الأديب والباحث والكاتب المسرحي عبد الفتَّاح قلعه جي دراسات وشهادات ـ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مسرح عبد الفتاح قلعه جي بين الدراما الواقعية واللامعقول طفل زائد عن الحاجة واحذر إنه خطر أنموذجان - رياض نعسان آغا

إذا كانت مهمة المسرح إيقاظ المتفرج على أن هناك ما هو عجيب وغير مألوف وخارق للعادة في حياتنا اليومية، كما فهمها ـ أبو لينير والفريد جاري ـ فإن هذه المهمة تتجلى في مسرح ـ عبد الفتاح قلعه جي ـ في إيقاظ المشاهد على ما هو خفي وكامن وحقيقي، من بشاعة وبذاءة وشراهة في المجتمع الذي يحتويه والذي تسيطر عليه القوى البرجوازية والانتهازية التي جعلت من الإنسان العادي المسحوق قمامتها. وإذن فمسرح عبد الفتاح، يتجه إلى فضح وتعرية العلاقات السائدة من خلال تضخيم العيوب وإبرازها، وبتجسيم التشوه الذي يلحق الفرد من جراء انسحاقه تحت عجلات البرجوازية، وبذلك يحقق كون المسرح عدسة مكبرة لا مرآة عاكسة.‏

إنسانية الإنسان‏

إن التأكيد على إنسانية الإنسان هو أبرزُ خصائص مسرحيات ـ عبد الفتاح. إنه مسرح، نزق، منفعل، الشخصيات فيه وجوه بلا ملامح، وهياكل بدون دم أو لحم ـ وهي عيوب في مسرح القلعه جي بمقدار ما هي مزايا ـ وعبد الفتاح في تصويره لبشاعة البيئة البرجوازية التي يدور في فلكها خدامها وأجراؤها المسحوقون الذين يثورون ثورة "بوهيمية" ويتمردون تمرداً "سوريالياً" يصل به الانفعال إلى درجة أن يعمم صفة البشاعة على العالم، فلحظة القرف التي يعانيها أبطاله تجعلهم يغفلون عن النشوة الجمالية التي تعبق في نفس الإنسان حين يخطو أولى خطواته في درب نجاحه.. ولهذا فإن مسرحه يبدو مسرحاً متشائماً، مفتقراً إلى القيمة التبشيرية المتفائلة.‏

قد نتفق مع عبد الفتاح على أن التفاؤل يمكن أن يجيء مجانياً إن لم يكن نتاجاً صحيحاً لمعطيات العالم الخارجي ـ التي لا تنبئ حتى هذه اللحظة ـ بأية بشارة على الصعيد الموضوعي. فالبؤساء يزدادون بؤساً مثلما يزداد البرجوازيون تخمة ـ ولكننا ننكر على عبد الفتاح أن يغفل دور النفس الإنسانية في صناعة الأمل المشرق للخلاص من الغربة التي يعانيها أبطاله.. فالإنسان ـ المشروع ـ هو القيمة المطلقة القادرة على صناعة غدها مهما بلغت درجة الانسحاق.. وبدون هذا الإيمان المبدئي فإن هناك ـ شرعية ـ في أن يأكل الأب طفله ـ تماماً كما كاد يفعل بطل مسرحية ـ عبد الفتاح ـ الأخيرة ـ طفل زائد عن الحاجة.‏

يبدأ ـ عبد الفتاح ـ بتصوير أزمة بطله من ذروتها ـ فهو يهم بأن يئد الطفل الذي وضعته امرأته بعد أن عجزت عن تنفيذ فكرته في أن تعيده إلى رحمها لاستحالة ذلك فيزيولوجياً‍‍‍!!.. وحين تمنعه زوجته عن وأده، يقترح أن يأكله، كي يجنبه الجوع والقهر والذل والخوف في مجتمع أصبح فاسداً.‏

إن عبد الفتاح لا يكتفي بتشبيه المجتمع البرجوازي ـ بجردل القمامة ـ الذي سيقذف فيه الطفل في نهاية المسرحية، وإنما يبالغ أيضاً في تصوير استعداد الفرد الإنساني الوحشي حين يفضح لا شعور الأب الهارب ـ أيضاً ـ من مسئولية طفل جديد لا طاقة لـه بتربيته والإنفاق عليه.‏

الإنسانية ممزقة الأشلاء‏

تبدو الإنسانية ممزقة الأشلاء، ملطخة بالجريمة الوحشية في مسرح عبد الفتاح، كما يبدو الإنسان وحشاً صغيراً هادئاً، تنزف آلامة في كهف منعزل منسي.. إنها أزمة اغتراب معاصر، ولكنه ليس اغتراباً وجودياً كالذي.. يعانيه أبطال سارتر وكاموا وكافكا، وإنما هو اغتراب خارجي سياسي واقتصادي، نبذ قسري إلى مغارة البؤس والفقر، ذي مسوغات مادية فقط، ورغم أن القلعه جي قد جعل الزوج والزوجة يرتلان مقطعاً كما في مزامير داود: (تاقت نفسي إلى الخلاص حبال الأشرار التفت علي ـ زوراً يضطهدونني ـ كلامك انتظرت) فإن الخلاص الذي يبحثان عنه ليس خلاصاً فلسفياً (كالذي بحث عنه، روكانتان، مثلاً في غثيان سارتر) وإنما هو إيحاء بخلاص كالذي نادى به (يوري بورييف) حيث قال: ليس هناك تقدم خارج الإنسانية ولا وجود لإنسانية خارج التقدم الاجتماعي.‏

طليعية المسرح‏

إن "الطليعية" التي ينحو إليها مسرح عبد الفتاح، تمنح الكاتب المسرحي حريته المطلقة، فهو خالق عالمه وسيده كما يقول "أبو لينيير" ولكن واجب الكاتب الطليعي أن يبعث الحياة نفسها بكل حقيقتها، أو أن يعبر عنها كلاً وليس جزءاً وهذا ما تصل إليه مسرحية عبد الفتاح التي انتهجت الشكل الطليعي محققة أبرز خصائصه الفنية.‏

لقد استخدم عبد الفتاح الرقص والإيماء الحركي في مسرحيته. وعمل على ربطهما بشكل عضوي بحدث مسرحي.. يقول "كوكتو": إن غداء عادياً في برج ايفل يمكن أن يصبح نوعاً من الباليه". والرقص الذي أداه بطلا القلعه جي لم يكن لملء فراغ الجملة من الفعل.‏

صحيح أن القلعه جي يحقق في مسرحيته ذات اللقب الذي أطلقه "لوبرودير" على ـ المسرح الطليعي ـ حين قال: إنه لحن احتضار المجتمع البرجوازي.. ولكن كاتبنا يصل إلى ذلك عبر الوسيلة الفنية المسرحية القادرة على إدهاشنا..‏

أخيراً‏

لابد من التأكيد على أن عالم القلعه جي هو مختلف عن عالمي "بيكيت ويونسكو" ـ المؤسسين على الوعي الواضح بفراغ الحياة وحاجتها إلى المعنى، بينما، عالم ـ عبد الفتاح ـ مؤسس على وعي واضح بامتلاء الحياة وزخم المعاني التي تمور بها.. إنها في الوقت ذاته نقطة القوة ـ في أدب عبد الفتاح ـ لو أنه عاد إلى الأصول البدائية للدراما ولو أنه أبدع على صعيد الشكل ما هو قادر على ابتداعه على صعيد المضمون، محققاً لمسرحه المتعة التي يفتقدها والتي لا يقدر على نشرها في نفوس المشاهدين غير الحدث الحي والشخصية الإنسانية.‏

أخيراً لابد من الاعتراف بأن عبد الفتاح يجتهد في أن يقدم أشكالاً جديدة للمسرح، مجرباً في سبيل ذلك كل وسائله وأدواته الفنية.‏

احذر إنه خطر (أو الليل جزار)‏

يتابع "عبد الفتاح قلعه جي" بحثه عن شكل جديد لمسرحه، فيطلع علينا بعد ثلاثيته "هل قتلت أحداً؟" بمسرحيته الأخيرة ـ احذر إنه خطر ـ مؤكداً اتجاهه إلى ـ المسرح الطليعي ـ الذي أحب أن أسميه ـ المسرح التجريبي ـ لاعتقادي بأنه محاولة طموح للخروج من الشكل التقليدي للمسرح، ورسم لأشكال متخيلة تشكل اليوم ظاهرة ذات بال.‏

فهذا النمط من المسرح يبدو أقرب إلى الحوار الذهني منه إلى المسرح الدرامي رغم أن عبد الفتاح قد حقق مستوى درامياً مقبولاً قبل أن يتجه إلى شكله الجديد وهو في مسرحيته الأخيرة ـ موضوع حديثنا ـ يعرض جانباً من الصراع الإنساني إذ يجسد على المسرح محكوماً ومأموراً (هو الجندي المكلف بتنفيذ الإعدام بالمحكوم) حيث تقوم بين الرجلين حوارية يطرح الكاتب من خلالها رؤيته السياسية لكُنْهِ هذا الصراع، فالمحكوم يساق إلى الشنق دون تهمة مسوغة، والجندي ينتظر ساعة التنفيذ في لهفة كي يترك المحكوم (جثة معلقة في الهواء، وهيكلاً تصلصل عظامه، كلما هزته الرياح) دون أن يمتلك الجندي قناعة بما سيفعل سوى كونه ينفذ الأوامر. ولذا فهو يرفض عرض المحكوم عليه بأن (يفك قيوده ويرمي السوط والمسدس بعيداًَ كي يحطما معاً هذه المشنقة) حيث يتصاعد الحوار فيفضح عبد الفتاح لعبة الأقوياء في جعل الضعفاء أداة لقمع الثورة التي تناضل عنهم وذلك بربطهم معاشياً بالسلطة المستترة حين يتحول الفرد إلى (حذاء يلبسه الآخرون) ضمن إطار المجتمع البرجوازي، وهذا ما رمز إليه عبد الفتاح بالمسامير التي تثقب قدمي الجندي فتملأ حذاءه بالدم (وتكاد تصل إلى عينيه وتخرج من أعلى رأسه) وقد تحول إلى مجرد (آلة غبية) لا يمكن أن تشعر بالإهانة.. هذا إذا اتجهنا بالنص اتجاهاً سياسياً.. فإن شئنا أن ننحو به إلى التفسير الفلسفي فثمة إشارات تركها لنا الكاتب منها أن المحكوم معمر أبدي، وأن الجندي مسؤول عن (قوافل المعذبين الذين يسوقهم بسوطه وعن المدن التي تعشعش فيها الكوليرا ـ والشوارع التي هاجر منها الزمان) والكاتب بذلك يبدأ من المأساة التوراتية حين يقول المحكوم (كنت جلادي منذ أزمنة بعيدة ـ لم تكن حالك أفضل مني ـ كنت تجلد نفسك أيضاً ـ قابيل كان يصرخ في نومه ويركض مذعوراً ـ قابيل ما زال يحمل جثة أخيه على ظهره ويسير نحو نهاية العالم).. ثم يعبر من المأساة الإغريقية على النحو السيزيفي الذي تنتهي به المسرحية (أما لهذا الألم الإنساني من نهاية؟) ورغم أن هذا لا يخرج المسرحية عن طابعها السياسي فإنه يمنحها غلالة فلسفية شفافة فقد أعلن المحامي للمحكوم (أن قضيته لم تعد عادية وأنها أصبحت ذات صبغة شمولية)، وبدأت المسرحية بإعلان قدوم الضابط وانتهت دون أن يظهر –فهو ما زال قوة خفية آمرة- يرفض المحكوم أن يذعن لها.. كل ذلك يستخدمه عبد الفتاح ليقدم لنا الحياة على نحو إشكالي (حين يفقد المرء قدرته على العيش أو الموت ولا يجد سوى العذاب) الذي قد يكون بحثاً عن مسيح جديد ببذل الخلاص.‏

ولقد استترت كلمة المسرحية وراء ذاك الشتات الذهني الذي وقع فيه الحوار ما بين الرؤية الثنائية للعالم من خلال حركة التاريخ من مغزى فلسفي معين، متداخل مع بعده (مونولوج الأم الزجلي: الدهر عمره كبير ما يهرم –وفي كربلا شبابيك مفتوحة- تنزف وتطل على حقول طروادة- هناك بعيد في الشرق- شوارع مدن يضحك فيها الدم- قنابل أطلال جثث مطمورة. من قلب السهل والموت والحرائق- أبداً أطفال من رحم الشبابيك تولد) وبين التنديد الإصلاحي بالظلم تارة والانتقادي تارة أخرى.. الأمر الذي يجعلنا نصف هذا المسرح الجديد بأنه مغامرة تجريبية تفتقد الكثير من العناصر الأساسية كالدراما و –البناء الداخلي للشخصية- وتنامي الصراع من خلال فعل الجملة المسرحية- والأوضاع.. ومن هذا ما عاناه محفوظ في حدود تجربته مع هذا الشكل في بعض مسرحياته مثل (المهمة) أو (النجاة) وسواها من شكل (اللامعقول).‏

لا أريد أن أتوقف عند الشكل السكوني الذي انتهت إليه مسرحية عبد الفتاح حين أعلن الجندي والمحكوم (عذابنا) وتحول الجندي إلى تمثال فقد يكون منطلق عبد الفتاح أن مهمة النظارة أن يقولوا شيئاً وأن يتحركوا من (سكونيتهم) وليس ذلك من مهمة المسرحية التي قد تكتفي بالتحريض على القول.. ولكني سأشير إلى أن الحوار –وهو عماد المسرحية- كان يدور ضمن مقولات تفتح آفاقاً أوسع للمتلقي مما أعطى اللعبة نشاطها الذي حاول عبد الفتاح تأكيده بدور الأم كي تنفح العمل (نفساً درامياً) في صرخاتها البكائية-رغم ما يمكن أن يفسده غيابها في تأويل الرمز.. أما شخصية المحامي فلم تنل من عناية عبد الفتاح قدراً كافياً على توضيحها وإبرازها مما أفقدها حضورها المسرحي، مع أنها نطقت بحكمة الكاتب (الإنسان لا يموت، وعندما يرضى بالموت لا يعود إنساناً) على ما تنم عنه السياسي. كلمة أخيرة للكاتب قلعه جي وهو يخطو بمسرحنا السوري هذه الخطوة التجريبية الجريئة في البحث عن شكل جديد للمسرح: احذر إنه خطر.. مع قناعتي بأن تجربة عبد الفتاح الطويلة، وثقافته الأكاديمية والتزامه الطبقي تمكنه جميعاً من تجاوز هذا الخطر، إلى رفد الحركة المسرحية بنجاح وثقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244