حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لغة الغيوم

لمْ ينسَ عيسى حكايةَ طيرانهِ إلى الغيومِ. كانَ يحدِّثُني عنْها بينَ الفينةِ والأُخرى، ويسألُني أسئلةً لا أستطيعُ الإجابةَ عنها. سألني: (لماذا لا يكونُ الطيرانُ إلى الغيومِ حقيقة؟؟). قلتُ: (الغيومُ تأتي إلينا بنفسِها، وتهطُلُ علينا غيثاً يروي الزرعَ والنفوسَ). قالَ باحتجاجٍ: (لكنَّ الأرضَ تعاني من قِلَّةِ المياهِ العذبْةِ‍ ـ وتابعَ بأسى ـ وكوكبُنا غنيٌّ جداً بالمياه.... حتَّى في البحارِ يوجدُ العديدُ من الأنهارِ العذْبة. فلماذا يعاني كوكبُنا من الجفافِ والقَحْطِ؟؟). سألتُهُ مازحاً: (أسْئِلتُكَ من العيارِ الثَّقيلِ.. فما هي علاقتُها بطيرانك إلى الغيوم؟؟ كنَّا نحلمُ يا رجل). قال: (وعباسُ بن فرناس، كان يحلمُ أيضاً.... وكان مؤمناً بأنَّ الإنسانَ قادرٌ على الطيران) قلتُ مُتَصَنِّعاً الحزنَ والألمَ: (لكنَّهُ، مسكينٌ دفعَ حياتَه ثمناً لأَحلامِه). رماني بنظرةِ عتابٍِ حادةٍ وقالَ: (لماذا لا تقولُ إنه فتحَ أمامَ البشرِ آفاقَ عصْرٍ جديدٍ ـ عَصْرِ الطيرانِ والفضاءِ؟؟) وشعَرْتُ بأنَّ عتابَهُ تحوَّلَ إلى لومْ، كأنَّهُ وَجدَني متلبِّساً بجريمَةٍ لا تُغْتَفَرُ وهو يقولُ: (منذُ متى وأنتَ تُفَكِّرُ بهذا المنْطِق؟ فمنْ يُضَحِّ بنفسهِ في سبيل الناسِ، يكُنْ عندك مسكيناً يا أحمدُ؟؟) عانقتُهُ طويلاً وأنا أربتُ على ظَهْرِهِ وأقولُ مُعْتذِراً: (ألمْ تشعرْ بأنِّي كنتُ أمزحُ؟؟) ثمَّ دخلنا إلى الدَّرسِ. سألني الأستاذُ بسرورِ واضحٍ: (ما الذي يجري بينكَ وبينَ عيسى؟؟ أكادُ أسمعُ بينكما أحاديثَ ساخنة. شاركونا، إذا كانَتْ هناكَ مَوْضوعات مُهمِّةٌ!) قلتُ ببساطةٍ وعفويةٍ: (حكاياتٌ وأحلامٌ وآمالٌ!) أشرقَ وجهُ الأستاذ بابتسامة واسعة، وقال مشجِّعاً: (ممتاز! رائع! وهل هناك أجمل من الحكايات والأحلام؟!). قلتُ وأنا أتغلَّبُ على موجةِ ضَحِكٍ شديدةٍ: (كلُّ ما في الأمرِ أنَّنا ـ أنا وعيسى، طرْنا إلى غيمةٍ كبيرةٍ، رأيناها في الفضاءِ... أعجَبَتْنا). سألَ الأستاذُ بفضولٍ يطفَحُ بالفرَحِ: (جميل! جميل! رائع! وماذا رأيتما هناك؟؟). يا إلهي! شعرتُ وقدْ عادَ الأستاذُ طِفْلاً مثلنا، يحلَمُ بالطيرانِ إلى عالمِ الغيوم. نَظَرَ الأستاذُ إلى عيسى وقالَ: (نريدُ أنْ نَستمعَ من عيسى).‏

كان عيسى يحاولُ كبْتَ موجةٍ ضحكِ قوية. كانتْ عيناهُ تدْمعَان من شدة الضَّحِك، والأستاذُ ينظرُ إليه متورِدَ الخدَّين من شدَّةِ الفرَحِ. أخيراً تماسكَ عيسى وقالَ: (... رأيتُ أحمدَ يسْتَعِدُّ للطيران فَتَشَبَّثْتُ به، فطارَ بي إلى غيمةٍ كبيرة... قال: إنَّهُ يريدُ أنْ يَتَعَلَّمَ لغةَ الغيومِ...).‏

قال الأستاذُ: (حسناً! هو يريدُ أنْ يتعلَّمَ لُغَةَ الغيومِ، وأنتَ؟!). قالَ عيسى بمرَحٍ: (لقد طارَ بي... إلى الغيمةِ وترَكَني هناك.. وعاد..). احتجَّ الأستاذُ بلُطْفٍ وقالَ: (فهمْنا قصدَكَ، لكنَّنا بحاجةٍ إلى توضيحٍ أكثر. أعطنا زُبْدَةَ الكلامِ). عندئذٍ بدأ عيسى يُجيبُ بهدوء ورصانةٍ: (بينَ الجدِّ والمُزاحِ، وبينَ الخيالِ والواقعِ وبينَ اليقْظَةِ والمَنامِ ـ سألْتُ نفسي: لقد استطاعَ الإنسانُ أنْ يَتَحَكَّمَ بالصَّوتِ والصُّورة ـ أقصدُ التلفازَ والمذياعَ، ويلتقطُ الصُّورَةَ في المكانِ الذي يُريدُه... واستطاعَ الإنسانُ أن يصنعَ الصواريخَ الفتَّاكَةَ، يُصيبُ بها الهدفَ بدقَّةٍ فائقةٍ، ليَقْتُلَ الأبرياءَ، ولم يستطعْ هذا الإنسانُ التَّحَكُمَ بالغيومِ وتوجيهها إلى الأماكنِ العطشى؟؟... لماذا نرى أماكنَ تعاني من فيضاناتٍ مدمِّرَة، وأماكنَ تعاني من القَحْطِ والجَّفافِ القاتلين؟؟ ـ وعادَ عيسى إلى المرحِ والمُزاحِ ـ فقلتُ لنفسي: (هيّا يا عيسى، تعلَّمْ لغةَ الغيومِ مع أحمدَ كي تطلبَ من الغيومِ أن تبحثَ عن الأماكنِ العطشى... ولا تحرِمنا من جودها ورائحتها المنعشة..) عندئذ رفعَ الأستاذُ يدَهُ لنستمعَ إليه، وقال: (هل تعلمون أنكم تطرحون مسألة هامة جداً.. أنا أعتقدُ أنَّ الغيومَ تبحثُ عن الأشجارِ، وعن المروجِ، وعن الزهورِ وعنِ السنابلِ، وعن الغاباتِ.. لتسقيها وترويها.. ولكنْ.. عندما يقطعُ الإنسانُ هذه الغابات ويسيءُ إلى الطبيعةِ، فإنه في الوقت نفسه، يسيء إلى الغيومِ.. فأين تذهبُ الغيومُ؟؟ أعتقدُ أنَّ من حقِّ هذه الغيوم أن تهرُبَ.. أو أنْ تأخذَ على خاطرِها.. ما رأيكُمْ؟؟ لماذا لا نتعاملُ مع الغيومِ والأشجار والطيور والأزهارِ، على أنَّها أرواحٌ حيَّةٌ، تبحث عن الأماكن التي تحبُّها؟؟.. كيفَ يأتي إلينا الطيرُ إذا قطعنا الأشجار؟؟ وكيف تأتي الغيومُ إلينا إذا كنا نسيء إلى كلَّ ما هو جميل في الطبيعة؟؟ والطبيعة هي حبيبة الغيومِ.. وكلُّ حبيبٍ يبحثُ عن حبيبه! أليسَ كذلك؟؟) لم أرَ عيسى مرحاً مثل هذا المرح، على الرَغْمِ من أني رأيتُ الحديثَ عن هذا الموضوع جدياً، ويحتاج إلى تفكير.. ولمْ أرَ الأستاذَ فرحاً متفائلاً إلى هذه الدرجة، فقال معبراً عن إعجابه الشديدِ بنا: (والله يا جماعة.. لستما سهلين.. لقد ذكَّرتماني بطفولتي وأحلامي.... فقدْ كنتُ مثلكما أسرحُ بأفكاري، في اليقظةِ والنومِ مع الغيومِ، وأرى فيها خرافاً وطيوراً وعصافيراَ وأشجاراً ومروجاً... وذات يوم، رأيت ثوراً مزركشاً رائعاً...فلعبتُ معه طويلاً... وانضمَّ إلينا طاووسٌ جميلٌ، وراحَ يلعبُ معنا. كنَّا نطيرُ من مكان إلى آخر كما تطيرُ الفراشاتُ بيسرٍ ورشاقَةٍ.. ثم أعطاني الطاووسُ شريطاً فضياً لأربطَ الثورَ.. فربطتُه وسرتُ به إلى شجرةٍ في البستانِ وربطتُه إليها... وأذكرُ أني استيقظتُ متأخراً في الصباح، على غيرِ عادتي.. ومضيتُ إلى المدرسة وأنا أفكِّرُ بالثورِ.. عدتُ إلى المنزلِ فرأيتُ ثوراً يشْبِهُ الثورَ الذي لعبتُ معه في الأحلام. أذكرُ أنِّي كنتُ في الصف الأوَّل. اقتربتُ مِنْهُ بحَذَرٍ فراحَ يهزُّ رأسِهُ. دنا أبي مني ووضَعَ يدَهُ على كَتِفي وقالَ: (هلْ أعجبَكَ الثوْرُ؟ اشتريتُه لك اليومَ من السوقِ. سنذبَحُه في العيدِ. ابتعدْتُ عن أبي وأنا أبكي.. وارتفعت حرارتي ومرضتُ. ولمَّا عرفوا السبب بعدَ جهد جهيد، تعهَّدَ والدي أن يحافظَ على الثور لي ـ أنا لألعبَ معه. وفي اليومِ الذي تماثلْتُ فيه للشفاء، هاجَمَنا جنودٌ من مستوطنةٍ صهيونيةٍ كانتْ قريبةً من منزلنا، واقتربَ اثنان منهم ليأخذا الثورَ، وبقي الآخرون شاهرين أسْلِحَتَهُمْ مهدِّدينَ والدي بإطلاق النارِ إذا تحرَّك. حاولَ أحدُ الصهاينة فكَّ الثَّور فنطحَهُ الثورُ نطحةً رمتْهُ على الأرضِ فاقدَ الوعي.. واستدارَ إلى الثاني لينطحه فهرَبَ.. ومضى الثورُ يهاجم الجنودَ بشراسةٍ وعُنْفٍ ولمْ يسمحْ لهمْ بالاقترابِ منهُ، إلاَّ بعدَ أنْ أردوهُ قتيلاً، ثم حملوا رفيقهمْ ومضوا خائبين..) بدا التأثرُ واضحاً على وجهِ الأستاذِ وتعثَّرَتْ الكلماتُ في فَمِهِ. ثم صمتَ لحظات وتابعَ يقولُ: (يا لهؤلاء الصهاينة الأشرار... لم يتركوا لنا مكاناً في حياتنا إلاَّ وزرعوه بالجِّراحِ... حتَّى أحلامَنا.. لكنْ.. ( يا جبلُ ما تهزَّك ريح) سنَنْتَصِرُ إن شاء الله... وستبقى جراحُنا أوْسمةً على صدرِ التاريخ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244