الأميرة العمياء ـــ د.صلاح إبراهيم

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فلسفة الذئب!!

في ليلة حالكة من ليالي شتاء قارس نهض ذئب مسن من نومه مذعوراً بعد أن أيقظه جوع كاد يمزق معدته وبدأ يصرخ:‏

تباً لحياتي على سطح هذه الأرض. يقولون إن كوكب الأرض أغنى الكواكب، وأنا لا أستطيع أن أملأ معدتي الصغيرة قبل أن أنام؟!.‏

ما أقسى الحياة مع الجوع. أيوجد في هذا العالم من ينهشه الجوع كما ينهشني الآن؟!. حتى النوم يصبح مع هذا الكافر متعذراً وغير مريح، وفجأة خفّت حدّة صوته وانخفض صراخه وتساءل:‏

لماذا لم يخلقنا الله قادرين على الحياة بلا طعام؟!. كان جدي يطرح هذا السؤال ويجيب عنه بأن الحياة ستفقد الكثير من روعتها وجمالها لو كانت بدونه، وأنا مع رأي جدي، فدجاجة الآن أو فخذ لحم يبعثان السعادة والنشوة في نفسي ساعات وساعات، ويطردان العصافير التي تزقزق بحنق وعصبية في معدتي وقد أيقظتني من نومي وكأني مشدوخ بعصا غليظة. آه ما ألذّ نوم الشبعانين!!.‏

ولكن من أين لي يا حسرتي بوجبة دسمة في هذه الليلة التي كانت جدتي تقول عن أمثالها "ليلة لا يعوي ذئبها"؟. إنّ خروجي الآن والريح تعصف والثلج يتساقط ليس محفوفاً بالمخاطر فقط، بل ولن تكون لـه جدوى أو فائدة.‏

أعلن للمرة الأولى في حياتي عن رغبتي في أن أكون مقرباً من سيّد الأرض، الإنسان، وأن أعيش في كنفه، وأعمل عنده على الرغم من أن أحداً لم يجبني حتى يومنا هذا عن تساؤلي:‏

لماذا يضمر الإنسان لنا نحن معشر الذئاب الحقد والكراهية؟!. أما آن لـه أن يغيّر نظرته إلينا وتعامله معنا؟!. فما أن يرانا حتى ينهال علينا بالحجارة والعصي وإطلاق النار ويمطرنا بالألفاظ النابية ويطردنا شرّ طردة في الوقت الذي لا نسعى فيه لانتهاك المحرمات كما يفعل بعضهم بتهجير أصحاب الأرض من أرضهم واقتلاع أشجارهم وهدم منازلهم وقتل أطفالهم لا لسبب إلا لأنهم أصحاب حق ولم يتنازلوا عن حقوقهم. كل ما نطمح إليه إملاء معدتنا الفارغة والنوم نوم الشبعانين لا نوم الجياع.‏

وا حسرتاه! معشر الذئاب يفتقرون إلى الحظ. خذ مثلاً: الكلاب مدلّلة لدى الإنسان يداعبها، ويغسلها بالصابون وبالماء البارد صيفاً، وبالفاتر شتاء، ويطعمها ألذّ الأطعمة وأفيدها، وينزهها يومياً صباح مساء وهي الضعيفة التي لا يزيد حجم الكثيرين منها عن حجم القطط. وكم رأيته يجرها خلفه أو يحملها بذراعيه ويقبلها مُطلقاً عليها الأسماء الجميلة ومفاخراً بها وبسلالتها، ويشتريها بأسعار باهظة وينظم بينها المباريات. وإذا مرضت يستدعي الطبيب البيطري على الفور لمعالجتها، وإذا ما نفقت بذرف الدموع الغزيرة عليها؟!.‏

أما عن الطيور المنزلية كالدجاج والحمام والبط والطيور المغردة ذات الأقفاص البديعة وغيرها فحدّث ولا حرج عن معاملته اللطيفة لها. غذاؤها الذرة بأنواعها، والشعير والحنطة والخبز المفتت وشرابها الماء النظيف...الخ.‏

أما النعمة التي يعيشها الخروف وأخته الفطيمة وأمه النعجة وسائر بني جنسه إذ يوليهم حبه ورعايته ويؤمّن لهم الطعام والشراب بأوقات ومواعيد محددة ويخاف عليهم من البرد والجوع والسرقة.‏

أما البقرة التي تأكل باليوم الواحد ما يكفيني طعاماً لأسبوع كامل.‏

البقرة الضخمة فلها زريبتها الخاصة المغلقة بباب حديدي كبير أقوى الذئاب يعجز عن تحريكه أو خلعه من مكانه والمزود بأكثر من قفل، ولها طبيبها البيطري الذي يُشرف على صحتها ويعالجها كلما ذبّلت عيناها. ما أوسع حظيرة البقرة فهي أشبه بالقصر المنيف إذا قيست بجحري أنا الذئب المكروه والمطارد بالألفاظ النابية حاضراً كنت أم غائباً.‏

صحيح أنا حرّ طليق، ولا أتلقى أوامر أو تعليمات من أحد. لكنني أعاني من مشكلتين أساسيتين:‏

الأولى تأمين الغذاء وخاصة في الشتاء المثلج القارس.‏

والثانية كره الإنسان لي وحقده عليّ.‏

بينما كان الذئب العجوز يحدّث نفسه دخل عليه ذئب فتي وفي فمه فخذ لحم كبير يكفيهما معاً لأكثر من وجبة وأشار على الذئب العجوز بطرف عينيه أن تفضل وَكُلْ.‏

لم يصدق الذئب العجوز عينيه أَهو في حلم أَمْ حقيقة. لم تطمئن نفسه إلى أنها حقيقة إلا عندما امتلأت معدته، وشعر بالاسترخاء، والرغبة في العودة إلى النوم، ودبّت الحرارة في جسده وبدأت أفكار مغايرة تزاحم الأفكار السابقة عندها قال:‏

الجوع ذل، والذل عبودية، والعبودية تتنافى والتفكير السليم. وأنا أرفض أن أكون عبداً حتى ولو ملؤوا جحري لحماً طريّاً كل يوم. فأنا قوي، وأنيابي حادة، وجريي سريع، وأفكر خلاف ما تفكر به هذه الحيوانات الضعيفة. خلقت للبراري، للقنص، للعيش الطليق، للحرية، أما هم فخلقوا كحيوانات أليفة. ينفقون جوعاً إن لم يجدوا من يطعمهم.‏

يجب أن أكون كما خلقني الله حرّاً طليقاً وإن جعت اليوم فسأجد غذائي غداً وهذه حال الدنيا يوم لك ويوم عليك.‏

أما عن كره الإنسان لي فمرده إلى أنني أقتنص ما يعتبره ملكه ومن حقه، وأتعجب من أمري إذ أفكر بشكل سليم عندما تكون معدتي ممتلئة. أما عندما أكون جائعاً فتفكيري لا يخلو من اعوجاج.‏

كدت أُقنع نفسي بالموافقة على العمل عند الإنسان مقابل تأمينه لي لقمة الطعام. ولكن تأمين الطعام، ومكان النوم، والحماية يجب أن يقابلها مردود. فالخروف يُسمّن ليؤكل. والبقرة تُطعم لتدر الحليب ولتنجب عجلاً أو عجلة. والدجاجة ملزمة بالبيض. ومن يأخذ دون أن يعطي فالإنسان لا يصبر عليه طويلاً!!‏

26/10/2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244