|
إلى أين
ودَّعني الأُستاذُ ماجد وتركني في المشفى. لمْ أسألْهُ سؤالاً واحداً منِ الأسئلة التي تغلي في قلبي، وتحرقُ صدري، وتملأُ روحي خوفاً مريراً. لمْ أسأله، أينَ مهيار؟ أين عيسى؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ كان وجهُهُ متورماً، تختلط فيه الألوانُ الحمراء بالزرقاء، وعيناهُ مُنْتفختين، وصوتُه يكادُ لا يخرجُ إلاَّ مخنوقاً مبحوحاً، ومجروحاً تسيل منه الآلام بغزارة حادة. المشفى، مكتظة بالجرحى المرضى، وأنا مستلقٍ في غرفة كبيرة، أمام الباب الرئيس، أشاهدُ الداخلَ والخارجَ. رائحةُ الأدوية تثير القشعريرة في النفس. كأننِّي مُعلَّقٌ فوقَ فوهة بركان لا أرى إلاَّ الجدَّةَ تطيرُ إليَّ بأجنحة واسعة تأخذني كما تأخذ الأمُّ وليدَها، لتسبحَ بي في فضاء مطرَّز بغيوم ملونة بأجمل الألوان. أطوف معها حقولاً ورياضاً، نعانقُ الأشجارَ، ونرقصُ مع الطيور، ونجري مع الأنهار، كأسراب القطا في يوم ربيعي ساحر.. ثم نمضي، نتقافزُ على رؤوس أمواج عالية، برشاقة وحيوية، في بحر أزرقَ، ونغوصُ في أعماقه، نُداعبُ الأسماكَ الملوَّنة بألوان قَوْس قزح. ما أجملَ الدلافين تداعبني؟!.. أقفُ على رأس واحد منها؛ يقفزُ بي إلى الأعلى. أكادُ ألمسُ النجومَ بيدي، وهي تمرحُ فوقَ شفتي الجدة. يا جدَّتي الحبيبة فسِّري لي أحلامَ نومي ويقظتي. فسرِّي لي أحلامَ حنيني وآلامي. ها أنا استمع إليكِ بكلِّ جوارحي. ويدخلُ كلُّ حرف منكِ، نوراً في روحي. من قالَ أنكِ متِّ؟؟ أنت تنبضين في دمي، وتبزغين في روحي شمساً من الأمل، تبدِّدُ آلامي وأحزاني. ما أصعب الجلوس على فراش المرض، تكبلكَ الجراحُ، تمنعكَ من الحركة، وأنتَ تجمعُ وتطرَحُ وتقسِّمُ دقائقَ الزمن، وهي تعضُّكَ بأنيابها الصَّقيعية الباردة... ولا دواء إلاَّ نجومٌ تتلألأ في فضاء الروح، تحكي لكَ حكايات بديعةً، تقودكَ إلى ينابيع الحياة، لتشرب منها، وتروي حقولَ أفكارك وأحلامك، وتغسل عنكَ غبارَ الآلام والأحزان. من قالَ أنَّكِ متِّ أيَّتُها الجدةُ الحبيبةُ؟؟.. والأبطالُ لا يموتون، بلْ همْ أحياءٌ في قلوبنا؛ وفي ينابيع حياتنا. لولاهم لكانت الحياة صحراء قاحلة.همُ الأبطالُ، يزرعون أرواحنا الجرداءَ، بأجمل البساتين والرياض؛ وهم الذين يحرسونها من اللصوص والأشرار. وأنتِ أيَّتها الجدَّةُ نبع ٌ من ينابيع الأبطال. إذا متِّ، جفَّ نبع حياتنا، وتحوَّلتِ الأرضُ إلى سعير. ها أنتِ أمامي، حقيقةً، أشدُّ سطوعاً من الشمس والنجوم، وأبهى من بدور، تذوبُ في أحضانِ شجرة حالمةٍ، تُهَدْهِدُ ثمارها بأغنية عذبة تقول كلماتها: (سيأتينا الضيوف/ من أماكنَ بعيدةٍ/ يصحبونَ أطفالهم/ في قلوبهم أمنياتٌ وأحلامٌ/ يتقافزون حولي/ يغنون للفراشات والعصافيرِ/ أجملَ الأغاني/ فأشربُ من أفراحهم/ وأرتوي/ وأسقيكم معي/ أعذبَ الشراب/ فتغنِّي لهمُ الأغصانُ/ كلوا من ثماري ما لذَّ وطاب/ حتى نكونَ من خيرة الأحبابِ والأصحابِ/. لكنَّ الأشجارَ تخافُ من التنِّينِ ومخالبهِ الشرِّيرة. فللتنين رؤوسٌ عديدةٌ. تنفثُ ناراً، تحرقُ الأخضرَ واليابسَ. وللتنّين مخالبُ طويلةُ، كأنَّها الأفاعي الهائجة في الرمْضاءِ، بأفواهٍ مرعبةٍ، تطلقُ سمومَها، كما تطلق المدافعُ قذائفها المدمِّرةَ. أسألُ الجدَّةَ ـ زوجةَ رفيقِ عزِّ الدين القسَّام: (كيفَ نحمي أشجارَنا من سعير التنانين؟ كيفَ نصونُ مروجنا الخضراءَ من سمومها؟؟ كيفَ ندافعُ عن أفراحِ الأشجارِ؟؟..). يَنْفَتِحُ أمامي أفقٌ واسعٌ، يتراقصُ فيه الحَمامُ بنشوةٍ ومرحٍ، يَحْجُبُ عنِّي الجدَّةَ إلاَّ وجْهَها وابتسامتها التي كانت تتراقصُ وتميلُ كما يتراقصُ البدرُ ويميلُ، بين أغصانٍ تتنهدُ بثمارها؛ عشقاً وشوقاً، إلى لقاء الأحبة الأوفياء، لتفتح أمامهم موائد الجودِ والكرمِ والعطاءِ.
انفجارٌ شديدٌ، يُخرجني من أحلامي، كما يُخرجُ الصيَّادُ السمكةَ من ملاعبِ أفراحها، ليضعَها على ترابٍ حارقٍ. انفجارٌ آخر يحطِّمُ النوافذَ الأمامية للمشفى. يقتحمُ المشفى خمسةُ جنود، يبحثون عن شيء، يتقدَّمهم صراخُهم. يقفُ طبيبٌ كهلٌ، يحاولُ منعهمْ من التقدُّم. يلغطون بكلماتٍ وَسِخَةً. يصرخُ في وجههم. تنفجرُ معركةٌ بين الطبيبِ والجنودِ الصهاينة. تتحول المشفى إلى ساحة لمعركة بين طبيبٍ أعزلَ، يقاتلُ جنوداً مسلحين بالهراوات والبنادق، قلوبهم من حديد، تغلي بالحقد والكراهية. لم أصدَّقُْ عينيَّ، كيفَ تحوَّلَ هذا الطبيبُ الكهلُ النحيفُ، إلى أسدٍ هَصورٍ. يحاول الجنود الصهاينة الخمسة، بكلِّ ما يملكون من قوة، الإمساكَ بالطبيب.. تذهب محاولاتهم في مهب الريح. رأيتُ كيفَ رفعَ الطبيبُ أحدَ الجنود الصهاينة وقذفَ به؛ فارتطَمَ بالجدارِ ويهوي على الأرضِ، دون حركة. وتابعتُ وأنا في قمة ِالفرحِ، كيفَ أخَذَ الطبيبُ الجنديَ الصهيونيَ الثاني وقذفَ به.. ورأيتُهُ كيف أرتفعَ فوقي وهوى. سكنتْ آلامي. كأني غطستُ في مياهٍ دافئةٍ، وبدأت أتهادى في مملكة النومٍ، وأتأرجحُ، كدُميةٍ في نهرٍ، طافَ بعد ذوبان الثلوج. إلى أين أمضي؟؟ من يعيدني إلى مدرستي، لألعبَ مع مهيار وعيسى، لعبة (عسكر وحرامية)؟؟ من يأخذني إلى قبرِ أمِّي، أكحِّلُ عيني بترابه. أين قبرُ أمِّي؟؟ لا أعرفُ. أخافُ أن تُدَنِّسَهُ رائحةُ صهيوني أرعن آثم! آهٍ من هذا الخوف الذي يطاردنا في كل مكان، كما تطاردُ الأمراضُ الخبيثةُ الماكرةُ أكبادَ البشر. يقذفُ بي النهر إلى صخرة. تعودُ إلى الآلام بقسوة. أصرخُ. أستغيثُ: (ماما!!.. ماما!!) أفتحُ عينيَّ. امرأة ـ تقفُ أمامَ سريري، تجفِّفُ جبهتي وتمسحُ وجهي بمنديل أبيضَ. هل عادتْ أمِّي إلى الحياة أمْ أنني انتقلتُ إليها؟؟ تقدِّمُ لي المرأة كأسا ًوتساعدني لأشربَ. تطفئ الماءُ ناراً في أحشائي. أصحو. أحدِّقُ إلى المرأةِ. إنََّها حاملٌ. أراها تتألمُ، وتقع على الأرض. تتغلبُ على ضعفها وتنهضُ. تحاول السيرَ. تظهرُ عربةٌ صغيرة توزِّع الطعام. يا إلهي! لا أذكرُ آخرَ وجبة طعام تناولتها. تساعدني ممرضةٌ على تناول وجبة طعامي وهي تطمئنني على تحسن وضعي الصحي. يدخل الأستاذ ماجد. يعانقني. يسألني: (لماذا ثيابك مبلولة؟؟). أجبتهُ مازحاً بمرحٍ: (كنتُ ألعبُ تحتَ المطر....)
|