً هاماً في تحولاته، وتلقي بظلالها على أفعاله، ومنها فعله الإبداعي، هكذا أرى الأمر بعيداً عن مدارس الحداثة الغربية التي قالت بموت المؤلف في نصه، ثم طالت النص نفسه بالتفكيك إقصاء للمعنى. لهذا اعتبر مسرحية القلعه جي "غابة غار" جسراً بين الشاعر الذي فيه، وبين المسرحي الذي يطمح أن يكونه، لا سيما لجهة اللغة الشعرية التي كانت محرق جملته المسرحية، طاغية على ما عداها من خصوصية اللغة المسرحية في "غابة غار" ثم توارت في النصوص اللاحقة لصالح الدراما، وإن لم تختف ظلالها تماماً، ثم هناك التجريد، والحدث المجرد، والأفكار المجردة التي يفترضها الشعر بخصوصيته بين الأجناس الأدبية.. في الشعر يطغى صوت الأنا في مواجهة عالم خارجي مقاد غالباً، بينما يفترض المسرح تعدد الأصوات حتّى داخل الصوت الواحد. حمل القلعه جي من الشعر لغة عالمة وذاتاً يائسة من أي تغيير لصالح المتسامي في البشر، كما حمل أسئلة ذات ظلال وجودية، وتشاؤماً ذا ظلال نيتشوية، وعبثاً إزاء كل صيرورة دنيوية لا تتخطى دنياها إلى اليقين السرمدي.. كل هذا على أرضية من نشأة دينية في فضاء الحارة الشعبية الحلبية، قريباً من قلعتها ومن مزارات المتصوفة والتكايا والأذكار. الصبغة التشاؤمية في نصوص مرحلته الأولى، عززتها النكسة، حتى لكأنها صرخة إنسانية لا خلاص فيها ولا أمل، أما فضاءات نصوص تلك المرحلة فمغلقة.. الكهف في مسرحيته "طفل زائد عن الحاجة" حيث يدور حوار الزوج وزوجته في اللايقين، بعد انقطاع أي اتصال لهما مع العالم الخارجي، في حين ينتظران طفلاً لن يولد، رغم كل سمات الحمل، بل إنه الطفل الزائد عن الحاجة، وفي الدلالة يصير الوجود الإنساني نفسه زائداً عن أي حاجة في زمان مهشم وعقيم وقابل للفساد كالمشيمة ذاتها.. هل هذه إحالة إلى أمةُّ هُزمت؟! محصلة مثل هذه الصيرورة أن يتحول الزوجان في نهاية النص إلى تمثالي مانيكان.. إنهما يتشيأان بعد اغتراب دواخلهما بالتعارض مع كل خارجي فاسد ومهزوم. في نصه "اللحّاد" تغوص مدينة في باطن الأرض ـ أي: إلى مكان مغلق ـ لا يتبقى منها سوى المقبرة ـ والمقبرة فضاء مغلق ـ وسوى لحّادها في مواجهة رسام يعلق لوحاته على شواهد القبور.. "رسومه غامضة، قاتمة الألوان، ضبابية" وبعد حوارات ذهنية مستفيضة عن الجدوى وعن اليقين يتمدد الرسام طواعية في قبر، والقبر رحم مغلق، ليبقى اللحّاد سيد مكانه وزمانه.. فهذا عصر لا يحتاج لغير اللحّادين. لا أظن أن القلعه جي قد غادر هذه الأجواء نهائياً في نصوصه اللاحقة، فها هو في نص طازج لـه "فانتازيا الجنون" يعيد إنتاج الفضاء المغلق، حيث المكان مسرح مهجور مغلق في طرف المدينة، هناك بالطبع بضعة قبور بأشكال متنوعة, الزوج وزوجته.. ينزاحان ليصيرا المهرج وزوجته، أما اللحاد فيصبح جنرالاً أوحد يتحكم بمصائر الشعوب، والنقلة التي توخاها القلعه جي ها هنا هي مزج الذاتي الحائر حول جدوى وجوده، بالكوني الملتاث بفوضاه المنظمة تحت رداء العولمة. التجريب تأصيلاً للتراث في مسرحنا كأنما القلعه جي قد استنفذ مدارات مرحلته الأولى "الطليعية" أو أنها استنفذته بذهنيتها المكثفة التي تخاطب نخبة عالمة دون الجمهور الواسع. من مسرح النخبة إلى مسرح الفرجة يتوخى القلعه جي رؤية مقاعد المسرح محتشدة بجمهور عام، ها هنا ينفتح الفضاء المغلق من كهف ومقبرة وبرميل زبالة إلى خشبة قابلة لكل احتمال بصري باستلهام الحكاية التراثية كما في "اختفاء وسقوط شهريار"، باستلهام التاريخ أسئلة في الراهن كما في "هبوط تيمورلنك"، وباستلهام أنماط العيش لدى الناس أفراحاً وتقاليد كما في "عرس حلبي". تنضفر عناصر الحكاية التراثية والشعبية بتجلياتها البصرية خيال الظل ـ صندوق الفرجة ـ الراوي بأشكال الحكواتي والشاهد على حدث يجري وعلى تواريخ، ويتم تطويع اللغة المسرحية لصالح تعدد الأصوات في النص تخففاً من اللغة الشعرية المجردة، ويتخذ الحدث الدرامي تجليات ملموسة تخففاً من الذهنية.. وبالطبع، لا تختفي سمات المرحلة الأولى كلية لكنها تتوارى، قليلاً أو كثيراً لصالح اختلاف الخطاب واختلاف توجهه. يصبح سؤال التاريخ في الراهن، وسؤال الراهن عن التاريخ، هاجساً أساساً في المرحلة الثانية من مسيرته الطويلة، لكأن ذلك يستدعي لغة خطاب مباشرة كما في نصه "الملوك يصبون القهوة"، حتى كأنه درس في التاريخ، رغم الاقتراحات البصرية التي يتوخاها القلعه جي فضاءً للمسرح الشامل حواريات وحكايات، خيال ظل وصندوق فرجة، مادة حلم وقائع ملموسة، لغات إخبار وتعبير وشعرية نازفة، بعضها يتلمس بنية اللغة التراثية صرفاً وبعضها يتلمس المنطوق الشعبي للشخصيات.. هناك أيضاً الشعر الفصيح ـ الشعر الشعبي زجلاً ومواويل وأغنيات وعدّيات. كل ذلك يختلط في محاولة تجريبية لتجسيد معادلة صعبة يراهن عليها القلعه جي، هذا الرهان.. الرهان على الفرجة المسرحية الشاملة يأخذ القلعه جي إلى صراط رهيف يفصل ما بين مسرحية المسرح وما بين تهافته في الشعبية. الصراط.. مفردة ومفهوماً، كثيراً ماتتردد في نصوصه المسرحية، وسأستعيرها ها هنا حتى أرى نص "الشاطر حسن" صراطاً اجتازه القلعه جي بكثير من المراهنة على إقصاء المسرح التجاري جانباً ربما ببعض أدواته وتوابله نفسها. ربما هو الواقع المسرحي المنحسر عالمياً ومحلياً، هو الذي أعطى لذاك الرهان مسوغه، فكاد الرهان ينزلق نحو دغدغة جمهور الشباك.. الجمهور الذي لم يستطع أن يرتقي به المسرح الطليعي أو المسرح التجريبي فاستقطبته على الدوام الفرق التجارية. "الشاطر حسن" تكاد تكون نافلة في تلك التجربة الطويلة، بينما أرى نص "عرس حلبي" تجسيداً لصورة ما توخّاه القلعه جي للمسرح المفتوح، مسرح الفرجة، المسرح الشعبي، المسرح الشامل.. مهما اختلفت مفاتيح التسمية. ثمة نص مسرحي جديد بين يديّ، يرهص بمرحلة ثالثة في سياق تجربة القلعه جي وتجريبيته.. "فانتازيا الجنون" نص يزاوج ما بين المرحلتين السابقتين ليستخلص معادلة صعبة طالما توخاها المسرح العربي بحثاً عن هويته.. هكذا، يضاف عبد الفتاح قلعه جي إلى قائمة الكتّاب العرب المسرحيين الذين كان التأصيل في جذر إبداعهم والتجريب في فضاء ما يحلمون به تجسيراً لعلاقة مع جمهور ينحسر.. بل إنه الجمهور الغائب، المغيّب، وإنها المسارح المهجورة، المنذورة للعتمة وللغياب على ندرتها من الماء إلى الماء. ينحسر المسرح عن حياتنا وتتكاثر المهرجانات، ينسرب المسرحيون من فضاء المسرح المفتوح إلى زوبعة الألوان في شاشات التلفاز، يتقلص الكتاب المشتغلون على نصوص المسرح، حتى إن جمعيتنا، جمعية المسرح في اتحاد الكتاب، تضم أقل عدد بين الجمعيات الأخرى.. ربما في هذا دليل عافية من جهة ثانية، لأن تكاثر الأعداد استنساخاً يحيلني إلى نص للقلعه جي عنوانه "صناعة الأعداد" في مفارقة ساخرة وأليمة ومتشائلة في آن معاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |