|
عزُّ الدين ومريم
أيقظني صوتٌ ملائكيُ لطفلٍ وليدٍ, نَسَيتُ في البداية أنني في المشفى، مكسورُ اليَدِ، مُضَعْضَعُ الجسمِ. حاولتُ النهوضَ. أحبطَ الألمُ محاولتي. أدرتُ رأسي، فرأيتُ وليداً على يميني، يَتَمَلْمَلُ في مَهدِه. وآخرَ، يَتَنَهَّدُ مُغَرِّداً بصوتٍ ملائكي عَذْبٍ: (غا! غا!) ـ هلْ أنا في حلمٍ؟؟. كانتْ الساعةُ السادسةُ صباحاً. صوتُ المطرِ يصلُ إلى مَسْمَعي، لحناً بديعاً. يا إلهي! ما أجملَ الحياة! مطرٌ ينعشُ الروحَ، وتَغْريدُ طفلٍ وليدٍ. هَدْهَدَتْني أصابعُ الفرحِ، وراحتْ تعزفُ عل صدري أنغاماً، طهَّرتني من الألم والأحزانِ. كلُّ ما أتمناهُ أنْ آخذَ هذين الطفلين، على عَرَبَةٍ صغيرةٍ، وأدورُ مَعَهُما في نُزْهةٍ قصيرةٍ، بينَ الأزهارِ والأشجارِ؛ تحومُ حَوْلنا الطيورُ، منْ كلِّ حدبٍ وصَوْبٍ. ستأتينا العصافيرُ من أماكنَ بعيدةٍ. فقدْ أخبَرَني جدِّي أنّ الطيورَ تَعْشَقُ أصواتَ الأطفالِ، وتَحِنُّ إليها وتَسْمَعُها من أماكن بعيدة. آهٍ يا جدي! خذْ هذين الوليدين في أحضانكَ، وعمِّدْهما بأنفاسِكَ الطاهرة وبشِّرْهُما بأيَّامٍ حلوةٍ، وبشِّرِ الطيورَ والغيومَ والبحارَ بهما. آهٍ يا جدي! لو فارقني نورُ عينيكَ، طَرْفَةَ عَينٍ، لَخَنَقَني الظلامُ والبردُ والألمُ. كأنَّكَ الآنَ إلى جانبي وأنا طفلٌ وليدٌ، تنظرُ إليَّ... تهطلُ دمعةُ فَرَحٍ من عينكَ على خدِّي. ارتعشُ كعصفورٍ بَلَّلَهُ القَطْرُ. تهطلُ دمعة أخرى، فأطيرُ في سماءِ عينيك، وأغيبُ في الأفُقِ البعيدِ. لا تَقُلْ لي أني كنتُ في اليوم الأوَّلِ من عمري، لمْ أفقسٍ من البيضةِ بعدْ، ولا أميِّزُ الألفَ من العصا. هلْ نسيتَ أني حفيدُكَ.. والفَصيحُ من البيضةِ يصيحُ. أنظرُ، يا جدي إلى هذين الوليدين، وأصغي إلى حوارهما ـ يغرِّدُ مَنْ على يميني فيُجيبهُ منْ على يساري. إنَّهُما يناديان جَدَّيْهُما، ليبارِكا ميلادِهِما، ويتمنيا لهما حياةً سعيدة. تُرى أينَ جدُّاهما الآن؟؟ أينَ والدهما؟؟.... رعودٌ وبرْقٌ ومطرٌ غزيرٌ. ازدادتْ الحركةُ في المشفى. اقتربتْ عربةُ الطعامِ. حيَّتني المُمَرِضةُ نور ـ التي تساعدُني على تناوِل طعامي ـ بابتسامةٍ مشرقةٍ، وراحتْ تداعبُ الوليدين بمرَحٍ دافقٍ. كانَ الوليدان ينظران إلى نور، ويتابعان حركاتها بشيء من الدَهْشَةِ والفَرَحِ. قالتْ نورٌ: (وُلِدا بالأمس. توأمان. بنتٌ وَوَلَدٌ.. سبحانَ الله! قمران. اللهمَّ صل على النبي...) تذكرتُ تلك المرأةَ الحاملَ،التي رأيتُها، تَمْسَحُ العَرَقَ عنْ وَجْهي، وتَعْتَني بي في الليلةِ الماضيةِ. كانتْ نور تذوبُ مَرَحاً وسعادةً وهي تداعِبْهُما. قلتُ لها: (ظننتُهُما وَلَدَيْكِ..). شَهقتْ الممرضةُ نورٌ بفخرٍ: (كلُّنا أهلٌ. كلُّكُم أبنائي. والله كأني أنا التي وَلَدْتُهما...) سألتُها بفضولٍ: (كمْ ولد عندك، سلَّمهمْ الله؟؟). قالتْ وهي تَتَأمَّلُني بفرحٍ: (عندي ولدٌ بعمركَ ـ وَرَفَعَتْ يديها إلى الأعلى وهَتَفَتْ بلهفةٍ من أعماقِ قلبها ـ وفَّقَكُم الله وأطالَ أعمارَكم، ونصرَكُمْ على الأوغادِ الصهاينة!!. يا رب!!). لم أكنْ أشعرُ بأيَّةِ رغبةٍ في الطعامِ، وقد زادتْ رغبتي في الاسْتِماعِ إلى المُمَرِضةِ نور. سألتُها: (فقطْ؟! ولدٌ واحد؟؟). تناولتْ طَبَقَ الطعامِ وملأتْ الملعقةَ، ودسَّتهْا برفْقٍ في فَمي وهي تتابعُ كلامَها، دونَ أن تريني عينيها، وقالتْ بفخرٍ يختلطُ بألم وأسى: (أنا أمٌ لشهيدين.. الحمد لله على كَرَمِهِ..) جاءتْ ممرضةٌ شابةٌ، وأخذتْ الوليدَ الأوَّلَ، بعد أن اعتذرتْ مني: (.. لمْ نجدْ مكاناً أكثرَ أمانا، نضعُ الوليدين فيه، إلاَّ عندك. الحمدُ لله. عادتْ أمُّهما لوعيها وصحتها. سآخذهما.. لترضعهما.).هتفتْ نور: (إن شاء الله، ألف صحة!). لم تُتِحْ الممرضةُ نور لي فرصةً لتوجيه الأسئلة ومتابعة الحديثِ معها، وهي تدعو لي بالشفاءِ والصحة. جاءتْ الممرضةُ الشابةُ وأخذتْ الوليدَ الثاني. تصورتُ المشهد وكأنِّي أراهُ بعيني ـ كيفَ ترى الأمُ وليدَها أوَّلَ مرة؟ وما هو طَعْمُ قُبْلةِ الأمِّ الأولى، على ثَغْرِ وليدِها، بعدَ حَمْلٍ طويلٍ وعذابٍ مَريرٍ، ومخاضٍ أليمٍ، قدْ تدفَعُ الأمُّ حياتها ثمناً له؟؟. رحمكِ الله يا أمِّي، وطيَّبَ ثراكِ.
رأيتُ الأستاذَ ماجد أمامي. اقتربَ وراحَ يمسحُ دموعي بصمتٍ. ثم جلسَ إلى جانبي يسألُني مشجعاً: (خيرٌ! خيرٌ!.. أعرفُ أنَّك اشتقتَ إلي..) كانتْ العَبَراتُ تمنعني من الترحيبِ بالأستاذِ ماجد. إنَّه يُدركُ أنَّ كلَّ طفلٍ في فلسطين، يحملُ في قلبه جراحاً لا حَصْرَ لها. جراحٌ تَنْزِفُ وتئن، وتصرخُ، وتستجيرُ، وتَحلُمُ، وتغنِّي! نعمْ! جراحي تُغَنِّي! وترقُصُ؛ تحاولُ أنْ تَقْفِزَ فوقَ آلامها وأحزانها. قلتُ وأنا أبكي بمرارة: (أبكي.. من جراحي.. من... أبكي على.. أمي.. و.. جـ..د..ي..) شعرتُ بالمرارة تلمعُ في عين الأستاذ. كانَ يمسحُ دموعي وهو غارقٌ في صَمْتٍ عميق. كأنَّه كان يسبحُ في بحرِ دموعي، يبحثُ في الأعماق، عن أسرارٍ دفينةٍ، وهو يقرأ حكايةً طويلةً لأطفالٍ يحلمونَ بربيعٍ دافئ. سألني بودٍّ: (منذُ متى وأنتَ تبكي يا أحمد؟). أجبتُ بعفوية: (لم أبكِ في حياتي قطْ!). سألَ بتحدٍ: (وما هذه الدموعُ من عينيكَ، تسيلُ نهراً على خديكَ وتجري على نَحْرِك وصدرِك؟!). قلتُ وقد فاضَ قلبي فرحاً وحبوراً: (هذه دموعُ حبي لأمي وأشواقي إليها... دموعُ حنيني لجدِّي.. دموعُ فرحي بميلاد طفلين توأمين.. جميلين..).. هكذا بَرَّرْتُ بكائي.. ثم قَصَصْتُ عليه قصةَ التوأمين.. وقبلَ أن أُنهي قصتي، وصلتْ الأمُّ، وهي تحملُ طفليها التوأمين. حيَّتنا، ثم وضعتْ واحداً على يميني والآخر على يساري، وقالتْ: (لم نسمِّها بعد. اخترْ لهما الاسمِ الذي يعجبك.). نظرتُ إلى أستاذي، راجياً أن يحملَ عنِّي شرفَ هذه المهمة. أشارَ بسُبابته مُعْتّذِرا، مؤكِّداً: (من فمكَ أحلى يا احمد.. ومنكمْ الخيرُ والبركةُ.). هَتَفْتُ: (عزُّ الدين!). تيمنا وإعجابا بشيخِ المجاهدين وإمامهم ـ القسَّام. ومريم! تخليداً لذكرى الجدَّة ـ زوجةِ رفيقه في النضال.. وأعني جدةَ أستاذي الحبيبِ ماجد.
|