|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العرض والنص في مسرحية علي بابا.. والأميرة شمس النهار - د.أحمد زياد محبك ليست الكتابة للطفل بالعمل السهل، ولا سيما الكتابة المسرحية، فالتوجه للطفل يحتاج إلى خصوصية في انتقاء الفكرة والموقف والرؤية، وإلى خصوصية في البناء والتعبير والأداء، ولابد من تضافر عوامل وأساليب تبرر الحاجة إلى إنتاج عمل للطفل، ولابد من توافر خصائص وأساليب وتقنيات تثبت أن العمل منتج للطفل، وليس للكبار، أي إن الخطاب هو خطاب للطفل، ومن هنا تبدو التحديات أمام كل عمل للأطفال تحديات كبيرة، وقد نهض الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي بهذه المهمة خير نهوض، وقدم عملاً فنياً متماسكاً يتوجه فيه حقيقة إلى الطفل. ومن هنا تبدو أيضاً أهمية الكتابة عن هذا العمل، لأنه عمل معروض على خشبة المسرح، فهو ابن ساعته، وسرعان ما يطوى بهد انتهاء أيام العرض، ورفع قطع الأثاث، وقد لا ينسى الممثلون أدوارهم، وهم الذين تدربوا عليها أياماً وأدّوها أياماً، فعاشوا معها، وارتبطت بتاريخ وذكريات ومواقف، ولكن نادراً ما يذكر المتفرجون العمل، ولعل في الكتابة عن العمل بعض الوفاء وبعض التوثيق، للكاتب والممثل والمخرج وكل العاملين في المسرح، وتلك هي جمالية العرض المسرحي وتلك هي أهمية الكتابة عنه. مع انتهاء طلاب المدارس من امتحاناتهم الفصلية، ومع بداية العطلة الانتصافية يوم الخميس 17/1/2002 بدأ مسرح حلب القومي بعرض مسرحية: "علي بابا والأميرة شمس النهار"، وهي من تأليف عبد الفتاح قلعه جي وإخراج جوزيف ناشف، وديكور إبراهيم مهندس، ومشاركة ستة عشر ممثلاً، وهي موجهة للأطفال، لتحمل إليهم مع بدء العطلة الانتصافية متعة فنية راقية، وتزودهم بثقافة تراثية متجددة بما يناسب روح العصر، عبر تواصل فني يسمو بالنفس ويرقى بالمشاعر ويغني الفكر. من حكاية بسيطة تبدأ المسرحية، فالدردبيس ملك الشر يخطف الأميرة شمس النهار ويحبسها في قصره، وتغتم أمها الملكة وتصاب بالاكتئاب، ويرسل والدها الملك دندان قائد جنده لينقذها فيخفق، ويرجع مهزوماً، ويرسل قائداً آخر أشد منه وأقوى وهو عقربان، لكنه يهرب عند أول جولة، ويبرز علي بابا المخلص، ليعد الأم بتخليص الأميرة، مقابل شروط ثلاثة، ويضطر الملك إلى القبول، ويمضي علي بابا مزوداً بالعلم والفن والذكاء، ويتمكن من الإجابة عن أسئلة ملك الشر، فيتحول هذا إلى صورة من ورق، يطير بنفخة، ويخلص علي بابا الأميرة شمس النهار، ويتزوجها. هذه الحكاية من غير تفاصيل، وسيدركها الأطفال ببساطة، ولن ينسوها، وسيدرك الأطفال من غير شك كثيراً من التفاصيل، وما فيها من تغيير في أصل الحكاية، ولن ينسوها، والتفاصيل أهم، والتغييرات أكثر أهمية. فالمنادية تنادي معلنة عن جائزة لمن ينقذ الأميرة، وعلى الفور تفضحها زيزونة سائلة إياها إن كانت ستنادي مثل هذا النداء إن ضاعت ابنة أحد الفقراء؟ ثم تكشف كذبها عندما تعلن عن وصول القائد دندان منتصراً، فقد وصل حقيقة، ولكنه وصل منهزماً، وبذلك يفهم الطفل فوراً الفرق بين ولد الغني وولد الفقير، كما يفهم مدى الكذب في أبواق الملوك. ومن التغييرات التي لا تنسى ما نال شخصية علي بابا من تطور، فقد صرف صحبه اللصوص، وترك اللصوصية، وأصبح صياداً، ويعثر كما في الحكاية على قمقم ويخرج لـه كائن، ولكنه هذه المرة ليس مارداً ولا جنياً، إنما هو فنان، ينصره بفنه، ويضع علي بابا ثلاثة شروط لتخليص الأميرة، فيها قدر كبير من الذكاء، أولها إلغاء وظيفة السياف مسرور وتكليفه بزراعة الأرض وتربية الدواجن ورعاية البقرة ليسقي الصغار الحليب، وثانيها إقامة العدل في الناس وبناء مسرح للأطفال يمثل عليه زيزون وزيزونة، وثالثها الزواج من الأميرة، ويمضي بعد ذلك علي بابا لتخليصها، غير مزود لا بسحر ولا سلاح، إنما حسبه عقله وعلمه وذكاؤه، يصحبه سمسم الفنان الخارج من القمقم الذي لا يراه أحد ولا يسمعه سوى علي بابا، والجميل في الحكاية أن علي بابا رأى صورة فتاة فأحبها، وإذا صاحبة الصورة هي الأميرة شمس النهار، وعندما يلتقيها مسجونة في قصر الدردبيس ملك الشر يعرب لها عن حبه ويعدها بالخلاص، وعندما يلتقي الدرديس لا يصاوله، وإنما يجيب عن أسئلته الثلاثة، وأول الأسئلة من الحزيرات الشعبية المحفوظة والمتوارثة، والثاني عن شيء يحملك إلى العالم من غير جناح، ويتكلم إذا فتحته، ويصمت إذا أغلقته، ويتوقع أطفال الصالة أن يكون التلفاز، وإذا هو الكتاب، ثم يكون السؤال الثالث عن كائن يسير في الصباح على أربع وفي الظهيرة على اثنتين وفي المساء على ثلاث، وهو السؤال الذي كان الوحش الرابض على باب ثيبة قد طرحه على أوديب، ويجيبه علي بابا كما أجابه من قبل أوديب: الإنسان، وبذلك يتم النصر للإنسان بالعقل والعلم والذكاء على الدردبيس ملك الشر. وبذلك تغذي المسرحية في عقل الطفل معاني العلم والذكاء وانتصار الخير والحب على قوى الشر كما تنمي في مشاعره التعاطف مع الحق والخير والبطولة والكراهية لقوى الشر والظلام والفساد، وذلك كله من خلال الحكاية والموقف والشخصية بعيداً عن المباشرة والوعظ والافتعال، ومن خلال تراث شعبي يتم توظيفه في قضايا الخير وفي أساليب معاصرة بعيداً عن أي شكل من أشكال التكرار أو التقليد وبقدر كبير من القدرة على إثارة الوعي لدى الطفل وتحريضه على التفكير والتأمل والملاحظة وتدريبه على الاستنتاج وحفزه على المشاركة. والمسرحية غنية بعناصر المتعة والتسلية لتحقق للطفل في الدرجة الأولى الفرجة فينجذب إلى العمل ويتابعه بشوق ومن خلال الفرجة يكون الوصول الفني والجمالي والانفعالي إلى الأفكار والمقولات، ومن تلك العناصر عنصر الرقص والغناء، وكان في كثير من الحالات منسجماً مع الحالة والموقف ومعبراً عن الحالة وحاملاً للمقولة والفكرة، ولم يكن فيه شيء من الحشو أو الاستطراد، وكانت كلمات الأغنيات سهلة جداً ورشيقة، ولا تخلو من تأكيد انتصار الخير وزوال قوى الظلم والشر ببساطة وعفوية، كما كانت الرقصات مرحة جداً وفيها إطلاق لكل طاقات السرور والفرح لدى الطفل. ومن العناصر الفنية الناجحة شخصيتا زيزون وزيزونة وقد ظهرا في صيغة مهرجين في قصر الملك، ولكنهما كانا يناوئان السياف مسرور، ويكشفان كذب المنادية، كما كانا يتعاطفان مع علي بابا، وهما متحابان وبينهما قصة حب بريئة، ويطمحان إلى بناء مسرح للأطفال، وقد كان لهما ذلك بفضل علي بابا، ومن المؤكد أن الأطفال لن ينسوا هاتين الشخصيتين لما لهما من تميز وخصوصية، ولما فيهما من تنوع، وقد أدى دوريهما رامي ناشف وهبة برِّي، وامتازا بالمرح الحقيقي، كما امتازا برشاقة الحركة وليونتها سواء في الرقص أم التمثيل ولا سيما لدى رامي ناشف. ولن ينسى الطفل من غير شك شخصية سمسم الفنان الخارج من القمقم حاملاً الجيتار لينصر الحق والخير، مؤكداً سمو الفن ودوره الفعال في الواقع، والذي يراه علي بابا وحده ولا يراه أحد سواه، وهو ما أكد روح الأسطورة من جهة وساعد من جهة أخرى على تحقيق مواقف بالحركة ضاحكة جداً وقد أدى الدور بتميز الفنان سمير حرحر، وكان متفهماً لدوره عارفاً لأبعاده الفنية والفكرية. كذلك لن ينسى الطفل شخصية الدردبيس ملك الشر خاطف الأميرة وابنه عطيلون الكسول الذي يطمع في الزواج من الأميرة شمس النهار، وقد تم إظهاره بشكل يمثل شخصيته في الصوت والحركة واللباس والقوة الجسدية الجوفاء والخواء العقلي إذ لا يملك في الحقيقة سوى صوته الأجش الراعب وما هو إلا شخصية ورقية، وقد أدى دوره بذكاء محمد شيخ علي ومنحه من طاقته وموهبته القدر الكبير ونجا من المبالغة مع أن طبيعة الدور قد تسوق إلى المبالغة. وثمة مفارقة جميلة بين دندان وعقربان، فالأول ضعيف هزيل كلفه الملك بإنقاذ الأميرة وقلده وسام البطولة، ولكنه رجع خائباً مهزوماً جريح الجبهة مضعضع الجسم، والثاني طويل القامة عريض المنكبين قوي شديد مدجج بالسلاح متحمس لإنقاذ الأميرة، ومع ذلك يتخاذل عند أول لقاء، مما يؤكد أن القوة الجسدية وحدها لا تنفع، وقد أدى دور دندان نديم شراباتي كما أدى دور عقربان أحمد مكاراتي، وكان كل منهما متفهماً لدوره عارفاً لأبعاده الجسدية والنفسية، كما أدى كل منهما دوره بعفوية واقتدار، ولكن يبدو تخاذل عقربان أمام الدردبيس لدى أول لقاء معه أمراً غير مقنع. وقد حفلت المسرحية بالعناصر النسائية مع الطفلة هبة بري التي أدت دور زيزونة إلى عهد فنري التي قامت بدور الملكة، ثم المنادية وقامت بدورها أديل برشيني والأميرة شمس النهار وقامت بدورها سوسن يوسف، وقد منحن كل منهن دورها حقه من الأداء الفني وفق ما يتيحه لها الدور نفسه من إمكانات، ومما لا شك فيه أن دور الملكة بحد ذاته كان الأكثر حضوراً، ومع ذلك فقد كان هناك تعاون كبير بين العناصر، وأدى كل دوره بأمانة، وقد يسأل المرء لماذا دخلت المنادية القفص الذي كان الدردبيس قد سجن الأميرة فيه بعد أن حررها علي بابا منه. والجواب هو أن دخولها كان عقوبة لكذبها وبثها أخباراً غير صحيحة، فهي أولى بالحبس من الأميرة البريئة. ويبدو الديكور بسيطاً وعفوياً وهو ديكور ثابت، ولكنه سهل التحويل من دون نقل، وذلك بتدوير الأبواب والجدران، فهو يتحول مثلاً ببساطة من قاعة في قصر الملك إلى قاعة في قلعة الدردبيس حيث سجن الأميرة، ولكن الألوان في قصر الملك كانت باهتة وكان المرجو أن تكون أكثر تألقاً لتناسب القصر وتجذب الطفل، وكانت الألوان في قلعة الدردبيس شاحبة وكان المرجو أن تكون أكثر عتمة وقتامة لتناسب قصر الدردبيس وتعبر عن قوى الشر والظلام. وبصورة عامة كان الإيقاع سريعاً، وكانت أدوار الشخصيات موزعة على الممثلين بذكاء، وكانت حركات الجميع مدروسة بدقة، وموزعة على الخشبة بإتقان، ولم يكن ثمة فراغ في الزمان ولا في المكان، كذلك لم تكن ثمة حاجة إلى الاستراحة، ومع أن العرض استغرق ساعة ونصف فإن المشاهد لا يحس في أي لحظة بشيء من التشتت أو الممل، حتى في وجود بعض الرقصات الطويلة نسبياً، ويبدو نزول الممثلين في النهاية إلى جمهور المشاهدين ثم عودتهم إلى الخشبة في حركة التفافية أمراً ثقيلاً، كما تبدو الرقصة التي أدوها بعد ذلك طويلة وقد أفقدت المسرحية توهج الاختتام. لقد كانت مسرحية علي بابا والأميرة شمس النهار عملاً فنياً متماسكاً حقق الرؤية المجددة في التراث، والمعبرة عن العصر، مع حسن التوجه إلى الطفل وخطابه فنياً وفكرياً، كما حقق العرض الوحدة والانسجام بين النص والإخراج وأداء الممثلين، وتلك هي شروط العرض المسرحي الجيد. وفي الحقيقة تلبي المسرحية حاجة الطفل العربي إلى الفن المسرحي الجيد، وتشبع فيه الشوق إلى الفرجة والتسلية، كما تلبي طموح كل مثقف إلى نهوض مسرح عربي أصيل، يفيد من التراث فيحسن توظيفه فكراً وفناً لبناء واقع فني وجمالي ومعرفي أكثر تقدماً وأكثر تطوراً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |