حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ذكريات الجدة

قالَ لنا الأستاذُ ماجد قبلَ أن يودِّعنا: (أنتمْ مدعوون غداً إلى حَفْلِ عيدِ ميلاد.. سنَنْطَلِقُ بعدَ انتهاءِ الدُّروسِ مباشرة). فكَّرنا ـ أنا وصديقي عيسى: (إذنْ علينا أن نقدِّمَ هديةً، مَهْما كانتْ هذه الهديةُ متواضعةً، لأُستاذِنا وصديقنا الحبيب ماجد) قال لي عيسى: (ليس لدينا إمكانيةٌ إلا أن نرْسُمَ له لوحةً نقدِّمُها إليه... فهو يحبُّ الرَّسمَ كثيراً) ثم بدأنا نفكِّرُ باللوحةِ التي سنرسُمها... وفكَّرْنا طويلاً ولم نهتدِ إلى ما نريدُ. وأخيراً قالْ لي عيسى: (ما رأيُكَ في أنْ نَرْسُمَ مقاتلاً غاضباً، يطاردُ شارونَ ـ ينظرُ إلى الخلفِ وهو يَتَمَزَّقُ خوفاً وهلعاً) أعجبتْني الفكرةُ.. وعيسى ماهرُ في الرَّسمِ. وأعجبتني اللوحةُ بعد التنفيذِ. وتمنيتُ أنْ تكونَ لديَّ لوحةٌ مثلها.‏

قالْ لي عيسى وكأنَّه قرأ ما أتمناهُ في عينيَّ: (سأرسُمُ لك لوحة مثلها.. لكنَّني آملُ أنْ ترسمَ أنت لوحةً تعبِّرُ عن الفكرةِ نفسِها).‏

قلتُ لـه: (لا أستطيعُ) فذكَّرَني ببيتين من الشعرِ:‏

لا تقلْ لا أستطيع‏

لا تقلْ هذا محال‏

كيف ترضى أن تضيع‏

كغريق في الرمال!‏

قلتُ له: (ظهرتْ لديَّ فكرةٌ أنْ نرسمَ عدداً من أطفالِ العالم وهم يرجمون شارون، عقابا لهُ على جرائمه الوحشية) فقالَ لي مشجعاً: (إنَّها فكرةٌ رائعةٌ... لكنَّها ستكونُ أروعَ بعدَ التنفيذِ) ولمْ ننمْ حتَّى أنهينا اللوْحتين. لم تعجبْني لوحتي.. لكنَّ عيسى فَرِحَ بها جداً... وقالَ لي: (أنتَ فنانٌ... لكنَّكَ لا تدري) وسألني: (لماذا ثقتُكَ ضعيفةٌ بما ترسم؟) لمْ أجدْ جواباً على سؤاله، على الرغم من أنَّهُ نَظَرَ إليَّ طويلاً ينتظرُ مني جواباً ما على سؤاله.‏

في اليوم التالي انطلقنا معَ الأستاذِ ماجد. وصلنا إلى منزلٍ قديم، كنَّا عشرة أطفال. فتحتْ لنا البابَ عجوزٌ طاعنةٌ في السنِّ... نحيفةٌ، متماسكةٌ في وقفتها. رحبّتْ بنا وقبَّلَتْنا جميعاً... ثمَّ عانقها الأستاذُ. دخلنا جميعاً إلى غرفةٍ واسعةٍ وجلسنا حولَ طاولةٍ مستديرة. سألَنا الأستاذُ: (هل عرفتم الجدة؟) أجاب عيسى بسرعة (نَظُنُّ أنَّها والدتُك). تبسَّمَ الأستاذُ وقالَ: (إنها جدتي الحاجة أمُّ بشَّار) فنظرْنا إليها جميعاً بدهشة وإعجابٍ، إذ لا يبدو عليها أنَّها كبيرةٌ جداً. سألنا الأستاذُ (... من يحزر، كمْ عمرها؟؟) صَمَتْنا جميعاً والجدةُ تنظرُ إلينا كأنَّها تنتظرُ جواباً مناسباً. وبعدَ أنْ طالَ صمتُنا أجابَ الأستاذُ عن السؤال بنفسِه عمرها أكثر من مئة سنة) ففاضت عيوننا بالدهشة والعجب، احتجت الجدة بلهجة مقدسية واضحة: (لا يا حبيبي ماجد.... لم أبلغْ التسعينَ بعد) عندئذ سألها الأستاذُ مازحاً (هل تحسبينَ عمرَك بالسنةِ القمرية أم بالسنة الميلادية؟). لم تجبْ الجدَّةُ. كانتْ تنظرُ إليه بودٍّ وحبٍّ غامرين، ثم توجَّهَ إلينا الأستاذُ وقال: (كان زوجُها ـ جدي ـ من مرافقي عزِّ الدين القسَّام ـ إمام المجاهدين. لو سألناكمْ سؤالاً: أينَ وُلِدَ الشهيدُ عزُّ الدين القسَّام، رحمه الله وطيّب ثراه؟) وعجزنا جميعاً عن الإجابة... فأجابَ الأستاذُ عنا: (وُلد الشهيد القسام في مدينة جبلة التابعة لمحافظة اللاذقية السورية عام 1880... وكان في طليعة المجاهدين الذين قاتلوا الاستعمار البريطاني والصهاينة في فلسطين... واستُشْهِدَ البطلُ عزُّ الدينِ القسَّام في عام 1935 في معركةٍ قُرْبَ جنين تسمى (أحراش يَعْبَد) في العشرين من تشرين الثاني... واستشهدَ إلى جانبه الشيخُ الحنفي من أرضِ الكِنانة وأخرون من أقطارِ عربية أُخرى، هبوا للدِّفاعِ عنْ فلسطينَ وأرضِ العربِ.... ثم أشارَ الأستاذُ إلى صورةٍِ قديمةٍ معلَّقَةٍ على الجدارِ... وَدَعانا للاقترابِ منها؛ فاقتربنا وبدأنا ننظرُ إلى فارس يمتطي حصاناً عربياً والسيفُ إلى جانبه الأيسَرِ؛ والبندقية إلى جانبه الأيمن. رأيتُ الفارسَ ينظرُ إلينا مُبْتَسماً كأنَّه يُرَحِّبُ بنا. لكنَّني شعرتُ بأنَّ عينيه باشقان يبحثان في الفضاءِ عن صيدٍ ثمين. وأخبَرَنا الأستاذُ: (هذا جدي. زوجُها). وأشارَ إلى جدَّتِه. ثمَّ انتقلنا إلى صورةٍ ثانية لامرأة شابةٍ ليخبرَنا الأستاذُ: (هذه هي جدتي في شبابِها... وسنحتفلُ اليومَ بعيدِ ميلادها) ثم عانقها وقبَّلَها مهنئاً. وعدْنا إلى الجلوسِ. كانتْ الجدَّة قد وضعتْ إبريقَ الشاي على الطاولة وإلى جانبه صحنٌ كبيرٌ طافحٌ بالكعك. لمْ تنقطعِ الجدةٌ عنِ الترحيبِ بنا. وكنتُ أتأمَّلُ حركاتها وهي تصبُّ الشايَ... وتقدم الكعكَ لنا. لم نعرفْ عُمْرَ الجدةِ، لكنَّها كانتْ متماسكة في حركاتها وحديثها. قالَ لها الأستاذُ: (يودُّ الأطفالُ أن تحكي لهم عن عزِّ الدين القسَّام... وعنْ جدِّي...) تنهدتْ بعُمْقٍ وسحبتْ نَفَساً عميقاً وهي تقولُ: (ذكرياتٌ أصبحتْ بعيدةً. أرى الآنَ أطفالنا ـ طيورَ الجنَّةِ... رجالَ المستقبلِ... منذُ فتحتُ عينيَّ على الحياةِ ونحنُ نقاتلُ الإنكليزَ والصهاينة. رحمه الله أبو بَشَّار ـ زوجي... جاءني في الليلِ ـ بعد منتصف الليل بكثير.. كان يوماً ممطراً.. نظرتُ إلى عينيهِ؛ كانتا حمراوين.. يَشْتَعِلُ غَضَبا وحُزْناً، سألته ما بك يا (بو بشَّار) خيراً؟.. فقالَ لي والغَصَّةُ تحرِقُ صدرَهُ: لقد استشهدَ القسَّامُ. ثم بكى طويلاً. ولم يخرجْ إلاَّ في اليوم التالي. وكانَ عندي سبعة أطفال.. قبّلَهُمْ جميعاً كعادته.. وخرجَ ولمْ أرَه ثانية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244