حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حبيبتي جبلة

عشتُ أيَّاماً رائعةً مع صديقيَّ الجديدين التوأمين ـ عزُّ الدين ومريم. ناما إلى جانبي ساعات طويلة. لا أصدِّقُ عيني أنَّ عمرهُما لا يزيدُ عن أسبوع واحدٍ، حينَ كنتُ أسمعُ صوتَهما وأرى تعابيرَ وجْهَيْهِما. لمْ أرَ قريباً لهما إلاَّ أمَّهما ـ الخالة، أم حسام. ثم جاءتْ لحظةُ الوداع القاسية. غادرتْ الخالةُ ضياء المشفى، مع صديقيَّ الحبيبين، وبقيتُ مقيَّداً إلى سريري، بيدي المكسورة وجسمي الضعيفِ ـ المُضَعْضَعِ. حاصرني خوفٌ شديد قاسٍ، وأنا أفكِّرُ: (إلى أينَ تمضي هذه المرأةُ بتوءميها، بلا معين أو مساعد؟؟). لماذا لمْ تودِّعَني؟؟. حملتْ توءميها وهي تقول: (ألقاكمْ بخيرٍ وعافية.. السلامُ عليكم..). ومضتْ، إلى عالم محفوفٍ بالمخاطِرِ. لا شكَّ في أنها تكرهُ لحظةَ الوداع، وقد لا تتحمل مرارتها. كانت تغمرني بحنانها، في كل خطوة.. وكلِّ حركةٍ. كانتْ تهتمُ بي أكثرَ من اهتمامِها بوليديها... وفجأةً، يمضي هذا الملاكُ، بوداع فاترٍ. رافقتكِ السلامةُ أيَّتها الخالةُ الحبيبةُ ـ أيَّتُها الأمُّ الملاكُ... حماكِ اللهُ من الأشرارِ الصهاينة، وأنتِ تمضينَ إلى بيتكِ، مع شقيقَيْ روحي ـ عزُّ الدين ومريم. تُرى هل نلتقي ثانيةً؟؟.. ومتى..؟؟.. أهٍ كمْ أتمنى أن أرافقكِ إلى مدينتك؛ أو قريتك، لأراها وأتعرَّفها. فمن يدري، قد يصبحُ عزُّ الدين، قائداً كبيراً، يُكتبُ عنهُ في التاريخِ: (عزُّ الدين الثاني ـ الذي هزَم الصهاينةَ الأشرارَ في معركة كذا وكذا. وُلدَ في الخامس من كانون الثاني عام 2002 / في إحدى مشافي فلسطينَ العربية. وقدْ أطلقَ عليه ابنُ شهيدٍ، اسمهُ أحمد، اسمَ عزِّ الدين، لأنَّهُ يحبُّ عزَّ الدين القسَّام، ويعتبرُه مَثَلَهُ الأعلى. سنحققُ هذا الهدفَ العظيمَ، وسننتصرُ على الصهاينة الأشرار؛ عاجلاً، أم آجلاً. ليتنا نكونُ معاً يا عزَّ الدين الصغير. إنه أيضاً اسمٌ رائعٌ. فنحن سنبقى صغاراً أمامَ جَدِّنا الكبير عزِّ الدين القسَّام ـ طيَّب الله ثراه. فإذا أكرمني الله وكنتُ من الشهداء، فسأراكَ بروحي، وأنتَ تمضي إلى جبلةَ ـ مسقط رأسِ القسَّام، شيخ المجاهدين وإمامهم، لتزورها وتعمِّدَ روحك بأريجها الطاهرِ. ولو كنتُ معك، في تلك اللحظةِ، فسأكتبُ على جدران بيوت جبلةَ بخطٍ كبيرٍ، وبكلِّ لغاتِ العالمِ: (حبيبتي جبلة). ثم نصنعُ معا، ومريمُ معنا، لوحةً كبيرةً، نرسم فيها المعالمَ التاريخية لجبلة، إلى جانب البطلِ القسَّام، ونكتبُ في وسَطِها بأحرُفٍ من ذهبٍ: (جبلة مدينة القسَّام ـ البطل العربي الكبير ـ مدينة فينيقية عريقة. عانتْ من الاحتلال الروماني والفارسي. حرَّرها الفتحُ الإسلامي سنة /15 ـ17 للهجرة. تحتوي على العديدِ من المعالم الأثريةِ. وتحوي جبلةُ واحداً من خمسة مدرجات رومانية في العالم. يقعُ هذا المدرجُ وسط المدينة، وقد بُنَي في القرن الثاني، قبل الميلاد، ويُقْسَمُ إلى ثلاثة أقسام: المنصَّة والصَّحْنِ والمُدَرَّجِ، ويستوعبُ من 8 آلاف إلى 10000 متفرج. إنها مدينة الأبطال مدينة عز الدين القسَّام ـ شيخ المجاهدين وإمامهم.). ثم نوقِّعُ: باسم أبناء شهداء فلسطين العربية. ستكون لوحةً جميلةً رائعةً، يقفُ أمامها الأطفالُ بدهشة وفرحٍ؛ يحتفلون بأعيادِ نصرنا على الصهاينة الأشرار.. وهم يسألون آباءَهم وأمهاتهم، عن معاني هذه اللوحة البديعة.. وسيأخذون أمامها الصور التذكارية. أرى بقلبي وروحي، أجملَ الأعيادِ، تقامُ حولَ هذهِ اللوحة البديعة. قطعتْ الممرضة نور، عليَّ نهر أحلامي. سألتني باهتمام: (كنتُ أراقبك وأنت سارح بأفكارك. كان وجهكَ مشرقا بالفرَحِ. بماذا كنت تفكر؟؟ قلْ (ولا تخبيش يا زين..). سألتها بمرح: (بماذا يفكر طفل مثلي، قعيد سريرِ المرضِ ـ في مشفى. لا أقوى على الحركة. لا أقوى على تناولِ الطعامِ بمُفْرَدي؟؟..). قاطعتني بزهو: (خسئ المرض! المريض ـ مريضُ النفسِ والعقلِ. أنت أحمد حبيب خالتك ـ وأشارت بيدها إلى صدرها ـ المرضُ لأعدائك! يا رب!). لا أدري كيف أصفُ فرحي وسروري، بهذه الكلمات التي خرجتْ من قلبِ الممرضة نور، وهي تُعدُّ لي وجبةَ الطعامِ. قلتُ: (لمْ تودِّعَنا الخالةُ ضياء.). شعرتْ الممرضةُ بما في صدري من عتابٍ وحسرةٍ. داعبتْ شعري بحنان وقالتْ: (يا بني. لكلِّ إنسان ظروفه. مسكينةٌ أم حسام. سارتً على قدميها خمسَ ساعات حتَّى وصلتْ إلى المشفى. قطعتْ عشرين حاجزاً صهيونياً. وَفَتَّشوها أكثرَ من خمسين مرة. قالتْ لي: (أمام حاجزٍ واحد، أوقفوها ساعة، في هذا الطقس الماطر البارد. الحمدُ لله على أنها لم تُسقِطْ الطفلين..). تصورت الخالة أم حسام، تسيرُ وهي حاملٌ، من حاجز صهيوني إلى حاجز، تتعرضُ لمضايقات الجنودِ الصهاينة. صَرَخْتُ بصوت مخنوق: (مساكين!. كيف يمكن أن يولدَ طفلٌ من بطنِ أمِّهِ، وهو يتعرضُ لكلِّ هذا العذاب؟؟.). سألتْ: (من تقصد؟؟) قلت: (عزَّ الدين ومريم.. وأطفالَ فلسطين جميعاً!). نظرتْ إلي بعتابٍ ولوْمٍ، وألاحتْ لي بسبابتها، تُهدِّدُني بودِّ الأمِّ وحنانها:‏

ـ لم أنتظرْ هذا منك يا أحمد! لقد وُلدنا جميعاً في المعارك فأصبحنا أبطالاً. ماذا نريد أكثرَ من ذلك؟؟. المجدُّ لا يأتي رخيصاً. المجدُّ يحتاجُ إلى هِمَمٍ عالية... يحتاجُ إلى أبطال، يتحدون المصاعبَ والأهوالَ. المجدُ يحتاجُ إلى صمودٍ وتحدٍ... وصبرٍ..‏

ثم صمتتْ وهي تَلُمُّ عدةَ طعامي. نظرتْ إليَّ طويلاً وقدْ عادت ْإليها رِقَّتُها وقالتْ: (لقد اختارنا الله لنقبرَ الصهيونيةَ في هذه الأرضِ.. لأننا الأقدرُ والأحقُّ ـ وكرَّرتْ بفخرٍ واعتزازٍ ـ نعمْ الأقدرُ والأحقُّ. وهذا شرفُ لنا جميعاً ، نحن العرب..) وهمَّتْ بالانصرافِ. أخذتُ يدَها. قَبَّلتها بكلِّ ما أملكُ من حبٍّ وتقدير.. ثم نظرتُ إلى عينيها وسألتها: (من أينُ تأتونَ بهذه الكلماتِ التي تشفي الروحَ، وتحيي القلوبَ؟؟). نظرتْ إليَّ طويلاً صامتةً، وكأنَّها تراني بعدَ غيابٍ طويلٍ: (من ينظرُ إلى عيون الأطفالِ ـ الأبطال أمثالك، يصبح حكيماً). انحنتْ. قبَّلَتْني وَمَضَتْ..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244