|
عسكر وحرامية
شعرتُ أنٍّي ارتكبتُ خطأ كبيراً بحقِّ مهيار، حينَ قاطعتُه وهو يحكي لي حكايتهُ، ولمْ أُتِحْ لهُ فُرْصَةً لإكمالها. ولامني عيسى حينَ أخبرتُهُ بما جرى بيني وبينَ مهيار، لكنَّه طمأنني بأنَّه سيْصلِحُ الأمرَ. بعدَ العشاءِ جلسنا مع مهيار وتحدَّثْنا طويلاً عمَّا يجري حولنا منْ أحداثٍ شهدتْ اليومً، تسعةَ عشرَ شهيداً، منْهُم طفلةٌ رضيعةٌ وثلاثُ نساء. قلتُ: (صرنا نتحدث نحنً الصغارُ عن الحروبِ والدَّمارِ والشهداءِ، أكثرَ من الحديثِ عن الألعابِ والنُزْهات والأحلامِ.). تنهدَ عيسى وقالَ: (أشْعُرُ بأن صدري أصبحَ أرضْاً جافَّةً، كأنَّهُ صحراءُ تَلْتَهُبُ...). قلتُ: (..ولا يشفي عطشَ الأرواحِ إلاَّ الحكايات الجميلةُ.. ليتَني الآنَ أجلسُ في بستاننا إلى جانب جدي، يقصُّ عليَّ حكايةً من حكاياته المُمْتعةِ..) وكدتُ أغيبُ في عالمِ الأحلامِ، وأنا أتَذَكَّرُ تلكَ الأيام الجميلة الرائعة.. لوْ لمْ يهزُّني عيسى من يدي مازحاً: (يالكَ منْ أناني.. ألا تحبُّ أن نكونَ معكّ؟؟).. وأضافَ مهيارُ: (تريدُ أن تمضي مع ذكرياتكَ وَتَتْرُكَنا وحيدين هنا؟؟..) قلتْ بأسى: (... آسف! آسف. تخطفُنا الذكرياتُ رغْماً عنَّا، كما يخطفُ النومُ المتعبَ الحالمَ..). قالَ عيسى مخاطباً مهياراً: (أنقذْنا بحكايةٍ تأخذُنا معاً إلى عالمٍ جميلٍ).. ومهيار يحبُّ كلمة (معاً). أي أنه يحبُّ الحديثَ والمشاركةَ في موضوعِ الجماعة. قالَ بعفويةٍ: (الحكاياتُ تأخذنا إلى الماضي، وأنا أحبُّ أن أنظرَ إلى المستقبل.. فما رأيكم أنْ ننظر إلى الأمام؟؟ ما رأيكم في أن نطيرَ إلى عالمِ المستقبلِ، لنكونَ أبطالَ حكايةٍ جديدةٍ؟؟..). سألناه بلهفةٍ وحماسةٍ: (كيف؟؟ ماذا تقصد؟؟). قال ببساطةِ الحكيمِ وثقتهِ: (كلُّنا واثقونَ من انتصارنا على الصهاينة الأشرار وتحريرِ كاملِ أرضنا من سمومِهم). قلنا بثقةٍ: (طَبْعاً كلُّنا واثقون..). قالَ مهيارُ بحركةٍ مسرحيةٍ، ماداً يدَهُ إلى الأمام: (تصوروا معي أننا الآنَ نُطهِّرُ أرضَنا من بقايا جنودِ الاحتلالِ المُنْهَزِمِ أمامَ الانتفاضةِ العارمة لأمَّتِنا على قوى الشرِّ والعدوان).ونظرَ إليَّ طويلاً يَتَفَحَّصُني وتابعَ قائلاً: (أنتَ الآنَ يا أحمد ضابطٌ منهزمٌ في جيشِ الاحتلال الصهيوني، يحاصرُكَ المقاتلون العربُ في إحدى المستوطنات الصهيونية). لاحظَ مهيارُ ألمي وحُزْني.. فطَمْأَنَني قائلاً: (إننا نتخيَّلُ.. تتصورُ.. أنتَ أحمد ـ عربي.. ألا تستطيع أن تتصورُ حالةَ ضابطٍ صهيوني محاصرٍ في إحدى المستوطناتِ الصهيونيةِ؟). وافقتُ على مَضَضٍ، فالتَفَتَ إلى عيسى وقالَ: (وأنتَ يا عيسى، تصورْ أَنَّكَ تُحاصرُ آخِرَ مستوطنات الصهيونية المُنْهَزِمَةِ.. وتلْقى مقاومةً شديدةً) احتجَّ عيسى ساخراً بطريقة مسرحية: "أنا أتصور أن الصهيونيةَ ستنهارُ، كما ينهارُ بناءٌ ترابيٌّ قديمٌ، أمامَ مَطَرٍ غزيرٍ ورياحٍ عاصفةٍ. ستهوي الصهيونية وتغورُ في الأرضِ عميقاً.. أو ستجرفُها السيولُ..). رَفَعَ مهيارُ يَدَهُ مُنَبِّهاً، يُذَكِّرُنا: (الذكيُّ النبيهُ، يستَعِدُّ لكلِّ الاحتمالات.. ـ وبالطريقةِ المسرحيةِ نفسها تابعَ: (نحن يا أصدقائي، نتصورُ.. نتخيلُ ونستعدُّ لكلِّ الاحتمالاتِ.. أليسَ كذلكَ؟؟(. سألتُهُ: (وأنتَ؟ ما هو دَوْرُكَ؟؟). قالَ ببساطة ونشوة: (أنا الجمهور.) وأشار بيده للبدء قائلاً: (هيَّا يا أحمد! أرِنا ما عندكَ!). (سأحاولُ وأبذلُ قصارى جهدي.. وأمري لله).. تصورتُ أني مسؤولٌ عن مستوطنة صهيونية، واسمي موشي. بدأ الرعبُ يُمزِّقُني واليأسُ الأصفرُ ينهشني وأنا أعيشُ انهيارَ الكيانِ الصهيوني، وأرى وأعيش بألم كيفَ تحوَّلَتْ الأحلامُ إلى رماد. أصرخُ بأعلى صوتي: (أيها الناس!) فيجتمعونُ حولي يرتعدونَ خوفاً وهلعاً. أقولُ لهم بصوتٍ تخْنِقُه الآلامُ وتحرقُهُ المرارُة: (لقد انهزمنا!! وعلينا أن نرفعَ الرايةِ البيضاءَ.. ونرحلَ..كفانا حروبا!! كفانا دمارا.. لقد وَعَدَتْنا الصهيونيةُ بالجنة، ولم تعْطنا إلاَّ الحروبَ والدمارَ. هيَّا اخرجوا وارحلوا.. واتركوا الأرضَ لأهلها...) يهجم علي صهيوني أرعن... يَمْنَعُني من متابعة كلامي: (اسكت أيُّها الجبانُ.. لنْ نرحلَ. سنموتُ هنا.. سنحترقُ مع أحلامنا.. ولن.. نر..حـ..ل!) يصوِّبُ الصهيوني الأرعنُ مسدَّسَهُ تجاهي ويطلقُ الرصاصَ علي. يصيبني في كتفي. تتدفق القوات العربية، وتجتاح المستوطنةَ كالسَّيلِ الجارف.. يلتصقُ الصهاينةُ جميعاً بالأرضِ. أنا جريحٌ.. أصرخُ متألماً. يقفُ (عيسى) ـ قائد القوات العربيةِ المقتحمةِ، يخاطبُ المستوطنين الصهاينة المستسلمين: (أيُّها الناسُ! العربُ لا يُؤذون أسراهم، ولا يعاملون الضعفاءَ والأطفالَ والنساءَ بقسوةٍ. انهضوا جميعاً ولا تخافوا. لا نريدُ إلاَّ إعادة الحقَّ لأصحابِه). يشيرُ عيسى إلى مساعده: (خذوا الأطفالَ والنساءَ والشيوخَ إلى مكان آمنٍ.. وقدِّموا لهمْ ما يحتاجونه..). أصرخُ مُسْتَنْجِداً من الألم. يقتربُ مني عيسى. يسألني: (من أنتَ؟؟.) أحاولُ النهوضَ فيمنعني جُرْحي من الوقوفِ. يساعدُني عيسى على النهوض.. أقدِّمُ نفسي بصوتٍ يتمزقُ من الألم: (أنا.. قائدُ.. هذه المسـ..تـ..ـو..ط..نة..).. أفقدُ السيطرةَ على نفسي ويُغمى عليَّ. يُشيرُ عيسى (كقائدٍ للمقاتلين العربِ). بتقديمِ المساعدةِ الطبيةِ لي، ثم يتوجَّهُ إلى بقية المنبطحين على الأرضِ: (نَطلبُ من جميع المجندين في الجيش الصهيوني أن ينهضوا ويصعدوا إلى عربة، بعد أن يتركوا كل أسلحتهم على الأرض.) يتراكضُ الصهاينةُ، يصعدون إلى العربة. ينتهي المشهدُ. نقفُ أمامَ مهيار. نسألُهُ عن رأيه.. يفكِّر.. ثم يقولُ: (هناكَ خطأٌ كبيرٌ ارتكبه عيسى. فمنْ يستطيع تحديدَ هذا الخطأ؟؟) بدأنا نُفَكِّرُ.. بالخطأ الذي ارتكبناه في (اللعبة) التي مثَّلناها أمام مهيار، لكننا لم نستطعْ تحديدَ الخطأ. سلَّمْنا بعَجْزنا في اكتشافِ الخطأ. عندئذٍ سألنا مهيارُ: (عندما نقبضُ على مجرمٍ، ماذا نفعلُ؟؟..) قال عيسى دونَ تفكيرٍ: (أولاًـ نُفَتِّشُهُ..). هتفَ مهيارُ: (طبعاً!!.. وأنتَ يا عيسى لمْ تأمرْ جنودَك بتفتيش الصهاينة.. فقدْ يَخْدَعَكَ أحدُهم ويحتفظُ بسلاحه ليقومِ بعملٍ انتقامي لمْ تكن تتوقعه.). قلتُ مازحاً: (كأننا لعبنا عَسْكَر وحرامية. وكنَّا نلعبُ). قال بحماسةٍ: (صحيح! أليس الصهاينة ـ حرامية؟؟.. سرقوا أرضنا؟؟..). اقتربَ منَّا الأستاذُ ماجد من غير أنْ نشعرَ. سلَّمَ علينا. كانتْ عيناهُ مغرورقتين بالدموعِ. قالَ بصوتٍ يَحْتَرِقُ ألماً: "العمرُ لكمْ جميعاً.. لقد توفيتْ الجدَّةُ..."
|