الأميرة العمياء ـــ د.صلاح إبراهيم

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أجنحة الكلمات!!!.

سأل الصغير نزال جدّته: حقاً يا جدّتي ما يقولون، عن أن للكلمات أجنحة؟!. وإن كان هذا صحيحاً فهل تشبه أجنحة الكلمات أجنحة الطيور؟!.‏

أربك الجدّة سؤال الحفيد وقررت أن تمعن التفكير قبل أن تبدأ الجواب. إلاّ أن نظرات عينيه الاستفسارية، وقسمات وجهه المنتظرة بشوق ولهفة سماع الجواب دفعتها إلى الإسراع بالقول: اعلم يا بني أن الكلمات يحملن أثقالاً وموازين تعجز الطيور مجتمعة عن حملها..‏

عجيبة قدرتهن على خزن مشاعر الإنسان وعلومه وأفكاره ورغباته وأحاسيسه. والطيران بها طالت المسافات أم قصرت لإيصالها إلى أصحابها بكامل حيويتها ودفئها.‏

أُشبههنّ بالإشعاعات البشرية غير المرئية، أو بالموجات الصوتية دائمة الحركة حيناً تضاهي أنجع الأدوية قدرة على الشفاء من أخطر الأمراض وأشدها فتكاً. وأحياناً يؤلم وقعها كالحرق الكهربائي.‏

مشهود لهنّ بقدرتهنّ على فتح نوافذ في منازل القلوب وإغلاق نوافذ مفتوحة. توصف بالجمال وبالروعة وبالصدق وبالبراءة، وتنعت بالكذب وبالشناعة وعدم الصحة الخ.‏

بائس وشقي من حُرم نعمة الكلام أو عرف القليل منه. وغنيّ من امتلأت جعبته منه، وسعيد من اختصّ بالكلام الصادق الجميل، والهادئ الرصين.‏

ما إن سمع نزار جواب جدّته حتى بدت عليه علائم السرور والانشراح وبادرها بسؤال جديد: هل معنى الكلمة يكبر كلما كثر عدد حروفها ويقل كلما قلّ هذا العدد؟!.‏

سارعت الجدة إلى القول: لا يا نزار، لو كان معنى الكلمة مرتبطاً بكثرة عدد حروفها لغضبت الشمس وما بزغت لأن اسمها مؤلّف من ثلاثة حروف فقط /شمس/. ولحرد النور وما أضاء أرجاء الكون لأن اسمه مؤلف من ثلاثة أحرف أيضاً /نور/. ولرفض الليل أن يرخي سدوله كعادته ليمتّع البشر برؤية النجوم الساطعة والقمر المنير، ويوفر لهم بالنوم شروط النمو والراحة. لأن اسمه مؤلف من ثلاثة حروف أيضاً /ليل/. ولفضلت النار أن تنطفئ مرة وإلى الأبد من أن تلحق بها إهانة من هذا القبيل لأن اسمها لا يتجاوز الأحرف الثلاثة /نار/.‏

إن أهمية الكلمة وكبرها ليس في كثرة حروفها بل بمعانيها. فقد تكون كلمة قليلة الحروف كالحب مثلاً، أو السلم، أو الحرب، أو البحر الخ.. لكنها كبيرة المعاني والعكس صحيح.‏

ذات يوم سمعت جدّك يقول:‏

يزداد وزن الكلمة وينقص حسب الفم الذي تخرج منه والأذن التي تلتقطها.‏

وقال أيضاً بهذا المعنى: لكل كلمة أكثر من وزن يحدد وزن الكلمة الفم الذي تخرج منه والأذن التي تلتقطها.‏

كان نزار سعيداً جداً بأجوبة جدته، وقرر أن لا يطلق من اليوم فصاعداً كلامه كيفما اتفق. بل أن يفكر بكل كلمة يقولها، وأن يبتعد عن أي نوع من أنواع الثرثرة. وهو الذي يحفظ المثل القديم عن ظهر قلب: "الثرثار كحطاب ليل يرمي على غير هدى".‏

وصل إلى نتيجة مفادها: أن اللغة لا تقدّر بثمن، جميلة، غنية، عذبة، كل كلمة فيها تنبض بالحياة، تلعب في حياة البشر أهم الأدوار. هي جزء منا ونحن جزء منها. وجب علينا احترامها، ومن يشوّه اللغة شوّه أعزّ وأجمل ما في الكون.‏

25/10/1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244