|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
وعْكَةٌ صحيةٌ عُدْنا إلى دارِ أبناء الشهداءِ، لكنَّ الجَدَّةَ أُمَّ بَشَّار، ظَلَّتْ تطوفُ في فضاءِ روحي، وتسيرُ إلى جانبي، في كثيرٍ من الأحيان، وتجلسُ قُرْبي عندما أحَضِّرُ دروسي، وتساعدُني إذا ما احتجتُ إلى مُساعدة. يُراقبُني عيسى، ويبتسمُ عندما يَشْعرُ أني أفكِّرُ بالجدةِ أمِّ بشَّار، وأتحدثُ إليها في خيالي، وكأنَّها إلى جانبي حقيقةً. كانتْ الجدةُ أمُّ بشار قليلةَ الكلامِ، بلْ إنَّها تميلُ إلى الصمْتِ. تراقبُنا بشَغَفٍ وتسمعُنا بقلبٍ يَنْفَطرُ حُبَّاً وإعجاباً وشوقاً. في تلك اللحظات، تصورتُ أنَّ الحبَّ بحرٌ واسعٌ لا تحدُّهُ حدودٌ، والجدَّةُ بحّارٌ، يتهادى بقاربِهِ الشراعي، المزين بألوانِ قوس قزح، على أمواجِه الهادئة الحالمةِ، ويغنِّي للكائناتِ أجملَ أغانيهِ السَّاحِرَة. أمَّا أنا، فقدْ صرتُ نوْرَساً، يرافُقُ الجدةَ في رحلتها الرائعةِ تلك. أخذَني إليه أميرُ أحلامي. ودَّعَتْنا الجدة أمُّ بشار كما تودِّعُ الأمُّ أبناءَها إلى المدرسة. وَدَعَتْ لنا بالتوفيقِ والنجاحِ. ورَفَعَتْ يديْها إلى السماء تَتَضَرَّعُ إلى الله: (ربَّ لا تحرمني منهمْ يا رب)... وهأنا أفكِّرُ بها قبلَ النومِ طويلاً... وأسرحُ بأفكاري بعيداً، فأتصورُ نفسي مكانَها عندما جاءَها زوجُها أبو بشار يبكي ألماً وحزْناً على رحيلِ إمامِ المجاهدين عزُّ الدين القسَّام، بعد معركةٍ طويلةٍ قاسيةٍ ضدَّ المستعمرين. تُرى، إلى أينَ مضى في تلكَ الليلةَ الماطرةَ، بعدَ خروجه من بيته؟ وهلْ نجحَ في تحقيقِ ما خرجَ في سبيله؟؟ كيفَ ودَّعَتْ أمُّ بشار زوجَها في آخرِ لقاءٍ جمعهما؟ أسئلةٌ عديدةٌ كانتْ تحومُ حوْلَ رأسي كخليةِ نَحْلٍ. وهلْ تنتهي حكايةُ الجدَّة بيومٍ أو يومين أو ثلاثة؟ وأنا أعرفُ أنَّ الأستاذَ ماجد لن يجيبني عن هذه الأسئلة، إذا سألتُه إيَّاها. فَمِنْ أقوالِهِ المأثورةِ: (السؤالُ المناسبُ في الوقتِ المناسبِ). لكنَّهُ ينظرُ أحياناً في عيونِنا، ويميلُ برأسِه يمنةً ويسرةً وكأنَّه يَبْحَثُ عن شيءٍ في مآقينا، حتَّى يَعْثُرَ على السؤالِ، ويسْحَبُهُ كما تُسْحَبُ الشعرةُ من العجينِ، ويجيبكَ عليه من غير أن تدري. كيف أصِفُكَ يا أستاذُ ماجد؟ يكفيكَ فخراً أنَّكَ حفيدُ أمِّ بشَّار (زوجةُ رفيقِ عزِّ الدين القسَّام في الجهادِ). وتبدو لي أحياناً كطفلٍ، أصغرَ سناً منّا، يحتاجُ للرعايةِ والعطفِ والمحبةِ واللَّعبِ. وتارة تبدو لي حكيماً بلحيةٍ طويلةٍ بيضاءَ كالثلجِ، تتوكأُ على عصاكَ في مرجٍ أخضرَ، ترافقكَ أسرابُ العصافير جذلى، وتستقبِلُكَ الأزهارُ نشوى. وتارةً أراكَ قائداً عسكرياً تهتزُّ الأرضُ تحتَ أقدامِك الواثقةِ. وتارةً أراكَ غيمةً تبحثُ عن روضةٍ لتعانقَ براعِمها وتغْسِل عنها غبارَ التَّعبِ والأحزانِ. قالَ لي صديقي عيسى: (ما رأيكَ في أن نطلبَ من الأستاذِ ماجد أنْ يأخذنا ثانيةً إلى الجدةِ؟) كدتُ أطيرُ فرحاً لهذا الاقتراحِ... وبعد نهايةِ الحصَّة الأولى، تقدَّمْنا من الأستاذِ ماجد وسألناه أنْ يسمحَ لنا بطلَبٍ،فرد علينا مباشرةً: (الجدةُ أمُّ بشار تقرِئكمْ السلامَ جميعاً) وأشارَ بإبهامِهِ محذِّراً: (... وتذكِّركُمْ بأنَّها لا تحبُّ الكسالى) وانصرفَ قبْلَ أنْ يسمعَ كلمةً واحدةً منا. تأمَّلني عيسى طويلاً، ثمَّ صفّقَ بكفَّيْهِ صفقةً واحدةً وقال: من قالَ هذه العبارةَ: (يفْهَمُها وهي طائرةٌ أي قبلَ أنْ تَحطَّ على الأرضِ)؟. والأستاذُ ماجد (يفهمُها قبلَ أنْ تطيرَ). وفي الحصَّةِ الأولى من صباحِ اليومِ التالي، وقفَ الأستاذُ ماجد وتفحَّصَنا بنظراتٍ عميقةٍ ونحنُ جالسون على مقاعدنا. ومن عادته أن يبدأ الدرسَ مباشرةً... لكنَّه في هذه المرة نَظَرَ إلينا طويلاً كأنَّهُ كانَ يبحثُ عن كلماتٍ مناسبةٍ. كانَ يحكُّ فوْدَيْهِ وهو ينظرُ إلينا. وأخيراً ألقى علينا تحيةَ الصباحِ ثانيةً وقالَ: (أصدقائي وأحبائي، أبناءَ شهدائنا الأبرار. أنتمْ أمانةٌ في أعناقنا. ونحنُ ندرسُ كلَّ خطوةٍ، دراسة طويلة ودقيقة، للحفاظِ على حياتِكُم، قدوةً، يُضْرَبُ بها المثلُ، في الجدِّ والاجتهادِ. ومن لا يريدُ أن يكونَ قدوةً، فلا يستحقُ أنْ يكونَ ابنَ شهيدٍ. وابنُ الشهيدِ مرتبةٌ لا يرتقي إليها إلاَّ الأخيارُ الأقوياءُ الأبرارُ. فلنكنْ أوفياءَ لشهدائنا.. وفهمكُم كفايةً). لم أستطعْ تناولَ طعام الغداء. وفي المساءِ شعرتُ بإرهاقٍ شديدٍ. لمسَ عيسى جبْهَتي وقالَ: (حرارتُكَ مُرْتَفِعَةٌ يا أحمدُ...).. قلتُ: (لا بأسَ.. سأتَحَسَّنُ.. وكما كان يقول جدي: ( شدة وتزول) لكن عيسى لم يطمئن على وضعي فهرع إلى الإدارة وأخبرها وعاد .. ثم أخذَ بيدي وسارَ بي إلى السرير.. وأجبرني على الاستلقاءِ في السرير. أغمضتُ عيني وكدتُ أغفو. سمعتُ خطوات.. ثم رأيتُ الطبيبَ. شعرت بارتفاعِ حرارةِ جسمي. ولا أذكرُ كيفَ نمتُ في تلك الليلةِ. استيقظتُ. كانتْ الساعة العاشرة صباحاً. أوَّلَ مرَّةٍ أتأخرُ فيها عنِ الحصَّةِ الأولى. يبدو أني نمتُ عميقاً، ولمْ يَقْتَرِبْ مني أحدٌ، حتَّى أمير أحلامي. لا أذكرُ من قال لي: ـ الأحلامُ لا تقتربُ من المرضى. وأنا أقوال: ـ ما أتعسَ النوم بعيداً عن أميرِ أحلامي! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |