الأميرة العمياء ـــ د.صلاح إبراهيم

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الورقة والقلم!!

ما إن رأت الورقة البيضاء بعينيها الصغيرتين القلم الأزرق يتقدم منها حتى بدأت ترتجف وكأن زمهرير شتاء قارس تمكن من أوصالها.‏

استغرب القلم اضطراب الورقة غير الطبيعي ووقف كالمسمّر في مكانه مراقباً الأمر. بعد صمت طويل استطاع القلم المبهور من تصرف الورقة الغريب أن يسمع صوتها دون أن تفتح فمها أو تنبس ببنت شفة قائلة:‏

أخشى أن أفقد قيمتي عندما تبدأ تبذر بذورك في تربتي. إني أكره أيها الصديق القديم البذور الفاسدة. إن الأطنان من شقيقاتي تذرف الدموع يومياً لأن جيوش زملائك الأقلام تعبث بها وتعكر بياضها وتحملها إلى الحفظ أو الرمي في سلة المهملات. ابتعد عنّي أيّها القلم إذا لم تكن تنوي أن تخطّ على بياضي الرأي الحرّ والحكمة النصوح والكلمة الصادقة فأنا التي كانت وستبقى تحلم بأن تضمّ إلى صدرها الكلمات اللواتي يبعثن في حناياي الدفء والسعادة.‏

للأُمهات أبناء أمّا أبنائي أنا فهم الكلمات اللواتي تخطهنّ على بياضي ولا أُريد أن أكون أُمّاً لأبناء عاقين.‏

ابتسم القلم المسكين ابتسامة صفراء وقال لها: لا تظلميني يا صديقتي الورقة نحن في الحال سواسية. أنا أيضاً ممن يعشقون الكتابة عن الجمال والحب والوفاء ولا أرغب أن أسطر كلمة نفاق واحدة، أو رأياً فاسداً، أو كلاماً مزوراً. خندقنا واحد، ومصيبتنا مشتركة إلاّ أنّ بعضهم يعبث بنا، ولا حول لنا ولا قوة.‏

مرات ومرات وددت أن يجفّ حبري أو تقذفني وإياك رياح قوية إلى أراض لا يصلها العابثون والمستهترون بنا.‏

كلمات القلم الدافئة هذه أراحت نفس الورقة فسارعت إلى القول: إنّ أهميتنا نحن معشر الأوراق والأقلام تفوق الوصف، فبنا وعلينا يكتب الإنسان قوانينه وأنظمته، يدوّن مواثيقه ومعاهداته ينظم علاقاته الاجتماعية، يثبّت حقوقه وملكيته، يبرزنا كوثائق عند الضرورة، يستعين بنا لتدوين تاريخه وأشعاره، فلسفته وعلومه وأفكاره، يفصح عن مكنونات نفسه، يشتم ويهدد إن لم يرغب في الكلام بواسطتنا.‏

قاطعها القلم قائلاً:‏

إنّا صديقان قديمان له، يلجأ إلينا عندما ينسَ مواعيده وذكرياته، نهدّئ أعصابه، يحملنا في جيوبه، يحتفظ ببعضنا في صناديقه المحكمة الإغلاق وبين مجوهراته، لم نخدعه يوماً، لماذا يستهتر بنا؟!. لماذا يهدر الأطنان منا يومياً بلا فائدة؟‍!. لماذا يعبث بنا؟!. لعلّ تساؤلاتنا هذه توقظه من غفوته وتعيد المياه إلى مجاريها.‏

تابعت الورقة حديثها قائلة: كم سررت بما روته لي جدتي ذات يوم من أنّ رجلاً كتب عليها رأيه قائلاً: إنّ والدتي المسنة والمصابة بشلل نصفي تساوي عندي ملك الدنيا فلا ذهب هذه الأخيرة ولا أحجارها النفيسة تعادل ثمن والدتي. وتابعت جدتي القول: إِنّي فخورة بهذا الكلام وكم أودّ أن أقع في أيدي سكان المعمورة قاطبة ليقرؤوا جميعهم ما كتبه هذا الشاب المحب لوالدته. أّمّا أُمَّه فقد كتبت ذات يوم: كنوز الدنيا لا تعادل طفلي الصغير. إني أعشق هذا النوع من الكلام.‏

نعم أيّها القلم إنّ الإنسان هو الأسمى والأثمن في هذا الكون فلا ذهب ولا مال يساويانه صغيراً كان أم شابّاً أم كهلاً، مريضاً كان أَم معافى.‏

كم أودّ أن تسطر مثل هذا الكلام الجميل على بياضي لأبقى محتفظة به ما حييت.‏

وعدها القلم بأن يفعل ذلك إن استطاع فرغبة رفيقة عمره الورقة غالية عليه ولا معنى لوجوده دونها.‏

لكنهما كانا متفقين على أنّ الأمر كان وسيبقى بيد الإنسان ومرتبط به وحده لهذا السبب علا صوتهما قائلين:‏

قوّم الاعوجاج أيها الإنسان قبل فوات الأوان وتذكر دائماً أنّ الورقة والقلم الصديقين الحميمين لك يودان أن تبقى المخلوق الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.‏

12 أيار 2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244