الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

صعود العاشق قراءة مسرحية في التراث الصوفي - د.خالد محيي الدين البرادعي

مسرحية صعود العشق لعبد الفتاح قلعه جي، مبنية أصلاً على أعتاب حكاية صوفية للشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار الذي عاش خلال القرن السادس الهجري وترك منظومته الخالدة: منطق الطير التي شغلت النقاد والمستشرقين إلى اليوم.‏

أما الحكاية التي مسرحها عبد الفتاح فهي: "حكاية الشيخ صنعان وعقده الزنار لعشقه الفتاة المسيحية" وهي شعرية دقيقة البناء والمدخل والنهاية. تحكي قصة شيخ متصوف عاش في مكة بين مريديه خمسين سنة ثم أبصر في نومه أنه رحل إلى بلاد الروم وسجد للأصنام. وتكررت رؤية هذا المنام. حتى عقد العزم ورحل وهناك أبصر الفتاة خارقة الجمال التي وقع في حبها لمجرد رؤيتها. وبعد التذلل أمامها والسجود على قدميها أمرته أن ينسى ما تعلمه من الدين والفقه. وأمرته أن يستبدل ثيابه ليخلص من آثار ماضيه. وأن يشرب الخمر، وأن يرعى الخنازير بعد السجود للأصنام وبعد أن تخلى عن ذاته السابقة، وأمسى كالظل ليونة للفتاة الجميلة لمدة سنة كاملة. ومريدوه ينصحون لـه فلا يسمع ويذكرونه بماضيه الجميل النقي فلا يذكر. عادوا إلى مكة تاركين شيخهم صريع هذا العشق المدمر بين يدي الحسناء التي لذ لها إذلاله الدائم. حتى هيأ الله للمريدين شيخاً زارهم في مكة وسألهم عن الشيخ صنعان. وعندما أخبروه وبخهم لتركهم إياه صريع تلك الحال. وحمسهم ليسافروا من جديد إلى بلاد الروم. وهناك فتح الله عن بصيرة الشيخ صنعان الذي عاد سيرته الأولى ورحل معهم إلى مكة تائباً من سكرة العشق التي داهمته سنين. ويفاجأ الجميع بالفتاة المتكبرة تجري خلفهم بحثاً عن قتيلها وصريع عشقها الجسدي. قاطعة المسافات الطويلة سيراً على قدميها لترتمي عند قدمي الشيخ معلنة إسلامها وتوبتها. وتلفظ أنفاسها بين يديه.‏

هذا اختزال غير دقيق للحكاية الجميلة التي كتبها شعراً الصوفي الشاعر فريد الدين العطار النيسابوري. فماذا أخذ منها قلعه جي وكيف حولها إلى بناء مسرحي. وهل أضاف إلى بنائها ما يثيرها أم ظل على هامش العطار الشاعر؟‏

بعد نقل عبد الفتاح هذه الحكاية بتفاصيلها من حالة السرد القصصي إلى حالة المشهدية المسرحية. لنحس أننا نشاهد على المنصة أو نقرأ على الورق مسرحية جميلة رشيقة بعد أن خلصها الكاتب من خصوصية الماضي السردي. وحملها في لحظات الآن لتجري أحداثها أمامنا بين سبعة من المريدين والشيخ صنعان وسرب من الجواري إضافة إلى الأميرة الرومية ذات الجمال الجسدي المغسول بالنورانية الصافية.‏

وكان ما قرأناه في صيغة الماضي سرداً في حكاية. يتجسد أمامنا حواراً وحركة. فنرى المنام الذي رآه صنعان، وقد أغناه الكاتب بسرب من الحسان يطفن حوله حتى ينزعنه من الجو الصوفي إلى جو أكثر دنيوية وحسية. وكأن المنام مقدمة لانزلاق الشيخ في مستنقع الخطيئة.‏

كما رأينا الحالات التي مر بها صنعان منذ رؤيته الأميرة وانخلاع قلبه بجمالها إلى سجوده أمام الصنم فرعيه الخنازير فنسيانه ذاكرته بمحتواها الديني والثقافي ليتحول إلى عاشق جديد يرى العشق فوق الكفر والإيمان.‏

وأقنعنا الكاتب في التحولات كما أقنعنا في النقلات الرشيقة من المشهد إلى المشهد الذي يليه حتى رأينا الأميرة تلفظ أنفاسها بين يدي صنعان الذي عاد إليه إيمانه وتاب توبته النصوح بعد الخطيئة القاتلة.‏

حافظ الكاتب على بناء الحكاية محافظته على المناخ الصوفي. ولهذا استعان بالألفاظ والصور ذاتها التي أبدعها العطار الشاعر في نسج حكايته الجميلة. وجاءت جمل في الحوار بتمامها من أصل النص الذي أبدعه العطار. خاصة المصطلحات الصوفية التي تقنع متلقيها بوجوده في هذا الجو النقي المليء بالإشراق.‏

يتساءل قارئ المسرحية أو مشاهدها: لماذا ظل الكاتب محاصراً ذاته في إسار الحكاية؟ ولماذا لم يضف إليها أي مشهد يغنيها ويثري بناءها؟ هذا هو التساؤل الذي انتصب أمامي بعد القراءتين. قراءة حكاية الشيخ صنعان، وقراءة مسرحية: صعود العاشق. وهل كانت صعود العاشق قراءة مسرحية معاصرة في التراث كما أراد لها كاتبها؟ ليقف عند الحدود التي وقف عندها فريد الدين العطار النيسابوري؟‏

إذا كانت الإجابة بالموافقة، أحب أن أضيف شيئاً أراه ضرورة خلال تعاملنا مع التراث. هو: مشروعية إعادة بناء التراث تكمن في إغنائه وإثرائه برؤيا معاصرة، لا مجرد الوقوف على بنائه وجزئياته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244