حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رحيل الجدة

كان وقعُ الخبرِ أليماً علينا جميعاً. فقدْ رحلتْ الجدَّةُ التي كنَّا نحلمُ بزيارتها، لتحكي لنا عن زوجِها، رفيقِ عزِّ الدين القسَّام ـ شيخ المجاهدين وإمامهم. وبقيتْ تلكَ الأمنيات في صدورِنا، وردةً تحلمُ بقطراتٍ من غيمة حنون؛ نَكْبَرُ معها في حقولٍ خضراءَ. وكيفَ تعيشُ الورودُ بين دباباتِ الصهاينة الأشرارِ، يهدمونَ المنازلَ فوقَ أهلِها، ويحرقون البساتينَ والرياضَ والحقولَ، ويبثُّونَ سمومَهم الحارقةَ في كلِّ مكان يحلّون فيه؟؟ نظرَ إلينا الأستاذُ ماجد طويلاً وقال:‏

ـ من المفروض ألاَّ أخبركمْ بوفاة الجدَّة، لكنني أريدكم أن تكونوا أقوياءَ أمامَ كلِّ حدثٍ أو خبرٍ. هذه هي الحياة ـ رحيلٌ وسفرٌ، لقاءٌ وفراقٌ، فشلٌ ونجاحٌ... الخ.‏

وهمَّ بتوديعنا، فاستوقفتُهُ بكلِّ ما أملكُ من قوة وحزم قائلاً: (سنذهبُ معك!). قالَ رافضاً وقد فهمَ قصدي: (إلى أين؟؟ لا! لا!). قلتُ بإصرار أشد: (سنذهبُ معكَ وإلاّ هربتُ كما هربَ سامي.) ارتعشَ الأستاذُ رهبةً من قولي، وبدا عليه حَرَجٌ شديدٌ.. وشعرت أنني دفعته إلى حيرة شائكة. صرخَ بصوتٍ مَكْبوتٍ: (أرجوكَ! أرجوكُم جميعاً!) ـ أوَّلَ مرَّةٍ أسمعُ منه كلمةَ توسُّلٍ ـ لا تفكروا في هذا الموضوع! نحن في ظروفِ احتلال قاسية. الجنودُ الصهاينةُ كالذبابِ، منتشرون في كلِّ مكانٍ. إننا في حربٍ طاحنةٍ، مع جنودٍ أشرارٍ حاقدون، يغلي الرعبُ في أرواحهم..). قاطعتُه وقد داهمتني موجةُ بكاءٍ حادة قائلاً: (.. ونحنُ نعرفُ هذا!.. سنرافق جثمانَ الجدةِ إلى مثواها الأخير، وأتمنى لو كنتُ إلى جانبها الآن في موتها. الصهاينةُ يحرموننا من كلِّ شيء، حتَّى من الهواء النقي، وأنتَ يا أستاذُ، تريدُ أنْ تحرمَني من أن أودِّعَ إنساناً رأيتُ فيه أمي وأبي.. رأيتُ فيه أحلامي! شممتُ فيه روحَ جدِّي.. فإمَّا أن تأخذَنا ـ وأكَّدت على كلمة "تأخذنا" غيرَ مرَّة ـ.. وإمَّا لن تراني أبداً..). وافقَ الأستاذُ ماجد على مَضَضٍ، ولكنَّ وجهه أصبحَ أصفرَ كليمونةٍ وهو يقولُ بلهجةٍ تُعَبِّرُ عن عجزِهِ: (لا حَوْلَ ولا قوةَ إلاَّ باللهِ..). وعادَ للتفكيرِ ثانيةً ومنظرُهُ يوحي بأنه في مأزقٍ صعبٍ. لا شكَّ أنَّهُ كان يبحثُ عن مخرجٍ مناسبٍ من هذا المأزقِ. أخيراً وضعَ ساعدَهُ على كتفيَّ وقالَ بصوتٍ يختنقُ ألماً: (يا أحمد ستكون عبأً كبيرا علينا.. وأنت تُحمِّلُني مسؤوليةً كبيرةً). أشحتُ بوجهي عنهُ وأنا ابكي بحرقةٍ وألمٍ شديدين. شعرتُ بصدري يتمزقُ من شدَّةِ البكاءِ. عندئذٍ عانقني وهو يقولُ مَطَمْئناً: (حَسَنٌ.. سآخذكم.. هذا وعدٌ.. سأعود صباحاً). قاطعته ُبإصرار: (الآنَ!..) شعرتُ أنَّه استعادَ شجاعتَه وهو يقولُ: (الآنَ! ـ كما تأمرون.. هيَّا بنا..). وسرتُ خلفَهُ وأشرتُ لمهيار وعيسى أن يتبعاني. وصلنا إلى منزلِ الجدةِ بعدَ أكثر من ساعتين، سيراً على الأقدامِ. سرنا في الشوارعِ البعيدةِ عن دورياتِ الجنودِ الصهاينةِ، عبرَ الأماكن المظلمة. وكانتْ الأنوارُ الكاشفةُ تطاردُنا من مكان إلى آخرَ.. لكنَّ الأستاذَ كان حاذقاً في التخفي والابتعاد عنها. دخلنا إلى غرفة كبيرة؛ كانتِ الجدةُ راقدة فيها يحيطها عددٌ من النساء والرجال، ينصتون إلى قارئ شابٍ، يتلو آيات من القرآن الكريم، على ضوءِ فانوس قديم. جلسنا جميعاً ننصتُ إلى المقرئ، وأنا أحدِّق إلى الجدةِ المزمَّلة بأغطية الموتِ. بدأ صوتُها يعلو ويصلُ إلي ويناديني. اختلطَ صوتُها بأصواتِ انفجاراتٍ حادةٍ تأتي من بعيد وتقتربُ منَّا أكثرَ فأكثرَ. ارتجَّتِ الأرضُ تحتنا غير مرة. أنظرُ إلى مهيار وعيسى. كأنَّنا أصبحنا دمى محنَّطَةً. أينَ هي دموعُ الحزنِ والأسى على فراقِ الجدةِ؟؟ يبدو أن روحَها ترفُّ بارتياحٍ فوقنا، سعيدةً بالتفافنا حولها. لم نقبلْ دعوةَ الأستاذ لنا بالنومِ حتى الصباحَ. كنَّا نَنْصُتُ إلى كلِّ كلمة تصلُ إلينا من القارئ.. وأنا أتصورُ الجدةَ تنصتُ معنا بخشوعٍ. كانتْ مشاعرُ الفخرِ تملأُ فضاءَ الغرفةِ، وتبعدُ عنَّا التعبَ، وتشيعُ الدفءَ، وتخفِّفُ من ألم أحزانِ الفراقِ. ولمْ يشتدُّ ألمُ الحزنِ إلاّ عندما حملَ الرجالُ نعشَ الجدَّةِ وسرنا به، ونحن نكبِّرُ. لمْ أنتبه إلى العدد الكبير من المشيعين إلاَّ بعدَ أن تعالتْ التكبيراتُ، تَتَرَدَّدُ في الفضاء. كانتْ دموعي تنهمرُ بغزارةٍ وتمنعني من مشاركة المشيعين بالتكبير. في الطريقِ اعترضتنا عصابة منَ الجنودِ الصهاينة؛ أحاطونا من كلِّ الجهات، شاهرين أسلحتهم الرشاشة، وأجبروا المشيعين على التوقفِ، وإنزالِ النعش على الأرض. زعقَ قائدهم ككلبٍِ مسعورٍ: (تفتيش!!). تقدَّمَ الأستاذُ من قائدهم محتجاً: (.. ولماذا التفتيش؟؟ ألا ترون إننا نحمـ..) رفع قائدهم يدَهُ إلى الأعلى آمراً: (..تفتيش يعني تفتيش!). انفجر الأستاذُ ماجد غاضباً: (.. ألستم بشراً؟؟ ماذا تريدون؟؟ ألا تستحون؟؟.. ألا..) وقبلَ أنْ يكملَ جملته الأخيرة، هجمَ عليه أحد الجنودِ وضربه بالهراوة على رأسه عدةَ ضربات. وقعَ الأستاذُ على الأرضِ مضرَّجاً بدمائه. لا أدري كيفَ هجمنا نحن الثلاثةُ ـ عيسى، مهيار وأنا ـ على الجنودِ الصهاينة، في معركةٍ شرسة، اختلطَ فيها الحابلُ بالنابلِ. رأيتُ مهيار يشتبك ويصارعُ أحدَ الجنودِ الصهاينة. ورأيتُ كيفَ ضربَ أحدُ الصهاينة مهيارا بأخمصِ البندقية على رأسه. ولم أصحُ إلاَّ وأنا في المشفى، معصوبَ الرأسِ، ويدي ملفوفةٌ بالشاش، لا أقوى على تحريكها. كان جسمي يتمزَّقُ من الألم. أين الأستاذ ماجد؟؟ أين مهيار؟؟ وأين عسى؟؟ ماذا جرى للجدَّةِ؟؟ كيفَ دُفِنَتْ؟؟ وماذا جرى بعد معركتنا مع الجنود الصهاينة؟؟ من يجيبني عن هذه الأسئلة وأنا في مثل هذه الحالة؟؟ لا أدري! لكنَّ السؤالَ الأهم: كيفَ وصلتُ إلى هذا المكان، ومنذُ متى؟؟. يدخلُ الأستاذُ ماجد. يعانقني ويقبلني. أشعرُ أنه يعيدني من الموتِ إلى الحياة. لا أدري كيف اختلطتْ دموعُ الفرحِ بدموعِ الأسى والحزْنِ والألمِ. أطيرُ.. وكأنَّني أعانقُ جدِّي وأدخلُ روضةً، لا أحلى ولا أجملَ، وأذوبُ في روحِهِ غمامةً، تهطلُ مطراً غزيراً فوق حقلٍ أخضرً، لا تحدُّهُ حدودٌ..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244