|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رسالة إلى خالتي استلمَ صديقي عيسى رسالةً،عرفتُ أنَّها من خالتهِ في الولايات المتحدة الأمريكية.. وتابعتُهُ وهو يقرؤها غير مرةٍ.... كان يقرؤها ويتأملُ الرسالةَ طويلاً، ثم يسرحُ بأفكارهِ في الأفُقِ البعيدِ.. لمْ أعرِفْ ما إذا كانَ صديقي حزيناً أمْ سعيداً بهذه الرسالةِ. ولمْ أسألْهُ عن مضمونِها خَوْفاً من إحراجه أو جَرْحِ مشاعرِهُ. ثم اختفَتِ الرسالةُ من بين يديه أكثرَ من أسبوعٍ، ظَنَنْتُ أنَّهُ مزَّقَها أو خبَّأها. وكدْتُ أنْساها لو لمْ يقترِبْ منِّي عَصْرَ هذا اليومِ، ليقدِّمَ لي رسالةً، عَرَفْتُ أنَّ عيسى كتبَها إلى خالتِهِ، ويطْلُبُ مني أنْ أُبْدي رأيي فيها. أخذتُ الرسالةَ وأنا أنظرُ إلى عينيه. شَعرتُ أنَّهُ يُعطيني أغلى ما يَمْلُك.. ثم ابتعدَ صاحبي عني.. بدأتُ أقرأ الرسالةَ باهتمام وأتابع سطورَها بشغفٍ: خالتي الحبيبة! أدامكِ اللهُ ورعاكِ! قرأتُ رسالتَكِ غيرَ مرةْ.. وغفوْتُ وهيَ على صَدْري، كما كنتُ أغفو على صدرِك أحياناً...فأخذَني ملكُ الأحلامِ على أجنحتِهِ الرحبْةِ الواسعةِ، وطفْتُ مَعَهُ في كلِّ مكانٍ زرْناه معاً... ثم جَلَسْنا في مرْجٍ أخضْرَ يَطْفَحُ بالورود ويعبقُ بالشَّذا، كأنَّنا كنَّا في بستاننا الحبيبِ، الذي سَرَقَهُ منَّا الصهاينةُ الأشرار. من بعيدٍ رأيتُ القَمَرَ بدراً كبُرْتُقالةٍ كبيرةٍ، يَسْتَرِقُ النظَرَ إلينا من بينِ الأغْصانِ، لينْصُتَ إلى أحاديثنا. كان جدِّي رَحِمَهُ الله، يعشقُ البدرَ. كان يناديني ويسألني مشيراً إلى البدْرِ: (هل رأيتَ البدرَ راقِصاً يا عيسى؟) ثمَّ يَضُمُّ رأسي إلى رأسِهِ، ويميلُ بي يُمْنةً ويُسْرَةً ونحنُ ننظُرُ إلى البَدْرُ يَتَراقَصُ بين الأغصانِ... ويسألُني: (هل تسمعُ غناءَ القَمَرِ؟).. فأجيبُهُ بسذاجَةٍ: (لا! فيَضُمُّ رأسَهُ إلى رأسي ويقولُ لي: (انصتْ) فأصغي.. فلا أسمعُ إلاَّ وشوشاتٍ تأتيني من بعيدٍ، تُدَغْدِغُ صَدْري وتُداعِبُ سَمْعي. منذُ أيامٍ شاهدتُ نفسي في الحُلْمِ أَتَوَسَّدُ البدْرَ كأنَّهُ كُرَةٌ كبيرةٌ أتَّكِئُ عليها. كان البدرُ ليِّناً طَرِيَّاً ودافئا، يَعْبَقُ برائحةٍ منعِشَةٍ. يقولُ العلماءُ إنَّ القمرِ صحارى وجبالٌ، ليسَ فيها حياةٌ، فكيفَ جَعَلَهُ ملكُ الأحلامِ طريَّا، ليِّنا دافئا ومُنْعِشا على هذهِ الصُّورة السَّاحرَة؟؟ آهٍ يا ملكَ الأحلامِ وأنتَ تُهْديني أَجْمَلَ ما أتَمَنَّاه.. ليتَني أستطيعُ تَقْديمَ هذا البدرِ السَّاحِرِ إلى جدِّي. سأحمِلُهُ على كَتِفي ـ هكّذا فكَّرْتُ في الحُلُمِ ـ كما أحملُ البَطِّيخةَ، إلاََّ أنَّهُ كانَ كبيراً جداً، بحَجْمِ عَشْرِ بطيخاتٍ. لكنَّني حملتُهُ.. كان خفيفاً جدَّاً. رُبَّما كانَ هو الذي يَحْملُني ويطوفُ بي، ويبْحَثُ معي عنْ جدِّي. كانَ قلبْي يُناجي ويهتِفُ: (يا مَلِكُ أحلامي جِدْ لي جدِّي.. فأنتَ أشْطَرُ من خاتمِ سُليمانَ بألفِ مرَّة ومَرَّة...) رأيتُ جدي.. وكأنَّه كانَ يبحثُ عنِّي وعنْ والدي وأمِّي. كان حزيناً قَلِقاً. تَصَوَري يا خالتي، لمْ أرَ جدِّي حزيناً قطْ. كانتْ بَسْمَتُهُ أجْمَلَ منِ البدرِ التَّمام ِنَفْْسِهِ، وضِحْكَتُهُ أحلى من أنغامِ العصافيرِ وهَمْسِ الجَّداوِلِ. لمْ أرَهُ حَزيناً حتَّى عندما شاهَدَ الجُّنودَ الصَّهاينَةَ يحْرِقونَ بُسْتانَنا ويُدَمِّرونَ مَنْزِلَنا ويَغْتالونَ أبي أمامَ عينيه. لأنَّ أبي قَتَلَ مُسْتوطِنا صَهْيونياً تَسَلَّلَ إلى بُسْتاننا في ليلةٍ ظَلْماءَ، معَ لصوصٍ آخرين. وبعدَ مَعْرَكَةٍ طويلةٍ أُصيبَتْ أمي بطَلْقٍ ناري وارْتَمَتْ على الأرضِ، وكُنْتُ إلى جانبها. نَظَرَتْ إليَّ ومَسَحَتْ وجْهي بكفِّها المُدَمَّى وأغْمَضَتْ عينيها إلى الأبَد. في ليلة واحدة فَقَدْتُ أمي وأبي.. ولمْ أرَ جدِّي حزينا، وهو يرى ابنَهُ الوحيدَ قتيلا، إلى جانبِ أمي. قالَ لي جُمْلَةً واحدةً: (اسْتَشْهَدَ والدُكَ وأمُّكَ دفاعاً عن الأرضِ) فَكَفَفْتُ عنِ البُكاء وأنا أرى أبي وأمي مُعَفَّرينِ بالتُّرابِ، مَضَرَّجَين بالدِّماءِ... كأنَّ اللهَ أدْخَلَ السَّكينةَ إلى نفسي وصوَّرَ لي أبي وأمي ملاكين ترافِقُهُما العَذْراءُ عليها السَّلامُ، إلى جنانِ الخُلْدِ.. لكنَّ قلبي لنْ يَكُفَّ عن البُكاءِ، ألَماً وحُزْناً على أمي وأبي الحبيبين. كان جدِّي كلَّما يزورني في الدَّار يقولُ لي: (أمُّكَ وأبوكَ يُقْرِئانك السَّلامَ يا عيسى) فأراهما أمامي كما كنتُ أراهما يَعْمَلان معاً في البستان، وأعيشُ مَعَهُما لحظاتٍ قصيرةً فأشْعُرُ أنَّي أتَعَمَّدُ برائحتِهما الزَّكية، فأغدو غيمةً تُعانقُ بقَطْرِها الورودَ والأغصانَ والمروجَ. ويُوَدِّعني جدِّي وأنا أرى البدر يَتَمايَلُ فوقَ وجْهِهِ.. لكنَّني رأيتُهُ بالأمْسِ حزيناً في الحُلُمِ، يَبْحَثُ عن والدي وأمي. ربَّما لأنَّني لم أحْصَلْ على الدَّرَجَةِ التَّامَة في مادةِ الرياضياتِ؟ كنْتُ مريضاً ولمْ أَدْرُسْ قبْلَ الاختبارِ... رُبَّما كان حزيناً عليَّ.. لأنَّني كنتُ مريضاً؟ لا أدري! خالتي الحبيبة! أذْكُرُ أنَّكِ سافرْتِ إلى أمريكا وأنا في الصفِّ الأوَّلِ. وأذْكُرُ أنَّنا كنَّا في العُطْلَةِ الإنْتصافيةِ حين سَطا اللُّصوصُ الصهاينةُ على بُسْتانِنا وقتلوا أمي وأبي. ومنذُ أمسِ ذلكَ الحين لمْ أسمعْ عنْك خبرا. كيفَ اهتَدَيْتِ إلى عنواني؟؟ وكيفَ عرَفْتِ مكاني؟؟ أعيشُ الآنَ في دارِ أبناءِ الشُّهداء.. وأنا في الصفِّ الخامِسِ، وعندي العديدُ من الأصدقاءِ والأخوةِ.. ومِنْهُمْ صديقي وأخي الحبيبُ أحمدُ مهيار وياسر... خالتي الحبيبة، أرجوكِ.. لا تحاولي أخْذي إلى أمريكا فهلْ أستطيعُ العيشَ في بَلَدٍ يُساعدُ حُكَّامُهُ اللصوصَ الصهاينةَ، الذين قتلوا أبي وأمي، وسرقوا أرضي؟ بالأمْسِ كَتَبَ الأستاذُ ماجد هذه العبارة على السُّبورَة: ((أنا سَمَكَةٌ.. لا تعيشُ إلاَّ في الماءِ)) وطَلَبَ منَّا أنْ نُعَلِقَ على هذه العبارةِ.. وأنا يا خالتي طيرٌ لا يعيشُ إلاَّ في فضاء بلادِهِ! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |