|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العصفور الشجاع تحدثتُ طويلا ًأنا وعيسى عن مهيار الذي فاجأنا جميعاً حديُثهُ مع الزائر أبي سامر. ولم نستطعْ تفسيرَ ـ لماذا رفضَ مهيار هديةَ صديقِ أبيه الحميم.. ولماذا لمْ يقابل مهيارُ وفاءَ صديقِ والده، بالشكرِ والعرفان؟؟ لقد جرحَ مهيارُ مشاعرَنا جميعاً. حتَى الأستاذَ، لمْ يرتحْ لموقفِ مهيار. والحقيقةُ أنني تألمتُ كثيراً لأنَّ مهياراً أخْجَلَ الزائرَ (أبو سامر) وأخجلَ الأستاذَ أيضاً. لكنِّي منذُ تلكَ الزيارة، بدأتُ أهتمُ وأتوقفُ أمامَ كلِّ حركة يقومُ بها مهيار. جلستُ إلى جانبه على طعامِ الغداءِ، وقلتُ لـهُ: ((لقدْ أغضبتنا جميعاً منك يا مهيار.)). فأجابني بودٍّ: ((لا عاشَ منْ أخجلك يا أحمد)).. وتابعَ: (( لا أريد أن أتميَّزَ عنْ واحد في شيء. نحن هنا أخوة. فلو جاءَ والدي بهدية لي وأنا في هذه الدار لما قبلتُها. وأنا على يقين من أنَّ والدي لو كانَ حيَّاً، ما خصني بشيء.. فإما أن يقدِّمَ لنا جميعاً ما يريدُ أن يقدِّمَهُ، وأمَّا أنْ لا يقدِّم.)). قلتُ لـه: (( لقد أرادَ العمُّ أبو سامر أن يعبِّرَ عن وفائه لأبيك.. ولمْ تقدِّرْ أنت موقفَهُ وعواطفَه النبيلة.)). قالَ ببساطة: (( لكنْ، ليسَ في هذا المكان. فنحنُ في دار أبناءِ الشهداء. إنَّه مكانٌ مقدسُ.. هنا تتعانقُ أرواحُ آبائنا الشهداء، لتعبِّرَ عنا جميعاً. عن وطننا الواحد وعن وحدتنا المقدسة.)). اقتنعتُ بما قاله مهيار، لكنِّي بقيتُ غيرَ مرتاحٍ لموقفه من أبي سامر. سألته عن الشعر.. وعن آخر ما كتبه. قالَ: ((كل يوم أكتبُ مقطوعة. وفي الصباحِ أقرأها فلا تعجبني، فأخبئها، وأحياناً أمزِّقُها وألقيها في سلةِ المهملات.)). مهيار متواضعٌ جداً. وقد نوَّه الأستاذُ ماجد غير مرة بكتاباته المتميزة. تمنيتُ أن يقرأ لي أحبَّ ما كتبه، أو أحدَثَ ما كتبه، لكنَّه قالْ لي: ((أنا الآنَ أقرأ التاريخَ وأفكِّرُ كثيراً بالتاريخ. قرأتُ كثيراً عن وعدِ بلفور المشؤوم، وكتبتُ هذه العبارات: بلفور أفعى في الزمان بسُمِّهِ حَرَقَ الحقولَ ويتَّمَ الأزهارا أدمى البراعمَ والطيورَ بحقده طَعَنَ النجومَ ورمَّلَ الأقمارا. سألته: ((وماذا قلت في شارون؟)). تنهَّدَ بحزن وقال: ((كلُّهم واحدٌ وإن اختلفت الأسماء. شارون هو (بلفور) و(بلفور) هو (شارون).. الأشرارُ هم الأشرارُ مهما اختلفت الأسماءُ. اسمع هذه الحكاية)).. وكأنَّهُ أراد أنْ يبعدَني عن الشعر. قلت هاتها يا صاح. قال: (عاش في قديم الزمان ملك شرير، لم يترك جريمة بشعة إلاَّ وارتكبَها. كان يحرقُ المدنَ ويُدمِّرُُ القرى، ويقتِّلُ النساءَ والشيوخَ بنشوة، كما كان يتناول وجْبَتَهُ الشهية كلَّ يوم. كانت ْالنجومُ تموتُ حزْنا على الأطفالِ الذين يتَّمهمْ هذا الملكُ الشريرُ؛ وتهتَزُّ الجبالُ أَلمَا لكل جريمة تقترفها يداه الآثمتان. حتى الغيومُ، كانتْ تهربُ بعيداً، كي لا تدنِّسَها جرائمُهُ النكراء. وكانت العصافيرُ ـ الوجبةَ المفضلة لهذا الملك الشرير. لذا كانت تختبئ ساعاتٍ طويلةً حتى لا تطالها أيدي صيادي الملك، المتربصة بها في كلِّ مكان. وذات يوم فكَّرَ عصفورٌ شابٌّ: (( إلى متى نبقى مختبئين في أعشاشنا، نعيش في الظلام، محرومين من حريةِ الطيران في الفضاء الطلقِ واللَّعِبِ في المروجِ والبساتين؟ إلى متى نبقى محرومين من الغناءِ على الأغصان؟ إلى متى نحملُ الخوفَ معنا في كلِّ مكان، من بطشِ هذا الملك الآثم؟ وإلى متى ننتظرُ الموتَ، ونحن مكبلون بالرُّعْبِ والأحزان؟)). ولم ينَمْ هذا العصفورُ طوال الليل، وهو يفكِّرُ ويفكِّرُ؛ يحاول الإجابة عن العديد من الأسئلة. ومع الفجرِ، انطلق العصفورُ الشابُّ إلى عشِّ عصفور عجوز، وطلبَ منه أن يساعدَ في الإجابة عن ما خطرَ في ذهنه من أسئلة، لم يستطعْ الإجابة عنها. بكى العصفورُ العجوزُ فخراً وفرحاً هاتفاً: ((أهلاً بأشجعِ عصفور رأيته في حياتي!)). استغربَ العصفورُ الشابُّ هذا الإطراءَ.. وسألَ العصفورَ العجوزَ: ((لمْ أفعل شيئاً لأستحق هذا اللقبَ الرفيعَ)). سألَ العصفورُ العجوزُ: (( أجبني صراحة: هل أنت خائفُ من الملك الشرير؟؟)). أجابَ العصفورُ الشابُ: ((سئمتُ الخوفّ لا بلْ بتُّ أكرهُ وأحتقر كُلَّ خائف جبان، حتى ولو كان هذا الجبانُ أنا نفسي. لا أريدُ أنْ أموتَ وأنا مكبَّلٌ بالخوف! لا أحلمُ إلاَّ بأن أموتَ شجاعاً، إذا لمْ يكنْ من الموت بدٌ!)). ثمَّ تَنَهَّدَ العصفور الشابُ وقال: (يبدو لي أن الجبن والخوفَ هما سبب مصائبنا كلِّها) هزَّ العصفورُ العجوز رأسه وسألَ العصفورَ الشابَّ: (( كيفَ ظهرتْ لديك هذه الأفكارُ، ومازلتَ شاباً؟؟)). قال العصفورُ الشابُّ بألم: ((.. خرجَ والدي ذاتَ يوم ولم يعد.. وفي يوم آخر، خرجَ أخي الكبير ولم يَعُدْ.. أمي ترتعدُ طوالَ الليلِ والنهارِ من الخوفِ.. نأكلُ والخوفُ يخنقنا.. ننام والرعبُ يطاردنا. فهلْ هذه حياة؟؟.. وإلى متى تحاصرنا كوابيسُ الرعبِ؟؟ دلني إلى طريق نعيشُ فيه كما تعيشُ كائناتُ الأرضِ، في سلامٍ وأمانٍ.)). تنهَّدَ العصفورُ العجوزُ بألمٍ وحزنٍ وقالَ: من أينَ يأتي الأمانُ والسلامُ إذا سادَ الطغاةُ واللئام! لم تعجبني إجابة العصفور العجوز. قلتُ لمهيارَ: ((يبدو أن عصفورَكَ العجوزَ جبانٌ أيضاً.)) قالَ بإصرار: ((أنا لا أسمي من يحلمُ بالسلامِ جباناً)). قلتُ محتجّاً: (( وما نفعُ الأحلامِ بلا أفعال!)). قالَ بسرورٍ ونشوةٍ: ((العصافيرُ هي أرواحنا يا أحمد.. وعندما تحلمُ أرواحُنا، تتحرَّكُ عقولُنا.. وعندما تتحركُ عقولنا، تزودنا بالنشاط والحيوية، لكي نقومَ بالفعل الذي نريدُ..)).. سألته مُمْتَحِناً: (( وما الذي يمكن أن تفعله العصافير أمامَ صيادي الملك، الذين يحملون أسلحة فتَّاكةِ؟؟..)). قال ببساطة لم أتوقعها: ((.. الفعل للإنسان فقط، إذا فهمَ وأدرك..)). بدأت أفكِّرُ بما قاله مهيار. ربَتَ على كتفي وقالَ: ((.. يقفُ الفلاحُ أمامَ الشجرةِ، كأنَّه يقفُ أمامَ أحبِّ الكائنات إليه؛ ويفهم كل ما تحتاجه حبيبتُه الشجرة)) وسألني كما يسألُ المعلمُ التلميذَ: (هل فهمت فكرتي؟؟)). هززتُ رأسي إعجاباً بمهيار وما قاله.. لكنَّهُ تابعَ يتأملني وكأنَّهُ يشكُّ في فهمي واستيعابي لفكرته، فأضاف موضِّحاً: ((.. ويصغي النبيهُ الذكيُ إلى زقزقة روحه وتغريدِها؛ ويفهمُ، كما يفهم الفلاحُ حبيبته الشجرة..، إذا كانتْ أرواحنا خضراء، أيقظتْ الإلهامَ فينا.. والعصافيرُ هي أرواحنا؛ تبحثُ عن أشجارها الخضراء، لتسمعنا ما تريده الحياة منا.)).. ودَّعْتُ مهيارا وأنا أفكِّرُ وأقارنُ بين مهيار ـ الطفل الخجول، وبين مهيار ـ الشاعر الذكيِّ... الغني بأفكارٍ نحتاجُ إلى فهمها ودراستها. فمن يدري قد يصبحُ مهيار فيلسوفاً مثل ابن خلدون الذي حدَّثنا عنه الأستاذُ في الأسبوع الماضي؟! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |