حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أين العيد؟؟

أيَّة ريحٍ طيبةٍ جاءتْ بكَ إلينا يا أستاذُ ماجد؟‍! كمْ مرَّةٍ ردَّدْتَ على مسامعنا: (الحياة أمٌّ، والأمُّ حياة). وأنت تعرفُ أنَّنا أيتامٌ في دار أبناء الشهداء هذه؛ محرومون منْ هذه النعمةِ التي لا تساويها نعمةٌ في الكون. لقدْ اغتالَ الصهاينة الأشرارُ أمَّهاتنا، وأذاقونا مرارَةَ اليُتْمِ الحارقة. وأنتَ يا أستاذ تقولُ: (لا حياة بعد الأم، ولا كرامة لإنسان بعد وطنه). أنظرُ إلى عينيك فأرى أمي تأخذني من يدي، وتسيرُ معي إلى السُّوق لتشتري لي ثيابَ العيد. أسألها: (ومتى سيأتي العيدُ يا أمِّي؟؟) فتقولُ لي بابتسامة مشرقة: "غداً يا حبيبي!". وأسألها: (وكيف سيأتي العيدُ يا أمِّي؟؟ ماشياً أم في السيارة؟؟). تضمني إليها وتقولُ: (لا يا حبيبي. العيد يأتينا مثل الطَّير). وأسألها بإلحاح: (لـه أجنحةٌ؟؟ كبيرة؟؟ مثل البطَّة؟؟). فتجيبني بمَرَحٍ: (لا! مثل الطاووس). وأنسى كلَّ شيء وأفكرُ بالطاووس، وماذا سأقول لـه؟؟ وماذا سأطعمه؟؟. ولا نعودُ إلى المنزلِ إلاَّ ورأسُ أمِّي مثقلٌ بالعديدِ من الأسئلة. أحاولُ أن أتذكَّرَ: (كمْ كانَ عمركَ في تلك الأيَّام يا أحمد؟؟). أظنُ أني كنتُ في الرابعةِ من عمري، أو ربما أقل. أذكرُ ، بعد عودتنا، دخلتْ أمِّي إلى المنزلِ، وبقيتُ في الشارعِ؛ فهاجمني خروف الجيران، ورماني أرضاً.. لكنني نهضتُ وتناولتُ حجراً، وضربتهُ، ولم أصبْه، فعاد يهاجمني ثانية. ولولا جارتنا أم أيمن لآذاني ذلك الخروف. أدخلتني جارتنا إلى المنزل، وحذَّرتني من الاقتراب من الخروف. لكنَّني انتظرت حتى خرجتْ، فمضيتُ إلى المطبخِ، وأخذتُ رغيفاً من الخبز، وعدْتُ إلى الخروف، وبدأتُ أقتربُ منه بحذر وأغريتهُ بالخبزِ. بدأ الخروفُ يهزُّ رأسَهُ لي، ويطمئن لي شيئاً فشيئاً. خرجتْ أمُّ أيمن فرأتني أعانقُ الخروفَ وأُطعمهُ الخبزَ. وقفتْ تنظرُ إلي بدهشة وإعجاب. ثم قادتني إلى أمي وطلبتْ منها أنْ لا تسمحَ لي بالخروجِ، فقدْ يؤذيني الخروفُ بقرونه الطويلةِ الحادة. فقالت لها أُمِّي رحمها الله: (دعيه يلعب، ويريحني منْ أسئلته. سألني أكثرَ من ألف سؤال عن العيد). فقالتْ لها الجارة: "دعيه يسأل. هل أصبحَ السؤالُ حراماً؟؟".‏

أجابتْ أمي: "ليسَ حراماً.. لكن من أين يأتي بمثل هذه الأسئلة؟.. وكأنَّها نبعٌ". وأضافتْ أمي توصيني: (اسأل يا أحمد خالتك أم أيمن عن العيد.) نظرتُ إليها بحياء، وبقيتُ صامتاً. قالتْ لها أمي: (سألني كيف يأتي العيد؟ فقلت له يأتينا العيدُ مثل الطير.. ثم بدأت الأسئلة: ما هو لونه؟ وأينَ ينامُ العيدُ؟ ومن والده؟ وأين هو الآن؟؟ ولماذا لا يبقى عندنا؟؟.) عانقتني الجارة بحنان، وهتفتْ فرحة: (يسلم لي هو وأسئلته.. العيدُ يا حبيبي مثل الغيمة يأتي من بعيدٍ، ويهطلُ علينا مطراً، فيسقي قلوبَ الناس لتزهر..). قاطعتُها سائلاً: (قالتْ أمي إن العيدَ طيرٌ كبيرُ، مثل الطاووس.. يطير في السماء. طيب، إذا (قوسوه)؟!) وانتفضت أم أيمن تستنكر قائلة: "يقتلُ الله من (يقوِّسُ) العيدَ. العيدُ يحميه الله. لا تخفْ يا أحمد. سيأتينا العيد بإذن الله. وكلنا سنحميه إذا حاول أحدٌ أن (يقوسه)". وأنا أقول اليوم: "سيأتينا العيدُ يا أستاذ ماجد، بإذن الله. آهٍ أيها العيد! (ذكَّرتني أهلي وجيراني!). آهٍ أيها العيد! (قد هيَّجت أشجاني) وأحزاني!. وأسألُ نفسي اليومَ أين العيد؟؟ وأعرفُ من يقتلَ العيد، كلَّ عام، بل كلَّ يوم وساعة، قبل أن يصلَ إلينا. فإلى متى يا عيد تبقى بعيداً عنا، يمنعك الأشرار من الوصول إلينا، لتزهرَ الحقولُ والبساتينُ في قلوبنا وأرواحنا، ونبحرَ في شذا الأفراح، نبشِّرُ الكونَ، بسلام المحبة والوئام؟؟. وأسألُ نفسي أيضاً: "هلْ كانَ عمري حين ذاكَ، نحو أربع سنوات فقط؟؟ كأني أعيش تلك الأيام كما أعيشها اليوم. رائحة أمي تنعشني، وتهتفُ في قلبي، بل وتغنّي وتزغردُ وترقصُ: (كلُّ عامٍ وأنتِ بخيرٍ يا حبيبي أحمد.! كلُّ عامٍ وصديقك عيسى بخير! كلُّ عام وحبيبك الأستاذ ماجد بخير. كل عام وأطفالُ العربِ والعالمِ، بألفِ ألفِ خير..) وأمي لم ترَ في حياتها صديقي عيسى، ولم تعرف الأستاذ ماجد. يا لقلبِ الأمِّ! كأنَّهُ حيٌّ لا يموتُ، يعيشُ معنا دائماً وأبداً، يبدِّدُ الظلامَ، ويطردُ الأحزانَ، ويحرقُ الآلام. هيَّا يا أمي اقتربي مني أكثر، لأسألك عن العيدِ. عن ذلك الطاووس الجميل، وعنْ أمِّ أيمنَ وخروفها. ليته يعودُ، لينطحني بكلِّ ما يملكُ من قوة، ما شاء وما طابَ له أن ينطحَ. آهٍ، ما أجملَ نطحاتك، وما أحلاها على قلبي، كأنَّها تباشيرُ العيدِ ورائحته الزكية.‏

يناديني عيسى، مصافحاً. صافحته فعانقني؛ يهنئني بعيد الفطر السعيد. كان هادئاً قريرَ الروح، كبرعمٍ على صدرِ أمِّه. نظرَ إليَّ طويلاً ثمَّ قالَ: (كنتُ أراقبك وأنتَ غارقٌ في ذكرياتك. لقد ابتعدتَ عنَّا بعيداً. ثم ذكَّرني بعبارة الأستاذ ماجد: (أرني ابتسامتك أيُّها القوي، تشرقْ في وجهك نوراً يطرد الظلام من طريقك!). ثم قدَّمَ لي بطاقة كَتَبَ فيها بخط يده الجميل: (أعيادنا في نصرِنا الكبير على الصهاينة الأشرار.)‏

نظرتُ إلى الأُفقِ البعيدِ، فرأيتُ وجهَ أمِّي يُشْرِق بابتسامته الحبيبة، وقد طارَ من بين شفتيها، سربُ حمامٍ أبيضَ، راحَ يحومُ فوقَ رأسي، يبشِّرني بعيدٍ كبيرٍ، لأطفال العربِ جميعاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244