حبيبتي جبلة ـــ صبحي سعيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حامل القنديل

مازلتُ في المشفى. منذُ أسبوع، لم أرَ الممرضةَ نور. تساعدني الآن، ممرضةٌ أخرى، باسِقةُ القوام، في تناولِ طعامي ودوائي. لم أرَ أجملَ من هذه الفتاة من قبل. يبدو عليها أنَّها تعطي عمَلَها كلَّ اهتمامها وجهدِها. لمْ تحاولْ فتحَ أيِّ حديثٍ معي. لمْ تسألني سؤالا واحداً. اشتهيتُ أنْ أرى ابتسامتَها مرةً واحدةً. ظَنَنْتُها فتاةً آليةً. فمنْ يدري؟؟ ففي كلِّ يومٍ نسمعُ عن إنجازٍ علمي عجيبٍ لا يُصَدَّقُ، يفوقُ آفاقَ الخيالِ. وقدْ أخبرَنا العلماءُ أنَّ الإنسان الآليَ، سيكونُ لهُ شأنٌ كبيرٌ في حياتنا. أظنُّ أنَّ الإنسانَ الآليَ لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يتألمُ ولا يبتسمُ. لكنَّني رأيتُها صباحَ اليومِ تأكلُ برتقالةً، وهي مُنْهَمِكةٌ في عمَلِها، قَبْلَ أنْ تقدِّمَ لي طعامَ الإفطارِ. أمَّا طعامُ الإنسانِ الآلي وشرابُه ـ فبطَّاريات توضعُ في مكانٍ ما في جسمِهِ. قلتُ لها: (لا أرغبُ في تناولِ الطعامِ..) قالتْ: (لا يجوزُ.. يجبُ أنْ تتناولَ فطورِكَ..). سألتُها عنِ اسمها وأنا أحاولُ تصنُّعَ الرِقَّة والدماثةِ. فاجأها سؤالي وهي تنظرُ إلي كأنَّها تراني أوّلَ مرَّة. أجابتْ وظلُّ ابتسامةٍ خفيفةٍ يَخْفُقٌ على شفتيها: (فارعة). قلتُ: (اسمٌ جميلٌ) وأضفتُ: (..سمعتُ بإنسان آلي يشبهُ الإنسانَ العاديَّ تماماً.. يُقالُ أنَّهُ سيعيش بيننا؛ تَصْنَعُهُ المعاملُ، ليخدمَ البشرَ في جميعِ المجالاتِ. ظَنَنَتُ في البداية أنَّكِ ممرضةٌ آليةٌ يفاجئنا بها العلماء..) كتمتِ الممرضةُ ابتسامتها، وسألتْ بفضولٍ: ( تظنُّ أنِّي ممرضةٌ آليةٌ؟ لماذا؟) قلتُ لأنَّ البشرَ يبتسمونَ، ولمْ أرَكِ تبتسمين مرةً واحدة. تنهدتْ بعمقٍ وقالتْ: (الحقُّ معك. مازلتُ جديدةً على العمل.) ثم راحتْ تحثُّني على تناول إفطاري؛ لكنَّني امتنعتُ بإصرار. قالتْ: (لا تكنْ عنيداً.. العنادُ عادةٌ سيئةٌ..) قلتُ: (إذا كان لكلِّ داءٍ دواءٌ.. فدوائي ـ ابتسامةٌ تُنْعِشُ الروحَ وتفرحُ القلبَ. ألا ترينَ أنني حزينٌ كئيبٌ أيضا؟؟.. وكئيبٌ + كئيبة = مصيبة). لمْ أتوقعْ أنَّ عبارتي ستُضحِكُها إلى هذا الحدِّ. وقدْ بدتْ لي ضحكتُها أجْمَلَ من صاحبتها.) تَأَمَّلَتني، دونَ أن تفارقَ الابتسامةُ وجْهَهَا ثمَّ قالتْ: (يا حسرة! من سَيعطينا ممرضةً آليةً، ونحنُ بحسرةِ الدواء؟؟..). ولم تنقطعْ عنْ الابتسامِ، تارة، والضحكِ تارةً أخرى وهي تساعدني على تناول إفطاري، وتتأمَّلني بفضولٍ. سألتني: (هل ارتحتَ؟.. هاقدْ ضحكتُ.. ماذا تريد أيضاً؟؟) قلتُ: (أينَ الممرضةُ نور؟؟) قالتْ: (..توفيتْ أمُّها.. العمرُ لكَ..). لمتُ نفسي على هذا السؤال. سأفكِّرُ طويلا بالمُمَرِّضة وأمِّها. وقدْ لا أنامُ اليومَ، والزمنُ في المشافي ثقيلٌ بليدٌ شائكٌ، فعندما أكونُ حزيناً، يبتعدُ عنّي النومُ، وتهجمُ عليَّ الذكرياتُ، لتلعبَ بي، كما الرِّياحُ بريشة شاردة، تأخذني حيث تشاءُ. سألتني: (مالك؟؟ أراكَ عدتَ إلى الكآبة؟؟) قلتُ والمرارةُ تحرقُ صدري: (أعانَ اللهُ الخالةَ نور.. كمْ هي الحياةُ قاسية!.. ما أصعبَ فراقَ الأمِّ!..) قاطعتني: (نتحَمَّلُ قضاءَ الله، مهما كان صعباً.. وتبقى الحياةُ جميلةً ورائعةً، إذا لم يدنِّسُها الأشرارُ بأعمالِهم القذرة. فماذا تقولُ فتاةٌ مثلي، عندما يأخذ الجنودُ الصهاينةُ زوجَها، وهي في ليلة عرسها، بعد كتبِ الكتاب مباشرة، ولا يتركونه ـ تتغلبُ فارعة على عَبَرَاتهاـ .. وهاهو ذا مشلولٌ، فاقدّ الذاكرة، لا يتكلمُ.. ولا يتألم..) صَرَخْتُ دون وعي: (جريمة!! جريمة!) قالتْ وهي تمْسَحُ دموعَها: (أليستْ كلّ أعمال الصهاينة جرائم؟؟ جرائم من أحقرِ ما ارتكبَ الناسُ من جرا..) ثم استدركتْ: (من قالَ إنهم ينتمون إلى الناسِ؟. إنَّهم عارٌ في تاريخِ البشرِ!.. وأنتَ؟ من الذي جعلكَ قعيدَ هذا السرير، لا تقوى على الحركة؟؟ أليس هم الصهاينة الأشرار؟؟ من قتلَ..؟).. صرختُ بكلِّ ما املكُ من قوة: (كفى! كفى! لا تخبريني شيئاً.. لا تقولي إنَّ عيسى ومهيار قُتِلا! قولي إنهما من الأحياءُ في قلبِّ أحمد!.. وكفى!).. لكنَّ صوتي بقيَ في صدري.. ثم رفعتُ يديَّ إلى السماءِ وتضرَّعْتُ إلى الله: (اللهمَّ ألحقني بعيسى ومهيار، أينما كانا..) واعتمتْ الدنيا في وجهي. من بعيد، جاءني بصيصٌ من نور؛ وبدأ هذا البصيص يكبرُ ويتَّسعُ ويكبرُ، حتَّى اتضحتْ صورةُ جدِّي، حاملا قنديله الحبيب. وقفَ إلى جانبي وناولني قنديلَه الغالي. حملتُ القنديلَ، وسرنا معا في بستاننا الكبير، نشقُّ دياجير الظلام. لكنَّ الحزنَ والألمَ، كانا يضغطان على صدري بقوة. نَشَجْتُ من الألمِ. انحنى جدي وراحَ يحدِّقُ إليَّ. صرخَ في وجهي: (مالكَ يا ولد؟! خائف؟! أتحملُ القنديلَ وأنتَ خائف؟! واحسرتاهُ على الرجال!. إياكَ أن تَخْنُقَ القنديلَ يا حاملَ القنديلِ. ارفعْ قنديلكَ عالياً منارةً وتاجاً وسَيْفاً!!..) رفعتُ القنديلَ كأنِّي أُشْهِرُ سيفي لأقولَ للرفاقِ والأحبابِ وكلِّ أخيارِ الدنيا: (تقدموا! فالبحرُ من ورائكم والعدو من أمامكم.. فأين المفر؟؟..). بدأتْ دياجيرُ الظلامِ تهوي مضرَّجَةً بدمائها السوداء؛ وتحترقُ بسهامِ قنديلِ جدي. كنَّا جيشا عَرَمْرَما ـ من الأطفالِ، بسيوفٍ تُبْرِقُ وتُرْعِدُ وهي تطاردُ فلولَ الظلامِ، وأنا أسمعُ أصواتَ احتراقها كأنَّهُ حَطَبٌ يابسٌ تلتهمُهُ النيران.. ثمَّ يتطايرُ رمادُها معَ الريحِ. هيَّا يا جدِّي! سِرْ بنا.. لا تتوقفْ؛ هاأنا أرفعُ قنديليَ عاليا، ليشرق كالشمس، في رحابِ الحياة. تميسُ الأشجارُ فَرَحاً، وتصفِّقُ الطيورُ فخرا واعتزازاً، وتصدحُ البلابلُ بأناشيدِ النصرِ، وتبتهجُ الغيومُ وهي تذوب غيثا كريما، يعانقُ مروجنا الخضراءَ، عناقَ الأحبَّةِ بعدَ شوقٍ طويلٍ؛ فترقصُ الأنهارُ نشوةً وحبوراً، بين الحقول والبساتين، تردِّدُ مواويلَ جدي. أسمعُ صوتَ الأمطارِ، تعزُفُ ألحانَها على صدري، ثم تنحدر إلى عشبٍ أخضرَ، تطرِّزُه الأحلامُ بأجمل الأزهار. هاهو بستانُنا الواسعُ الرحبُ، يحتضنُ الأرضَ من القطبِ إلى القطْبِ. جموعٌ لا حصرَ لها من البشرِ، تهتفُ بفَخْرٍ لقنديلِ جدي، وهي تحملني على أكتافها. ومن بين الجموعِ، ينبعُ وجهُ فارعة، هاتفا: (عاش!! عاش!! حاملُ القنديل!)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244