|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخلاص لمْ استَفِقْ من حلمي الأخير إلاَّ على صوتِ الأستاذ ماجد. كأنه لم يفارقني أبدا. قال يبشرني: ـ ستخرج من المستشفى اليوم.. وستعود إلى مدرستك. سَألتُ بأَعْصابٍ باردةٍ: ـ فَقَطْ، إلى مدرستي؟؟.. وزملائي؟ أحبائي؟ أصدقائي؟ عيسى ومهيار؟.... أجابَ وهو يمْسحُ لي جبهتي براحةِ يده الدافئة: ـ ألا تؤمن بأنَّنا جميعا شهداء في سبيلِ هذه الأرض؟؟ قلت: بلا، فأضاف: (إذنْ، نحنُ جميعاً نسيرُ إلى الشهادة، بعضُنا يسبقُ بعضا..) قلت وأنا أكتم عَبَراتي: (لماذا لم نمضِ معاً؟؟ لماذا سبقاني وتركاني وحيدا؟؟) أجابني والأسى واضحٌ على محيَّاه: (الأذكياءُ يطرحونَ أسئلةً وجيهةً ومهمةً ثمَّ.. ليتنا نفكِّرُ بأسئلة أهم، يا أحمد.) شعرتُ أن عتَبَهُ كان شديداً عليَّ، وربَّما كان لوماً قاسياً.. وقد ابتلعتُه بروحٍ رياضية، رغمَ أنَّهُ كان لوما أليماً عليَّ، رافقني من المشفى إلى مدرستي ـ دارُ أبناء الشهداء، التي خرجتُ منها، برفقةِ الأستاذ ماجد ومهيار وعيسى، لنشيِّعَ الجدَّةَ إلى مثواها الأخير، ولم أعد إليها، إلاَّ بعدَ رحلةٍ طويلة من الألمِ والعذابِ. في اليومِ الأوَّلِ من عودتي للمدرسة، جَلَسْتُ أحاسبُ نفسي على ما ارتكبته من أخطاء، وعاهدْتُ نفسي أنْ لا أكونَ عنيداً، وأن أسمعَ نصائحَ الأكبَر منِّي وأنْ أحترمَ أراءهم. وكتبتُ وثيقةً ووقعتُها، وطلبتُ من الأستاذ ماجد أن يكونَ شاهداً على عهدي على نفسي. لكنَّ الأستاذَ ماجد مزَّقَ تلك الوثيقة، وقال زاجراً: (انتبهْ لدروسكَ يا بني! ). لن أستطيعَ تفسيرَ العبارةِ التي رماني بها الأستاذُ ماجد. هل رماني بسهمٍ، أم بوردةٍ؟.. وأنا لا أنتظرُ إلاَّ كلَّ خيرٍ من أستاذي وصديقي ماجد. تغيَّرَ كلُّ شيء منْ حولي، حتَّى الأستاذُ ماجد. فقدْ أصبحَ أكثرَ جدِّيةً وأكثرَ حزماً وصرامة.. ومازالَ وجههُ يحملُ آثاراً واضحةً لجراحٍ وكدماتٍ قديمة. أفكِّرُ كثيراً باستقبالِ زملائي لي. كان استقبالاً حميماً وحاراً، كأنهم يستقبلون بطلاً من الأبطال، بينما كنتُ ألومُ نفسي على عنادي، الذي كان سبباً في استشهاد صديقيَّ الحبيبين ـ عيسى ومهيار. لقد داوتني المشفى من جراحٍ وكسورٍ أصابتني؛ وبقيت جراحٌ أخرى ـ في أعماق الروح ـ لم يداوِها أحدٌ، ولمْ يفكِّرْ بها أحدٌ، حتَّى الأستاذُ ماجد. من يَرَني، يظنْ أنني خرجتُ من تحتِ الأنقاضِ، أو منْ معركةٍ طويلةٍ قاسيةٍ.. وكانَ خروجي حيّاً من هذه المعركة، معجزةً كبيرةً.. لذا كنتُ فرحةً كبرى لكلِّ من رآني. لكنَّ أفكاري، تعرجُ وتتعثَّر أكثرَ مني، وتسيرُ في أرضٍ وعرةٍ، وتتقدَّمُ بصعوبةٍ وبطء. يلتفُّ زملائي حولي.. ينتظرون منِّي أنْ أحكي لهمْ شيئاً مما جرى معي. أتفرَّسُهُمْ واحداً واحداً.. أظنُ أنْ عدَدَهم تضاعفَ. أسألُ نفسي ـ ماذا يحدثُ لو اجتمعَ الحزنُ والألمُ والفرحُ، بالبهجة والسرورُ في مكانٍ واحد؟؟ أي في قلبٍ واحد، وبدأت المعركة بينهم جميعا.. معركةٌ قاسيةٌ لا ترحمُ، وكلُّ منهم يَسْتميتُ في الظَّفَرِ بالنصر والسيطرة؟؟ أظنُّ أنَّ الخاسرَ الوحيدَ هو القلبُ، لأن المعركة تجري في ساحاته وعلى أرضه. لكنَّ المعارك لا تجري دائماً بصورة متكافئة. فالحزنُ والألمُ، يستخدمان أسلحة قاسيةً لا ترحمُ؛ تجرحُ القلبَ وتؤذيه؛ بينما تستخدمُ الأفراحُ المشاعرَ الطيبةَ؛ كي تداوي ما سببته الأحزانُ من جراح. لن أنسى نصيحة حبيبي وأستاذي ماجد (انتبه لدروسك يا بني) سأذكرُ هذه العبارة في كلِّ لحظة، مع كلِّ نبضةٍ من نبضاتِ قلبي. فهلْ ستنسيني الدروسُ جدِّي وأمي وأبي؟؟.. هل ستنسيني حبيبي عيسى ومهيار؟؟ هل ستنسيني التوأمين عزَّ الدين ومريم؟؟ ذكرياتٌ تدورُ حولي كما تدورُ نجومٌ حولَ كوكبٍ أخضرَ ـ هذا الكوكبُ هو قلبي. نعم قلبي أخضرُ، يقاومُ مخالبَ الأشرارِ وسمومِهم.. وسيبقى قلبي أخضرَ، يحلمُ بالغيومِ والمطرِ؛ يحلمُ بالطيورِ والزهرِ.. يحلمُ بمزارع الزيتون وبيَّاراتِ البرتقال والليمون، وبمروجٍ خضراءَ مطرَّزَة بزقزقات العصافير وتغريدِ البلابلِ؛ تَرِنُّ فيها ضحكاتُ الأطفالِ، وهمْ نيامٌ، يحلِّقونَ في الفضاء، على أجنحة الأماني والأحلامِ، يؤذِّنون لفجرٍ جديدٍ، يعبقُ بأريجِ المحبةِ والسلام. ها أنا أبدأ مشواراً جديداً، في دارِ أبناءِ الشهداء، مع أصدقاءٍ جددٍ، أذكرُ بعضَهُمْ ولا أذكرُ بعضَهم الآخرَ. من يدري، فقد يكون لنا معهم قصصٌ وحكاياتٌ جديدةٌ، نُكْمِلُ عِبْرَها طريقنا إلى نصرنا العربي الكبير، في تحرير كامل ترابنا، من رجسِ الصهاينة الأشرارِ. سيكونُ هذا عيدا لكوكبنا كلِّهُ، عندئذ سأكتبُ قصةً طويلةً جداً، أهديها لكلِّ أطفالِ العالم، أتحدَّثُ فيها عن جرثومةٍ غريبةٍ عجيبةٍ، سميتُها الجمرة الصهيونية الخبيثة.. انتشرتْ في أكثرِ بقاعِ العالمِ، واحتَلَّتْ فلسطينَ العربيةَ، وقتلتْ العديدَ من أطفالِها ورمَّلَتْ العديدَ من نسائها.. لكنَّ العربَ كانوا لها بالمرصاد.. قاتلوا وصمدوا وضحوا بكلِّ ما يملكون، من أجلِ أن يخلِّصوا البشرية من شرِّ تلك الجرثومة الخبيثة وبلائها. لقد حرمتني من أحبِّ الناسِ إلى قلبي ـ جدي وأمي وأبي وعيسى ومهيار.. وقَبْلَ أن أودِّعكُم أودُّ أنْ أخبركُم أن الأستاذَ ماجد أهداني بالأمس كتاباً يحكي قصةَ يوسف العظمة. وقال لي أنَّه يرى في حياة هذا البطلِ، عِبْرَةً كبيرة، يريدُني أنْ أستفيدَ منها. سأقرأ هذا الكتابَ ثلاثََ مراتٍ قبْلَ أنْ أحاولَ استخلاصِ هذهِ العِبْرَةَ. آملُ أنْ تبحثوا معي عن هذه العِبْرَةِ. فحياةُ أبطالنا مليئة بالعِبَرِ الغنية.. أليستْ هذه العِبَرُ ينابيعَ وأنهاراً وجداولَ، نحتاجُها في طريقنا إلى نصرِنا العربي الكبير؟؟!. دمشق 2003 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |