حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الزيارة

بينما كنَّا نتناولُ طعامَ الغداءِ، اقترَبَ الأستاذُ ماجد منْ زميلنا مهيار وأبْلَغَهُ أن زائرا يَنْتَظِرُهُ بعدَ الطعامِ. نظرَ إلينا بِحَرَجٍ وحياء. ومهيارُ شاعرُ صفِّنا، لكنَّه شديد الحياءِ. وهو صاحبُ صوتٍ عذبٍ، إذا غنَّى، أصبحَ لونُهُ ورديا كزهرةٍ خجلى. بعدَ الطعام، هَمَسَ مهيار في أذني: (أرجو أن تكونا معي أنت وعيسى). حاولت أن اعْتَذِرَ، لكنَّه أصرَّ على مرافقتنا لـه. مضينا معاً إلى لقاءِ الزائر. حييناه، فعانقنا جميعاً بحرارةٍ، وقبَّلنا، ثم جلسَ ينظرُ إلينا بلهفةٍ، ويرمقنا بنظرات تفيضُ بحنان مغموسٍ بحزنٍ وأسى. تأمَّلَ الزائرُ مهياراً طويلا، وعيناه تفيضان بالدموع.. ثم أشار إلى مهيار مؤكِّداً: (أنت مهيار! أليس كذلك؟؟). أطرق مهيار بِرَأْسِهِ إلى الأرض، ولم يُجبْ. اقتربَ منهُ وعانقه بحرارة وهو يقول: (أهلا بابن الغالي! أهلاً بالحبيبِ.) وكرَّرَ هذه العبارة غيرَ مرة. انضمَّ إلينا الأستاذُ ماجد، وجلسَ يَنْظرُ إلينا بارتياح. كان الزائرُ ينظرُ إلى مهيار كوالدٍ أضاعَ ابنه الوحيدَ مدَّةً طويلة، ولم يعثرْ عليه إلاَّ بعدَ جهدٍ وعذابٍ أليم. بعد أن هدأ قليلاً، بدأ الزائر يبحثُ عن كلماتٍ يقدِّم بها نفسه إلينا، فلمْ يجدْ ما يبدأ به.‏

عادَ إلى الترحيب بنا بكلمات تُعَبِّرُ عنْ حبِّه الشديد. أخيراً تدخَّل الأستاذُ ماجد فقال لمهيار: (عمَّكَ أبو سامر يا مهيار. جاء من فنزويلا ليسلَّمَ عليك.) قال مهيار ولمْ يرْفَعْ ناظريه: (لكنْ، ليس لي أعمام. استشهدوا جميعاً.)‏

نهضَ مهيار للانصراف. استوقفه الأستاذ لائماً: (اجلسْ يا مهيار! لماذا نهضتَ؟؟). جلسَ مهيار على مَضَضٍ. كان وجهُهُ يزدادُ تَوَرُّداً. سأله الزائرُ: "أنا ضيفكُ جئتُ منْ فنزويلا لأراكَ وأسلِّمَ عليك. كأنك لا تحبُّ الضيفَ؟ حبيبي مهيار! أنا عَمُّكَ.. أقصد. كان والدُكَ رحمه الله، أعز إنسان رأيته في حياتي. ألمْ تسمع بالمثل (ربَّ أخ لك لم تلده أُمُّكَ؟). لقد كان والدُك، رحمه الله ـ الأخَ والصديقَ ,أنا مدينٌ لـه بكلِّ ما أملكُ في حياتي. كان مَثلي الأعلى. كنتُ أعيش في ظروفٍ قاسية لا تطاق. عانيتُ من المرضِ طويلاُ، وكان والدُك رحمه الله، يقفُ إلى جانبي، كما يقف الأبُ والأخُ والصديقُ الوفي. ومهما عملتُ، فلن أفيه جزءاً يسيراً من دينه علي.) وصمتَ الزائر طويلاً، ينظرُ إلى مهيار. كان الزائرُ يبحث عن طريقِ إلى قلبِ مهيار، وكان مهيار يدعو الله أن يفتح له طريقاً للخلاصِ من هذا الموقفِ الصَّعب والشائك. كان مهيارُ يحكُّ جِسْمَه بكثرة، ليخفف من الحرج الذي يحاصره ويضغط عليه وحين عجزت الكلمات، تناول الزائر محفظة كانت إلى جانبه، وقرَّبها من مهيار، وقال: (حبيبي مهيار. هذه لكَ. وسأزورك غداً ـ ونظرَ إلى الأستاذ ـ إذا تكرَّمَ وسمحَ لي الأستاذ ماجد.) ثم نهضَ الزائر على نيَّةِ الانصراف، وعيناهُ تعبِّرانِ عن فشَلهِ في الدخولِ إلى قلبِ مهيار. ودَّعنا جميعاً، ثم مدَّ يدَه إلى مهيار لوداعه، فلم يستجب مهيار. سأله بأسى: (ألا تريد أن تصافحني؟؟). لم يحبْ مهيار، بل نظرَ إلى الأستاذ وقال بإصرار: (أنا لا أريد شيئاً من أحد! فليعْطِها لغيري!) طفحَ وجهُ الزائرِ بالحزنِ والأسى وقال: (لماذا تعاملني وكأنِّي عدو؟؟. أنتَ ابن أغلى وأعزِّ إنسانِ في حياتي وهذه هدية منّي إليكَ..) قاطعه مهيار: (لا أريدُ. لستُ بحاجة لشيء..). نظرَ الزائرُ إلى الأستاذِ، يستنجدُ به. اقتربَ الأستاذُ من مهيار. وضعَ يدَهُ على كتفه وقال: (لا يجوزُ هذا يا مهيار. لقدْ قبلَ الرسولُ ( الهدية لا تخْجِلْ عمَّكَ، وقلْ له شكراً!) ثم نظر الأستاذ إلى الزائر وقال: (حسناً لقد قبل مهيار الهدية) وسأل الأستاذ مهياراً: (أليس كذلك؟؟) لكن مهيارا هزَّ رأسه تأكيداً على رفضهِ. همَّ الزائرُ بالانصرافِ، لكنَّهُ عادَ وتوقَفِ ثانية، ينظرُ إلى الأستاذ ماجد، علَّهُ يجدُ لديه تفسيراً مقنعاً. قالَ الأستاذُ معاتباً: (الآنَ، أنا عاتبٌ عليك يا مهيار. هل ترضى أن يخرج ضيفُكَ وهو غيرُ راضٍ عنَّا؟؟ قلْ لنا السببَ وسنقبلُ به..). أوَّل مرَّة أرى مهياراً يخلعُ عنه ثيابَ الخَجَلِ والحياءِ.. ويخاطبُ الأستاذَ بصورة طبيعية، بهدوء كأنَّه يقرأ قصيدة حفظها منذُ زمنٍ بعيد قائلاً: (كانَ أبي رحمه الله يشجعني على البذلِ والعطاء. وكان يوصيني دائماً بأن أعطي ولا آخذ إلاَّ ما أنا بأمسِّ الحاجة إليه. كان يعطيني السكاكرَ والهدايا لأوزِّعها على زملائي، فأصبحتُ لا أفرحُ إلا عندما أزرعُ وردَ الفرح في صدور منْ أحبهم. فكيفَ تريدني أن آخذ شيئاً لست بحاجة إليه، وأنا أحلمُ بلحظة أكونُ فيها أنا من يعطي ويسقي مروجَ الفرح في قلوبِ الناس؟!) كنَّا ننظرُ إلى مهيار بإعجاب شديد، ولم ننتبه إلى الزائر إلا بعد أن عانق مهيار وراح يهتف من أعماق روحِه: (أصيلٌ! والله! أصيلٌ وابنُ أصيل!) واستدارَ إلينا وتابعَ قائلاً: "ماذا أقولُ يا جماعة؟؟ لا أعرفُ ماذا أقول؟؟ لمنْ أقدِّمُ هديتي؟؟ سأضَعها أمانة بين يدي الأستاذ.. وأمضي مكسورَ الخاطر..لا! بل أنا فخورٌ بابن صديقي وحبيبي مهيار.) وكادّ يخرجُ دونَ وداعٍ، لكنَّ الأستاذَ استوقفه، وهو يقول لمهيار: (مهيار! عمُّك أبو سامر تبرَّعَ بمبلغ كبيرٍ من المالِ لدار أبناء الشهداء، وجاءَ بهذه الهدايا لك. فأقبلْها وهبْها لمنْ تشاء.) قالَ مهيار: (ليستْ لي لأهبَها.... ولنْ أبيعَ معروف أبي بمال الدنيا. وَكُلٌَّ يُجزى على معروفه). ومدَّ يدَه إلى الزائر مودِّعاً وهو يقول: (آملُ أن تكونَ زيارتُك المقبلة للدارِ، وليس لي فقط، لنفرحَ بك جميعاً، وتفرحَ بنا جميعاً. فيدُ الله مع الجماعة). عانقَ مهيارُ الزائرَ وانصرف. ودَّعنا الزائرَ وتبعنا زميلنا، ونحن لا نصدِّق ما رأيناهُ من مهيار الذي كنَّا نظنُه من أرقِّ الأطفالِ وأكثرهم وَجَلا وحياءً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244