الأميرة العمياء ـــ د.صلاح إبراهيم

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نعجة أبو صطوف

حرصت نعجة أبو صطوف على أن تنجب خروفاً كل عام حتى أن صاحبها أبا صطوف كان يطلق عليها اسم "أم الذكور".‏

الأمر الوحيد الذي شغل بالها هو عدم رؤيتها أبناءها إذ ما إن يقرر أبو صطوف فطم أحدهم حتى تُحرم من مشاهدته.‏

كانت في حيرة من أمرها تقول حيناً: لعل أبا صطوف يملك حظيرة أخرى بعيدة يضعهم فيها وأحياناً تقول: إنه يسمنهم في مكان ما أو يهديهم إلى أصدقائه أو يبيعهم في القرى المجاورة للراغبين في تربية الخراف.‏

كانت تسأل نفسها دائماً هذه الأسئلة وتندب حظها لأنها لا تجيد القراءة والكتابة إذ كانت تأمل مع كل طرقة باب أو رنة جرس أن يحمل لها ساعي البريد الذي غالباً ما يحمل رسائل لأسرة أبي صطوف من أبنائه أو أصدقائه رسالة أو برقية تحملان أخباراً عن أبنائها.‏

أو على الأقل عن الأخير منهم فهو محبب إليها كثيراً كونه جميلاً ناعم الصوف، وديعاً، رخيم الصوت مطيعاً إطاعة مذهلة، لم يغادر مخيلتها لحظة واحدة، لا سيما كلماته المحببة إلى قلبها، مآ، مآ، مآ وطالما رددت بينها وبين نفسها: السحر العجيب في محبة الأبناء للأمهات لا يفوقه إلا محبة الأمهات للأبناء.‏

كان أبو صطوف مضيافاً لا يتردد في ذبح الخراف لضيوفه إكراماً وتقديراً لمحبته لهم، وتسهيلاً لأموره ومصالحه، إلا أنه كان يعمل بوصية والده ومفادها: لا تذبح يا بني الخروف أمام أُمه أو حتى بوجودها في المنزل فالأم غنمة كانت أم بقرة أم أرنبة أم عصفورة...الخ. أشد ما يؤلمها أن يذبح ابنها أمامها.‏

نعجة أبو صطوف هذه كانت تبذل المستحيل لتحافظ على علاقة الثقة بينها وبين صاحبها وأهل بيته. تدرّ لهم الحليب يومياً بكميات كبيرة، تعطيهم الصوف الجيد، تلد كل عام خروفاً وديعاً سليم الجسم معافى.‏

ذات يوم وإثر دوخة شعرت بها في رأسها أخطأت باب حظيرتها ودخلت غرفة الضيوف في منزل أبي صطوف وكم كانت دهشتها كبيرة عندما شاهدت جلود أبنائها على الأرائك في الغرفة. كادت أن يغمى عليها. قالت: كم كنت سعيدة قبل أن أدخل غرفة الضيوف ويصدمني الواقع المؤلم. كنت أعيش بالأمل وما أجمل أن يرافق الأمل الحياة لأنه لا حياة مع اليأس.‏

لم أكن أظن أن أبا صطوف قاس إلى هذا الحد. أمضيت عمري بانتظار عودتهم بينما لم يبق منهم إلا الجلد؟!.‏

خرجت النعجة من غرفة الضيوف مسرعة، وذهبت إلى الحظيرة. أضربت عن الطعام فلا ابتسامات أبو صطوف الماكرة قادرة على خداعها ولا تساؤلاته واستغرابه ما أصابها فقد شاهدت بأم عينها جلود أبنائها في غرفة الضيوف.‏

جفَّ حليبها، وأُصيبت بالهزال الشديد فلم يجد الموت صعوبة في اختطاف روحها.‏

آخر كلمة قالتها: الموت أهون من فقدان الأبناء. كانت أمّاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.‏

21/12/2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244