حكايات شَعبيَّة للأطفَال ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حكاية حديدان

كان يا مكان.. في قديم الزّمان.‏

جدّة طيّبة تعيش مع حفيدها الوحيد واسمه حديدان، في قرية خضراء جميلة، وكانت تلك الجدّة تحبّ حفيدها حبَّاً جمَّاً، تدلّله.. وترعاه.. و..‏

ذات صباح.. قدّمت الجدّة إلى حديدان كوباً من الحليب وقطعتين من الجبن ورغيفاً كبيراً خبزته لتوّها على التنّور.‏

نظر حديدان إلى الرّغيف، وجده ممطوطاً، قلب شفتيه وقال:‏

-ما هذا يا جدّتي!؟ الأرغفة الّتي تصنعينها عادة دائرية، أمّا هذا فشكله بشع. ثمّ دفعه باشمئزاز.‏

انحنت الجدّة على الرّغيف، أمسكت به، قبّلته، قالت:‏

-بشع!؟ أَبَعد تعبي أسمع منك هذه الكلمة؟ كنت أتوقّع منك –على الأقل- كلمة ((شكراً))، لقد أفقتُ قبل بزوغ الشّمس، أوقدت التّنور، عجنت، رققت العجين ثمّ خبزت وبعد كل هذا التّعب تقلب شفتيك مستاءً، وترمي بالنّعمة على الأرض؟‏

-أف.. وماذا حصل؟ هل خربت الدّنيا؟‏

-نعم خربت، لأنّك لا تعلم أنّ الرّغيف الذي رميته كلّف جهداً وتعباً كبيرين.‏

-جهد.. تعب!! أنا أستطيع –على الرّغم من صغري- صنع رغيف أفضل من رغيفك بكثير.‏

رَكَزَتِ الجدّة نظّارتها على أرنبة أنفها، وبعد تفكير عميق.. قالت:‏

-طيّب.. أنا زعلانة منك، ولن أرضى حتّى تصنع الخبز بنفسك، هيّا.. أرني شطارتك.‏

نهض حديدان مصمِّماً، توجه إلى التّنور المطلي بهباب الفحم، وقف أمامه، قال:‏

-((يا تنّور يا حزين.. يا خبّاز العجين))، أعطني رغيفاً مدوَّراً، كي أريه لجدّتي، فترضى عنّي.‏

فتح التّنور فمه الكبير ضاحكاً، وقال بصوت لا يخلو من صدى:‏

-وكيف أعطيك الرّغيف وأنا بحاجة إلى الحطب؟‏

-ومن أين آتيك بالحطب؟‏

-بسيطة.. الحطب موجود في الجبل.‏

صعد حديدان الجبل، وقف على رأسه، صائحاً:‏

-((يا جبل يا كبير.. يا مخبأ العصافير))، أعطني حزمة حطب.‏

قهقه الجبل، فتدحرج بعض الحصى، قال:‏

-كيف أعطيك الحطب وأنا بحاجة إلى فأس؟‏

-فأس!! وكيف أحصل عليها؟‏

-الفأس عند الحدّاد.‏

هبط حديدان الجبل، توجه إلى الحدّاد، رأى رجلاً قويّ البنية، مفتول الزّند، يضع الفحم في بيت النار ثم ينفخه بالكير.‏

-((يا حدّاد يا خبير.. يا نافخ الكير)) أعطني فأساً.‏

وقف الحدّاد، مسح عرقه بقفا كفّه، قال:‏

-أمعك نقود؟‏

أدخل حديدان كفّيه في جيبيه، وأخرجهما فارغتين.‏

-لا.. أنا لا أملك نقوداً.‏

-إذاً.. كيف سأعطيك الفأس؟!‏

دمعت عينا حديدان، واستدار راجعاً، فنَاداه الحدّاد:‏

-هيه، أنت.. تعال يا عين عمّك، احكِ لي ماهي قصّتك.. ولماذا تريد الفأس؟‏

مسح حديدان دموعه بطرف كمّه، ونشق قائلاً:‏

-جدّتي زعلت منّي، ولن تكلّمني إلاَّ إذا صنعت لها رغيفاً مدوَّراً، ذهبت إلى التّنور فطلب حطباً، والحطب في الجبل، والجبل بحاجة إلى فأس، والفأس موجودة عندك.‏

ابتسم الحدّاد، اقترب من حديدان مربّتاً على كتفيه، قائلاً:‏

-ما دمت تريد إرضاء جدّتك، فأنا سأعطيك الفأس، لكن.. بشرط.‏

-ما هو؟‏

-أن تساعدني بصنعه.‏

-موافق.‏

شمّر حديدان عن ساعديه، أمسك مطرقة، وراح يطرق الحديد المحمّى، فصار وجهه أحمر كشوندرة.‏

وعندما انتهيا من صنع الفأس، حملها حديدان شاكراً، ركض إلى الجبل، احتطب.. وضع حزمة الحطب والفأس على ظهره، ومشى صوب التّنور.‏

أوقد حديدان التّنور، عجن العجين، رقه، و..‏

عبثاً حاول صنع رغيف، فمرّة.. يصنعه ممطوطاً، ومرّة.. مثقوباً، وأحياناً كثيرة يحرقه، فيصبح أشبه بقفا طنجرة.‏

وقف حديدان مستسلماً، مسح عرقه، تذكّر دفعه للرغيف، قال:‏

-ما أغباني.. حسبت الأمر سهلاً، ما العمل.. كيف سأرضي جدّتي؟‏

شعر بيد تمسح على شعره، التفت.. رأى جدّته، مبتسمة، تقول:‏

-أظنّك قد تعلّمت درساً مفيداً، لقد رضيت عنك، تعال ساعدني، لأخبز لك رغيفاً مدوَّراً يشبه القمر.‏

((وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة))‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244