حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البشرى

لمْ أعدْ أذكرُ صديقيَ عيسى ومهيار. ولم يذْكرْهُما الأستاذُ ماجد لي، مرةً واحدة في زياراته المتكررة. نسيتُ نفسي، ونسيتُ دارَ أبناء الشهداء، التي عشتُ فيها أيَّاماً طويلة؛ وتعرَّفْتُ فيها إلى صديقين حبيبين ـ عيسى ومهيار. أينَ هما الآن؟؟.. لقدْ أنساني التوءمان ـ عزُّ الدين ومريم كلَّ شيء. كأنَّهما شمسان، بزغا في حياتي.. ومع الشَّمس، تصحو الحياة، وتستيقظُ القوة، والنشاطُ والحيوية، وتتراقصُ الأفراحُ، في الصدورِ والأرواحِ؛ تبشِّرُنا بأحلامنا، كأنَّها غيوثُ خيرٍ عميمٍ ، تروي كلَّ ما نتمناه؛ وبشائرُ خيرٍ، تسقي القلوبَ بالفرحِ والسرور. فكيفَ إذا كانتْ هذه البشرى ـ توأمين ـ مضاعفةً؟؟.‏

ومع رحيلِ عزِّ الدين ومريم، عادتْ الكآبةُ إلى روحي.. وعادتْ الآلام إلى جسمي بقوة وعنفٍ. أصبحَ الزمنُ طويلاً. كأنّي أمشي في مستنقع، ليس له آخر ـ عواصفُ هوجاءُ، غاضبةٌ حاقدةٌ، في أرضٍ موحشة. أشعرُ، كأنَّ أنفاسي، تخرُجُ من صدري، كما يخرجُ البخارُ من إبريق يغلي. تسألني الممرضةُ نور: (يبدو لي أنَّكَ مازلتَ حزيناً لفراقِ عزِّ الدين ومريم..). أجبتُ: (نعم! ويكادُ الحزنُ يَخْنُقني..). قالتْ تلومني بشدَّة كعادتها:‏

ـ ولمَ الحزن؟ أنا فَرِحةٌ لقيام أُمِّهما بالسلامة. لقد مضتْ وهي تحمل توأميها، كأمٍّ بطلة ـ لَبْوَةٌ، اجتازتْ العقبات وتغلبتْ على أشدِّ الصعوبات، لتلدَ توأمين ـ نجمتين.. زهرتين بديعتين للحياة، وشوكتين في عين الأشرار الصهاينة... أغمضتُ عيني وأنا أفكرُ وأقولُ لنفسي: (أعرفُ أن كلماتك، جَدْوَلٌ عذبُ، يسقيني؛ فأزهرُ كشجرةٍ في ربيع جوادٍ كريم. لكنَّ الصهاينة ـ الغربانْ، يحومون حولي، بفؤوسهم وحرابهم ومخالبهم. أنا شجرةٌ، تحلمُ بزقزقة العصافيرِ وتَغْريدِ البلابلِ.. تحلمُ بخروفٍ يتقافَزُ مَرَحا، وبمُهْرٍ أبيضَ، أو أحمرَ، تحكي لـه أمُّهُ حكاياتٍ عن الفرسان، وعن عشقهم للخيولِ العربية.. تحكي لـه عن أجدادها الذين قطعوا مسافات شاسعةً، يطيرون بفرسان، يطهِّرون الأرضَ من ظلامِ الشرِّ، وينشرون الحضارة العربية، نوراً لكلِّ الناسِ. هيّا أيُّها المهرُ الحبيبُ، اقتربْ منِّي، واحكِ لي حكايات أمِّكَ الفرس، لأحكي لك حكاياتِ جدي كلِّها. فمازلتُ أحفظها جميعها، في صدري.. أراها وأشعرُ بها، كأنَّها فراشاتٌ، تطيرُ في كلِّ مكان، تحكي للناسِ، حكاياتِ جدي، عن فرسانٍ لا يهابونَ الموتَ، يضحُّون بأنفسهم، في سبيلِ الخيرِ والحقِّ، سيوفُهم ـ تَقْتُلُ الظالمَ رعباً، قبلَ أن تقتلَهم طَعْناً. وتنشُرُ السَّلامَ جوداً وحباً. هيَّا طيري أيَّتُها الفراشاتُ، بكلِّ ما تحملين من ألوانِ، إلى الأغصانِ والأزهارِ، وكلِّ مَرْجٍ وروضةٍ وبستان ودوحةٍ؛ إلى السُّهول والجبالِ والوديان، وانثري حكايات جدي واغرسيها، لترعاها الغيومُ بكلِّ ما فيها من كرمٍ وحنانٍ، وتحضُنُها النجوم بضيائها المقدَّسِ، وتعْزُفُ عليها الطيورُ أجمَلَ ألحانها؛ فترقصُ البشرى، كما ترقصُ الأَنهارُ الدافقةُ وتُغَنِّي لبيادرِ الخيرِ ومواسمِ الجود والعطاء. أفتحُ عينيَّ. مازالتْ الممرضةُ نور جالسةً قربي على السَّريرِ، تبتسمُ لي كطفلٍ استيقظَ من نومٍ عميقٍ. أسْمَعُها تناغيني، كما تناغي الأمُّ رَضيعَها. يا للمفاجأة! منْ أنا؟؟ كيفَ يعودُ الطفلُ رضيعاً، بعد سنينَ طويلةٍ من المرارةِ والعذابِ والحرمان؟؟. قلبي يرفُّ كطفلٍ رضيعٍ؛ تغمُرُهُ أمُّهُ برائحتها، فيغرِّدُ بصوته الملائكي؛ يعمِّدُ الكونَ بأفراحِ الحقولِ. أرى فراشةً تحومُ حولي.. ترقصُ وتصَِفقُ بجناحيها.. تكبرُ وتكبرُ وتكبرُ.. تفردُ جناحيها، بألوانها الزاهيةِ. تأخذني الممرضةُ نور إلى صدرها، وتقفزُ بي إلى جناح الفراشة، فتطيرُ بنا الفراشةُ إلى الفضاءِ, تحيطُ بنا وترافقنا أسرابٌ من الفَراشِ، يموجُ حوْلَنا، كأنَّهُ بحرٌ حالمٍ. أعرفُ أَنِّي أحلمُ، وأنا أحدِّقُ في عيني نور. أرى ابتسامتها كقنديلٍ يرتجفُ الظَّلامُ حوله، رُعبْاًُ وهَلَعا. منْ منكمْ رأى جنودَ الظلامِ، تهوي صريعةً قتلى، بحرابِ قنديلٍ، يحملهُ رجلٌ عجوزٌ، يسيرُ في شوارعً يأسرها الظلامُ؛ يَتَفَقَّدُ الناسَ، ويبحثُ عن مسكين، ليمدَّ له يد العوْنِ والمساعدة. كانَ هذا العجوزَ جدِّي. ففي يومٍ شتائي ماطرٍ عاصفٍ، أرعبني هزيمُ الرعود. وضاعَ منِّي النومُ. وبحثتُ عنه طويلاً. أخيراً، وجدتُه في صورةِ أرنبٍ أبيضَ يقفزُ تحتَ المطرِ في مرجٍ أخضرَ، بِمَرَحٍ وحبورٍ، فتضحكُ الغيومُ، وتبرِقُ عيونها بَهْجَةً وسروراً. حَكَتْ لي أمِّي أكثرَ منْ حكايةٍ.. وغنَّتْ لي ما تحفَظهُ من أغان، لكنَّني كنتُ أتابعُ الأرنبَ في ألعابه ومَرَحِهِ. كنْتُ أطاردُه وأُناديه.. لكنَّه كان يشاكسُني وهو يبتعد عنِّي ويقتربُ؛ يدورُ حولي برَشاقَةٍ ومَرَحٍ؛ يغريني باللَّعبِ معه. يرقصُ لي. من منكمْ رأى أرنباً يرقصُ؟؟ أنا رأيتُه وسمعتُ صوته. قال لي: (إلى اللقاء يا أحمد إلى اللقاء!) ثم طارَ.. ربَّما قَفَزَ قَفْزَةً وَوَصَلَ بها إلى الغيومِ.. وراحَ يَسْبَحُ فيها.. كأنَّه دلفين في أعماقِ البحار، يداعبُ الأسماكَ بحركاته البديعة؛ يُسَلِّيها ويرعاها. ناديته: ( أيُّها الأرنــ.. الدلفين! خذْني إليكَ!.. لأسبحَ معكَ في بحرِ الغيماتِ.. أريدُ أنْ نكونَ أصدقاء.). هتفَ الدلفينُ: (وأنا أحبُّكَ يا أحمد..) وأنزلَ لي حبْلاً، بدأتُ أتَسَلَّقُهُ. دخلَ جدِّي فأيقظني من أحلامي. كان جدِّي مبللاً، كأنَّهُ خرجَ لتَوِّهِ من نهرٍ وقعَ فيه. كانَ يمسُكُ بيده طيراً صغيراً أسودَ اللون، مُنَقَّطٍاً بالأبيض؛ وباليدِ الأخرى، يحملُ قنديلا قديما. أذكرُ أنَّني سهرتُ مع جدِّي حتَّى الصباحَ، نعتني بالعصفورِ، حتى انتعشَ وعادت له صحته. أخذني جدي من يدي، ومضنيا إلى غرفةٍ واسعة، كانتْ مليئة بطيور وحيوانات عديدة. أطلقَ جدي العصفورَ في تلك الغرفة الواسعة، وقال لي قبل أن أسأله: (هنا أضعُ الطيورَ المريضة والجريحةَ، حتَّى تشفى. وأنت! ألا تحبُّ الطيورَ والحيوانات؟؟). هَتَفْتُ: (جدا). ورحتُ أتأمَّلُ الطيورَ والحيوانات بغبطة ونشوة. ولمْ أصدِّقْ عيني حين رأيتُ الأرنبَ يخرجُ من إحدى الزوايا، ويقترب من جدي بهدوء واطمئنان، حتى التصق به وراحَ يتشمَّمُهُ بشوق. قالَ لي جدِّي: (هذا أرنوب الحبوب.. وجدته في العامِ الماضي، مكسورَ القائمتين الخلفيتين. داويته، حتى شفي وأصبح كالنمرِ..). تهزني الممرضةُ نور وتسألني: (أين كنتَ شارداً بأفكارِكَ وخيالك الخصْب؟؟) أقول لها ببساطة: (في عينيك..) تسألني بفضولٍ حميمٍ: (..لماذا في عيني يا أرنوب الحبوب؟؟). أجيبُ بفخرٍ واعتزاز: (لأنَّني أرى فيهما البشرى.. بشرى النصرِ والسلام).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244