|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مساحات التجريب في ثلاث صرخـــات - محمد قرانيا في المسرح الإغريقي ابتدع الأدباء مئات الآلهة، وجعلوا الإنسان في حالة صراع دائم معها، بغية إيجاد حياة رغيدة على الأرض. وفي المسرح المعاصر لم تنقطع صلة الكتاب المسرحيين بسوفكليس واسخيلوس ويوربيدس. وإنما بقي بين الطرفين خيط رفيع نلمسه في معظم الأعمال المسرحية الجديدة التي يسودها حس قديم، ولكن مع فارق بسيط في الصورتين، إذ تحول الصراع بين الآلهة والبشر، إلى صراع اجتماعي لـه أبعاد اقتصادية وسياسية وفكرية، وحلّت في الأنظمة السياسية، السلطة محل الآلهة، وزاد التسلط الطبقي من أوار هذا الصراع حتى بات سمة العصر الحديث... وكان المسرح المعاصر مرآة عاكسة لجميع هذه الأمور، بعد أن تخلص من آثار النزعة التاريخية التي جنح إليها في بداياته الأولية. وتجاه هذا التطور، كان المسرح المعاصر أكثر الفنون الأدبية تعرضاً للمؤثرات الخارجية، حتى بدا واضحاً أن نلمس بصمات كامو وأونيل وآرثر ميلر وبريخت وغيرهم من الكتاب المعاصرين، في العديد من النصوص المسرحية تظهر بين الحين والآخر ولعل التجريبية قد غدت مذهباً يرتاح إليه بعض الكتاب العرب الذين يمارسون الكتابة المسرحية مع محاولة الاستفادة من التقنيات التي تقدمها المذاهب الفنية الأخرى كالرمزية والواقعية والرومانسية وجعلها جميعاً تتغلغل في ثنايا النص الواحد. في (ثلاث صرخات) يقدم عبد الفتاح قلعه جي إضافة جديدة للمسرح العربي الجاد بمجاراته أحدث الأشكال الفنية المتطورة، إذ يأخذ عدداً من الزوايا الاجتماعية المعتمة، يسلط عليها الضوء، ويتغلغل إلى أعماقنا فيضعنا وجهاً لوجه أمام قضايا معاصرة، يكشف فيها عن جوانب خفية ولا يتوانى عن جعل الأشياء الداخلية تتعرى على حقيقتها وتنطلق النفس على سجيتها، وكأنها تخلصت من القيود والعوائق التي كانت تحول دون انطلاقها. في الصرخة الأولى (هل قتلت أحداً) تفتح الستارة عن ساحة تتكوم عليها القمامة. يقوم في وسطها برميل، يختبئ بداخله رجل كهل، يدخل الساحة شاب يبدو أنه مطارد. يتعثر يسقط. يبحث عن كسرة خبز يأكلها.. ويدور حوار بين الشاب والكهل. نعرف من خلاله أن الكهل فقد كثيراً من ملامحه، حتى أنه لم يعد يتذكر كيف يكون الحزن، وبالرغم من أنه ما زال حياً داخل البرميل. يعدم كل اتصال بالحياة ما عدا هذه الجرذان التي تزيد من وحشته في عالمه الخاص. وفي زمن المطاردة والجوع نجد الشاب يحمل بعضاً من بذور الثورة في نفسه، وشيئاً من الثقة بالمستقبل مع أن ثمة أموراً كثيرة تلاحقه، كالإرهاب الفكري: "أنا لا أعرف القراءة.. أو في الحقيقة كنت أعرفها ثم ضربوني على رأسي فنسيتها." والقهر الاجتماعي بسبب وضاعة المنبت الطبقي: "لا أريد كتباً. الناس يريدون شيئاً يأكلونه، ولكني جائع (يأخذ كسرة خبز من القمامة، يسحبها جرذ من يده. يقفز). آه. عندما تأكل الجرذان خبز الإنسان". ومن خلال الشعور بالبؤس، تلتمع جذوة الحياة في نفس الشاب، فيدور حول القمامة في قلق: "يجب أن ينظف المكان وتتحول هذه المنطقة إلى حديقة واسعة وبحيرة اصطناعية يجد الناس فيها المتعة والسعادة". وأن على الإنسان أن يسعى لتغيير الواقع لأن: "الإنسان أقوى من الحديد... الإنسان هو الذي يصنع الأفران، فيصهر الحديد". ولكن الثورة على الواقع التي تجد لها مرتعاً في نفس الشاب نجدها تخبو لدى الكهل الذي يتحول إلى جزء من القمامة التاريخية والعفن المتراكم. لذا يأخذ الشاب سكيناً وينقض على الكهل طعناً، وكأنه بذلك يطعن الترسبات التي تعيق مسيرة المجتمع في سعيه الحثيث نحو الثورة والانطلاق ويرهص لنا بميلاد جيل متمرد جديد. في الصرخة الثانية: (الليل جزار) ينقلنا إلى زاوية أخرى نتعرف فيها على إنسان مسحوق آخر، يقف إلى جانب جلاد، أمامه يتدلى حبل مشنقة. الإنسان متهم، ومحكوم عليه دون محاكمة لأن: "الناس هنا، يعدمون ثم يحاكمون". أشخاص الصرخة محدودون عدداً. يحاول الكاتب أن يجرب من خلالهم شكلاً فنياً آخر، فيتلاعب بالمواقف ويحولها بين حين وآخر، من طرف إلى طرف. إذ يجعل المحكوم يخلص يديه من قيد الجلاد، الذي ينتظر أوامر (الثابت) ثم يجعل المحكوم ثانية أمام أنشوطة المشنقة من جديد. بعد أن يضيء كثيراً من الجوانب النفسية التي تعتمل في دخيلة كل من الشاب المحكوم، والجلاد ـ آلة السلطة، ومنفذ أحاكمها ـ البطل في الصرخة الثانية، يحمل آلام العالم على كتفيه، لا يهمه أن تنتهي آلامه، وإنما يتطلع إلى إنسانية بلا آلام. فنراه عندما يتمكن محاميه من استصدار حكم بوقف التنفيذ يتساءل في النهاية: ـ أما لهذا الألم الإنساني من نهاية؟؟ والجلاد عندما يواجه بالحقيقة، يعيش حالة من الصراع الحاد، ويجد نفسه قد بات أسيراً، محكوماً عليه، كآلاف المحكومين، وغدا أداة من أدوات القمع دون أن يكون لـه حول أو طول فتنمو في قدميه المسامير كلما ابتعد عن إنسانيته. تقض مضجعه، وتقلق رتابة حياته. وقد حاول الكاتب أن يعمق الناحية الدرامية في هذه الصرخة، ليضفي عليها جواً معيناً من المأساة السوداء التي تغلف حياة المجتمع المعاصر، فعمد إلى إدخال أم المحكوم عليه إلى المسرح، وجعلها ـ تجاه الواقع ـ تفقد إحساسها بالعالم والأشياء من حولها، فلا تجد أماها سوى رغبة ابنها بجانب حبل المشنقة المتأرجح، لذا تصرخ، وتتأوه بين الحين والآخر (ابني.. يا ابني). وهذا الموقف بالذات لم يوفق الكاتب فيه، فبدا على جانب من التسطح والبرود. إذ كان بإمكانه أن يعطي الأم دوراً أكبر من ذلك، ويجعلها تنطق بكلمات أقوى. من شأنها أن تزيد من الشحنة الدرامية، وبالتالي تخدم الفكرة العامة للصرخة. وبالرغم من أنه جعلها تنوح كبقية النساء من خلال زجلية ثورية، فإنها كانت شخصية عادية لا تحمل أي عمق فني. لقد أراد الكاتب من خلال ذلك كله أن يظهر الإنسان وهو يحاول بمرارة إنقاذ مجتمعه ولكن هذه المحاولات، لا تعطي نتائجها المرجوة إلا ببطء وثقل، وأن عملية المجتمع وتغييره تحتاج إلى تضحيات كبيرة من جانب الطبقات المسحوقة وقد حمل النص كثيراً من الأفكار التي تعمق الوعي الاجتماعي والثوري في النفوس، وردت معظمها على لسان المحامي، باعتباره شخصية مثقفة في حين كان الشاب المحكوم، والجلاد يجتران آلامهما الكبيرة ويشعران بضرورة تغيير العالم من حولهما. في الصرخة الثالثة: (الشتاء يأتي مبكراً) يبدو أن الكاتب أصبح أشد تفاؤلاً بالمستقبل، لذلك نجده يتمثل شارعاً مظلماً. على أحد أرصفته يجلس شحاذ يسلب المارة نقودهم بتوسلاته الكاذبة، ثم يأتي عاملا كهرباء لإصلاح النور المعطل، يختلفان، ويتفقان، وبعد الاتفاق ينار الشارع، ويغمر النور العالم. الصرخة تمثل تلاحم القوى الوطنية في المجتمع النامي، ومع أن أشخاصها أربعة: الشحاذ والعاملان وامرأة عابرة، فإنها قد أعطت صورة واضحة عن نوع من أنواع الصراع بين أبناء الطبقة الواحدة الذي لا يستفيد منه سوى القوى الانتهازية المتمثلة في شخصية الشحاذ... بعد قراءة الصرخات الثلاثة، يقف الإنسان ليحدق ملياً في ملامح الشخصيات التي رسمتها هذه المسرحية التجريبية فيجد أنها شخصيات واقعية وضعت ضمن إطار من الأحداث المتخيلة، أضفى عليها الكاتب كثيراً من الملامح الإنسانية وقد انتقاها من وسط اجتماعي معين ووضعها في موضع الاتهام والمطاردة فلم يعد لها سند في مجابهة الواقع بعد الإحساس ببؤسه، سوى التطلع إلى تغييره، وتبديله. تبدو لنا الصرخات من بعيد أشبه بعلامات مضيئة، في زمن مظلم تتلاقى إشعاعاتها لتشكل هالة من الضوء ترهص بقيام مجتمع جديد تتبدل فيه ملامح الإنسان العربي البالية. ولعل ذلك يكشف عن كاتب يمكن أن يكون لـه قدم راسخة على خشبة المسرح السوري باعتباره واحداً من الكتاب الذين يحاولون تنمية أدواتهم الفنية باستمرار، وبسعيهم الجاد للاستفادة من أحداث المذاهب والأشكال الفنية المتطورة في العالم المعاصر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |