حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الطفل العجيب

دخلَ الأستاذُ ماجد إلى الصفِ برفقةِ طفلٍ ظننَّا أنَّهُ في الصفِّ الثاني أو الثالث. ألقى الأستاذُ علينا تحيةَ الصَّباحِ، ونظرَ إليَّ بعينين طافحتين بالحنان وقال: "الحمد لله على السلامة يا أحمدُ" وابتسمَ لي.. ثمَّ توجَّهَ بالحديثِ إلينا جميعاً وَيَدُهُ على كَتِفِ الطفلِ وقال: "زميلكمْ الجديدُ سامي. نرحِّبُ به جميعاً. سيكونُ أخاً وصديقا حميما لكم جميعا! "ثم دعاهُ إلى الجلوسِ، فَجَلَسَ إلى جانبي، بعدَ أنْ رَمَقَني بنظرةٍ فاحصةٍ خاطفةٍ. كانَ سامي شُعْلَةً من الذكاءِ والحيوية في الدرسِ. سَحَرَنا برشاقةِ أجوبته السريعةِ عن أسئلةِ المُعَلمِ. فرِحْنا جميعاً بسامي الذي بدا لنا أصغرَ سنَّا منَّا لكنَّهُ تَبَّينَ أنَّهُ أكبرُ عقلاً وتجربةً. وبعدَ الغداءِ، جلسنا جميعاً حوْلَ سامي. إنَّهُ هزيلٌ جداً.. لكنَّ حديثَهُ يخرجُ من صدرٍ عامرٍ بالثِّقَةِ والإيمانِ. حكى لنا أكثرَ من حكايةٍ عن معارك خاضها مع زملائه ضدَّ جنودِ الاحتلالِ الصهيوني. كان ينظرُ إلينا ليرى إذا ما كنّا نرتابُ في ما يحكيه. نهضَ وقالَ متحديا بودٍّ: "من منكم يستطيعُ مصارعتي؟". حاولَ ثلاثةٌ منَّا أن يتغلبوا على سامي،فلمْ يُفِلحْ منهم أحدٌ. ثمَّ نظرَ سامي إلينا وقالَ: "سأقفزُ الآن، فليجرب أحدكم أن يقفزَ المسافةَ التي أقفزها. حاولنا جميعاً فلم يُفْلحْ أحدٌ منَّا. لقد أقنعنا سامي بأنَّه طفلٌ عجيبٌ. سألته: "كيفَ أصبحتَ بهذه القوة؟" قال: "أحبّبْتُ الرياضةَ.. وأحبَبْتُ الجمبازَ قبلَ أنْ أدخلَ المدرسة. أحببتُ القفزَ إلى الأعلى. ثم كنت أتَدَرَّبُ على صنعِ المقاليعِ والرمي بها على مسافة بعيدة، حتَّى أصبحتُ أصيبُ الهدفَ بدقَّةٍ.‏

أدرَكَنا الوقتُ دون أن نشعرَ، وجاءَ وقتُ العشاءِ. جلسنا جميعاً فخورين فرحين بصديقنا الجديدِ، ننظرُ إليه بإعجابٍ وغبطةٍ، وكلٌّ منا يأمَلُ أن يتعلمَ منهُ شيئاً مفيداً. لكنَّ سامي لم يتناولْ من طعام العشاءِ إلاَّ القليل القليل. سألناهُ: "لماذا لم تأكلْ يا سامي؟ هل أنت مريضٌ؟" أجابَ بعفوية لكنْ بألمٍ: "عندما ابدأ الطعام أرى أمي أمامي؛ أنظرُ إليها، وتغمرُني رائحتها، ونادراً ما أمسكُ نفسي عن البكاءِ وأنسى كلَّ شيء حولي".. واغرورقتْ عيناهُ بالدموعِ. عندئذ شعرنا بأن وراءَ سامي تكمِنُ مشكلةٌ كبيرة. قلتُ لـه مشجعاً: "كلنا هنا نعيشُ المشكلةَ نفْسَها. لقد قتلَ الصهاينة أمَّهاتنا وآباءَنا وحرمونا منْ أجمل ما في الدنيا. فمنْ منَّا ينسى أمَّه ورائحتها ونورَ عينيها؟؟ "وكادتْ العبراتُ تغلبني، لكنَّني تماسكتُ، كأنَّني أقومُ بدورِ الأستاذِ ماجد، وشعرتُ أنني أصبحتُ كبيراً، أقومُ بعملٍ مهمٍ. عانقتُهُ وتابعتُ كلامي متماسكاً: "كلُّهُم في صدورنا وأرواحنا. كلَّ يوم تناديني أمِّي، مثلما كانتْ تناديني، قبلَ أنْ يغتالها الأشرارُ الصَّهاينةُ، وتذكِّرُني بوصاياها، وتعانقني، ثم ترفعُ يدَها إلى السماء وتدعو لي، وهي تطيرُ كحمامةٍ بيضاءَ إلى أنْ تختفي في الفضاء". نظرتُ إلى عينيه. كانتا حمراوين جافتين من الدمعِ. هلْ جفَّ الدَّمْعُ فيهما، أم كان لكلامي تأثيرٌ إيجابي على سامي؟؟‏

كان علينا أن نحضِّرَ واجباتنا المدرسية. فنحن ـ تلاميذ الصفِّ الخامس، نجتمعُ حين نحضِّرُ واجباتنا المدرسية؛ نساعدُ بَعْضَنا بعْضا، ونَطْمَئِنُّ على استعدادنا لليوم التالي. كانَ الإرهاقُ واضحاً على سامي. ابتعد عنَّا، ومضى إلى سريره. تبعتُهُ بعدَ لحظات. كانَ يغطُّ في نومٍ عميقٍ. عدْتُ إلى زملائي وتابعنا التحضيرَ، حتى جاءَ وقتُ النومِ، فمضينا إلى أسِرَّتنا. كان سامي يحلِّقُ في "سابع نومة"‏

نامَ زملائي وبقيتُ صاحياً لا يقربني النومُ، أفكِّرُ بسامي. لابدَّ أنَّ وراءه حكاية طويلة. ومَنْ منَّا ونحن في فلسطين، لا يحملُ ألفَ حكايةٍ وحكايةٍ؟! وهلْ كلُّ الحكايات متساوية؟؟ في كلِّ الحكاياتِ ينتصرُ الأبطالُ، ويموتُ الأشرارُ، ويعودُ الحقُّ لأصحابه. فاطمئن يا سامي، سننتصرُ، إن شاء الله!‏

استيقظتُ صباحاً. نظرتُ إلى سريرِ سامي، فلم أرَهُ في السريرِ. بحثتُ عنه في كلِّ مكان، فلم أعثرْ له على أَثَرٍ. تُرى إلى أينَ مضيتَ يا سامي؟! وهل حصلَ مكروهٌ لسامي، ولم نشعرْ به ونحن نيامٌ؟؟. انتظرنا حتى دخلَ الأستاذُ ماجد الصفَّ. وقبلَ أن يلقي علينا تحيةَ الصباحِ، بحثَ بعينيه عن سامي. سألَ برعبٍ: "أين سامي؟؟" ثم توجَّهَ بسؤاله إلي، كأنَّه يسألُ عن أمانة غالية أوْدَعَها عندي: "أينَ سامي يا أحمد؟؟" وقعَ السؤالُ في صدري كتلةً من نار. خرجَ الأستاذُ من الصفِّ غير آبِهٍٍ بجوابي.‏

انتظرنا طوالَ اليومِ ولمْ يعدِ الأستاذ. كانَ يوماً صعباً وثقيلاً، شعرْتُ فيه أنِّي مُكَبَّلٌ في مكانٍ مظلمٍ. كنَّا ننتظرُ بَصيصَ أملٍ يشفي نفوسَنا ويطمئننا على سامي. وجاءَ وقتُ النومِ ولمْ يعدِ الأستاذُ ليطمئننا على سامي. فقدْ كانتْ قلوبُنا كلُّها عند سامي. لا أدري كيفَ خطفني ملاكُ النومِ، وأخذَني بعيداً. رأيتُ سامياً على سفحِ جبلٍ أخضرَ، تحومُ فوقَهُ طيورٌ بديعةٌ. رآني فلوّح لي بكلتا يديه مرحِّبا. قفزَ وطارَ، يحلِّقُ فوقَ رأسي. ناديته بكلِّ ما أملكُ من قوةٍ. استيقظتُ على صوتِ عيسى وهو يهزُّني لأصحو من حُلمي.‏

لم يعدِ الأستاذُ ماجد إلاَّ في الساعة الثانية عشرة ظهراً. لمْ أرَه حزيناً بهذه الصورة من قبل. أيقنا أنَّ مكروها أصابَ ساميا. دعانا الأستاذُ إلى غرفةِ الصفِّ. جلسَ خلفَ طاولته وراحَ يحدِّقُ فينا بحزن. شعرتُ أن الكلمات تقفُ في حَلْقه، تأبى الخروجَ. ثمَّ قالَ بعد تفكيرٍ طويلٍ: "لا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله. لقدْ وجدْنا سامي على قبْرِ أمِّهِ مُتوفى. كان سامي نابغةً. وكانَ من أشجعِ المقاتلين. وكان إذا ضربَ بمقلاعه أصابَ الهدفَ بدقةٍ... وذاتَ يومٍ طاردَهُ الجنودُ الصهاينة حتَّى دخلَ منزله، فرموه بقذيفة دبابة، فلم ينجُ من عائلته إلاَّ هو، لكنَّه أُصيب بهزَّةٍ نفسية حادةٍ. كان يصرخُ دائماً وينادي: "أمي!! أمي!" حتّى في النوم. وحين تماثلَ للشفاءِ، طلبَ أن يأخذوه إلى قبرِ أمِّه.. فأخذناه إليه. وحين رأى قبرَ أمِّه أُغْمي عليه وعادتْ إليه الأزمَةُ منْ جديدٍ. وعدنا إلى علاجه. ظننا أنَّه تماثلَ إلى الشفاءِ، وتمنينا أنْ يَجِدَ بينكمْ الأهلَ والأصدقاءَ، ليعودَ إلى الحياةِ من جديدٍ، لكنَّ الأقدارَ كانتْ أقوى منَّا بكثير". ثم تنهدَ بعمْقٍ وقالْ: "لقدِ كانَ سامي طفلاً يثير الإعجابَ في كلِّ شيء، حتَّى في حبِّه لأمه.. فلم يقوَ على العيش بعيداً عنها..."‏

*******‏

في اليومِ التالي على رحيلِ سامي، دخلَ الأستاذُ ماجد إلى الصفِّ، وقالَ لنا: "كان رحيلُ سامي (رحمه الله) أليماً علينا جميعاً. ولكنْ، علينا أن نخرجَ من الحزنِ والألمِ، ونُكَفْكِفَ دموعنا حتَّى نرى طريقَنا بوضوحٍ". ثمَّ صمتَ لحظات، وتابعَ وقدْ أشرقَ وجْهُهُ بأمَلِ ساطعٍ: "فنحن في معركةٍ، والجراحُ غزيرة وأليمةٌ. إنَّها، من أقسى معاركِ التاريخِ... والحقيقة، فقد كان رحيلُ سامي، من أقٌسى الجراحِ التي واجهتُها في حياتي". ثم كتبَ هذه العبارةَ: "تقول لنا التجاربُ: "لا تحاربْ وأنت غاضبٌ! لا تحاربْ وأنت حزينٌ باكٍ!". صديقي عيسى بقي أسيرَ حزن شديدٍ فترةً طويلةً، وكأنَّه لم يسمعْ ما قالَهُ الأستاذُ. سألني غيرَ مرَّةٍ: "هلْ تعتقد أنَّ سامي كان يحبُّ أمَّه أكثرَ منَّا؟؟". لمْ أستطعْ الإجابةَ. ولم أفكرْ بهذا السؤالِ. لكنِّي بدأتُ أفكِّرُ بهذه الأفكارِ: "هل يُمْكِنُ أنْ نقيسَ الحبَّ، أو نزينَهُ؟؟ وما هو الحبُّ؟؟ ومن أين ينبعُ هذا الحبُّ؟ وإلى أينَ يأخذنا؟؟".‏

أسئلةٌُ عديدةٌ، تدور حولَ الحبِّ. والسؤالُ الأهم: "هل يمكن أن يكونَ الحبُّ ضاراً". و سؤالٌ آخر: " إذا كنَّا نحافظُ في الحياةِ على كلِّ شيء غالٍ وثمينٍ، فكيفَ نحافظُ على الحبِّ، صحيحاً معافى؟! وهلْ كلُنا، يحافظُ على هذا الغالي الثَّمينِ؟ ـ وهلْ كلٌّ منَّا يصون الحبَّ، ويعطيه حقَّهُ من الرعاية؟؟" وتصورتُ أمامي شجرةً باسقةً خضراءَ، تسحرُ الألبابَ طافحةً بأينعِ الثمارِ، على شاطئ نهرٍ دافقٍ، ومرْجٍ أخضرَ بهيجٍ، تؤُمُّها العصافيرُ، من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، وتغنِّي لها النجومُ أجملَ أغانيها، ويعانقُها البدرُ ويناغيها بضيائه، كأنَّهُ ثَغْرُ والدةٍ حنون. وتصورتُ شجرةً أُخرى، قزمةً، يابسةً، في أرضٍ جرداءَ قاحلةٍ، كأنَّها شَبَحٌ مُخيفٌ، تندبُها النجومُ، وتبكي عليها الأقمارُ. وأنا أشبِّه الحبَّ بتينك الشجرتين، فحبٌّ يشبهُ الشجرة الأولى، وآخر يشبهُ (الشجرةَ) الثانية.‏

حاولتُ أن أقنعَ عيسى بأفكاري هذه، لأخرِجَهُ من حالةِ الحزْنِ التي ألمَّتْ به بعدَ رحيلِ سامي (رحمه اللهُ)، لكنَّهُ كانَ عنِّي في وادٍ بعيدٍ. أصبحَ عيسى يسيرُ ويأكلُ ويتحدَّثُ كإنسانٍ آليٍ. فكيفَ أُنْقذُ عيسى من هذا الحالةِ الصعبة؟؟. حتَّى الأستاذَ ماجد لمْ ينتبه إلى حالةِ عيسى. فهلْ كانَ الأستاذُ ماجد أيضاً، في حالة شبيهةٍ بحالةِ عيسى، لكنَّها لا تظهرُ عليه بوضوح.‏

خطرَ على بالي ذاتَ يومٍ أنْ أسألَ الأستاذَ: "كيفَ استطاعَ سامي أن يخرجَ من الدارِ ويصلَ إلى قبرِ أمِّه؟؟" لكنِّي رأيتُ هذا السؤالَ يحملُ الحزنَ والألمَ.. قلتُ لنفسي: "فكِّرْ يا أحمد بعطرٍ يعيدُ للنفوسِ أجواءَ الفرحِ! فكِّرْ بنهرٍ نسبحُ فيه، يغسلُ عنَّا غُبَارَ التعبِ والكآبةِ. ابحثْ يا أحمد في فضاءِ روحِكِ عن غيمةٍ، تحاورها، وتستمتعُ بأغانيها، وتسمِعَها أغانيك، حتَّى تطيرَ إليها، أو تهبطَ إليكَ، لتروي براعمَ الرُّوحِ العطشى. اقتربتُ من عيسى وقلتُ لـه: "أتخيَّلُ فراشةً تطيرُ أمامي، وتهمسُ في أذني: "شُبِّيكْ لُبيكْ يا أحمد! اطلبْ وتمنَّ يا أحمد!". قالَ بفضولٍ فاترٍ: "إذن ما هي المشكلةُ؟؟" وأضافَ مُداعباً: "ولا تنْسَنا!". قلتُ مازحاً: ".. وأنا في حَيْرَةٍ. فمنْ أينَ أبدأ. أشرتُ إلى غيمةٍ واسعةٍ كبيرة ملوَّنة في السماء، وقلتُ: "ما رأيكَ لو طِرْنا إلى تلكَ الغيمةِ؟؟ "سألني: "ماذا نفعلُ هناك؟؟" قلتُ مُحتجاً: "ألمثلنا يقالُ هذا الكلامً؟؟ "سألَ: "ولماذا لا يُقالُ مثلُ هذا..؟". قلتُ: "في طريقِ (الشاطر) تُزْهِرُ أعمالٌ وأعمالٌ ، وأمامَ الكسولِ تتراكم الأوحالُ". قالَ وقدْ طفحَ وجهُهُ بأريجِ التحدي!: "أرني زهرةً واحدةً من فضلك". وقبلتُ التحدي بارتياح. قلتُ: "حسنٌ. أودُّ أنْ أطيرَ إلى هذه الغيمة أسبحُ فيها؛ أرافقها في سفرها. سآخذُ معي دفتراً، أدوِّنُ فيه كلَّ همْسَةٍ، كلَّ حركةٍ. أودُّ أنْ أستمعَ إلى نبضِ قلبِها، وخَفْقِ رئتيها. أودُّ أنْ أتوِسَّلُ إليها أن تبحثَ عنكَ وتَخطِفَكَ وأنتَ نائمٌ، وتَأْخُذكَ إلى..." نظرَ إلي باحتجاجٍ ولومٍ وقالَ: "كيف تريدُ من الغيمةِ أنْ تخطفني وأنا معك ( يا شاطر؟)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244