حكايات شَعبيَّة للأطفَال ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حكاية قشقوش

كان يا مكان.. في قديم الزمان.. وسالف العصر والأوان.‏

فتًى خواف، يعيش في قرية أغلب بيوتها من الطين. وقد أطلق عليه أهلها اسم قشقوش.‏

ولهذا الاسم قصة:‏

مرّة.. أراد ابن عم قشقوش أن يمازحه، فأتى بدودة أرض كبيرة، وركض إليه، حيث كان نائماً تحت شجرة الرمان، وفور وصوله إليه، قرّبها من وجهه، ولكزه.‏

فتح قشقوش عينيه، وما إن لمح الدودة تتلوى أمامه، حتى قفز مذعوراً، وركض صائحاً:‏

- الحقوني.. أفعى.. ثعبان، يا ناس.. يا عالم.. يا..‏

سمع أهل القرية الصراخ، خرجوا يستطلعون الخبر، فلم يجدوا أحداً، وحده صوت قشقوش كان مسموعاً، بحثوا.. هنا.. وهناك، أخيراً.. قادهم الصوت إلى تلة قش، نبشوا القش، فرأوا الفتى أصفر الوجه يرتجف ويصيح: اقتلوا الثعبان.. إنه هناك.‏

وقبل أن يتوجهوا إلى المكان الذي أشار إليه قشقوش، شاهدوا ابن عمه يهرول نحوهم، حاملاً دودة الأرض، وما إن أعلمهم بالقصة، حتى انفجروا ضاحكين، وأطلقوا على الفتى الجبان المختبئ في كومة القش اسم ((قشقوش)).‏

مضى شهر، وما زال أهل القرية يسخرون من قشقوش، ولم يعد أحد يناديه باسمه.‏

ذات ليلة أرق قشقوش، فضحكات أهل القرية وسخرياتهم تجلجل في أذنيه، وبعد تفكير طويل قال لنفسه:‏

-لا بد من الرحيل، لقد اكتشف أهل القرية كلهم أنني جبان، آه.. كم حاولت ألاّ يعرف أحد هذه الحقيقة، كم حاولت أن أصبح شجاعاً، لكن.. بلا فائدة، فكيف أصبح شجاعاً وأنا أخاف من خيالي؟ سأرحل.. أو سيضحك مني أهل القرية كلهم قائلين: قشقوش الطويل العريض يخاف من دودة!‏

أشرقت الشمس، وغادر قشقوش قريته متّجهاً نحو الجبل، مشى يوماً بكامله، وكلما لمح ضبَّاً أو حرذوناً يقف على إحدى الصخور، نطّ مرتجفاً.. وركض إلى إحدى الأشجار، ليضم جذعها وقد أغمض عينيه.‏

غابت الشّمس.. ازداد خوف قشقوش، حتى كاد الدم ينشف في عروقه، فجأة.. لمح ضوءاً ينبعث من أحد الكهوف، ركض إليه، دخله، فوجد أرضه مفروشة بالسّجاجيد المخططة وجلود الخراف والمخدّات وقد عُلّق على حيطانه أطباق من القش الملون، والسيوف المتصالبة والتّروس المرصّعة بالنحاس، فما كان منه إلا أن استلقى ليستريح، فغطّ في نوم عميق.‏

انتبه قشقوش على صوت جرس، فتح عينيه، فركهما، وإذا به يرى رجلاً نحيل الجسم قصير القامة يدخل الكهف، وما إن رأى الرجلُ الفتى حتى صاح:‏

-هيه.. من أنت، وكيف دخلت كهفي؟!‏

وقف قشقوش، فكاد رأسه يلامس السقف.‏

-احم.. احم، وما شأنك أنت؟ أهو كهفك؟!‏

-اسكت يا صعلوك ألا تعرف من أنا؟‏

-ومن تكون؟‏

-أنا أبو الليل.‏

-أبو.. الـ.. الليـ.. ليل..‏

ووقع قشقوش فاقد الوعي.‏

ركض أبو الليل إليه، أمسك قربة الماء، دلقها على وجهه، فأفاق قشقوش لاهثاً.‏

-ما بك؟! منذ قليل كنت رجلاً.‏

رد قشقوش متلعثماً:‏

-سامحني يا سيدي أرجوك، لن أغلط وأدخل كهفك مرة أخرى. أقسم بالله.‏

-طيّب لا تخف، اجلس.. واحك حكايتك.‏

-.......‏

-ما بك لا تتكلم، كأن لسانك أكله القط؟!‏

-.......‏

-أمرك عجيب، قلت لك تكلم.. ولا تخف.‏

-تعني أنّك لن تخطفني وتعذبني؟‏

-أخطفك.. أعذبك!! ومن قال لك بأنني أخطف الناس وأعذبهم؟‏

-أمي.‏

-أمك قالت ذلك؟!‏

-أجل، فأنا عندما ألعب في البيت، تقول: اجلس في الزاوية وإلا حبستك في جب الفئران، وإذا أردت الخروج تقول: إيّاك.. وإلا سيخطفك أبو الليل ويعذبك.‏

هزَّ أبو الليل رأسه، ابتسم، قال:‏

-هاها.. الآن فهمت سبب خوفك وإغمائك لحظة سمعت اسمي، لكن.. لماذا أتيت إلى هنا؟‏

-صراحة.. أتيت لأنني جبان.‏

-جبان!! ألا تخجل من هذه الكلمة؟‏

-أخجل.. لكنها الحقيقة، فمنذ شهر عندما كنت نائماً تحت شجرة الرمان، جاء ابن عمي و...‏

انتهى قشقوش من سرد قصته، فانفجر أبو الليل ضاحكاً، حتى إنه استلقى على ظهره.‏

-تخاف من دودة.. دودة!! يا عيب الشؤم، فتًى بطول النخلة يخاف من دودة، وأنا.. على الرغم من قصري ونحافتي، أُخيف قرًى بأكملها.‏

-أعلم.. لكن قل لي أرجوك، كيف تخيفها؟‏

-اسمع، عندما كنت صغيراً، حكى لي والدي حكاية، قال:‏

في أحد الأيام، خرج فلاّح ليرعى بقرته، ولما ابتعد عن القرية، التقاه فارس قوي البنية يحمل سلاحاً ويركب حصاناً مطهّماً، فاعترض طريق الفلاّح وسلبه بقرته.‏

لم يستطع الفلاح المسكين أن يتفوّه بكلمة، فهو قصير نحيف، مثلي تماماً، لكنه صار يتبع أثر الفارس والبقرة من بعيد.‏

توقف الفارس عند بئر ماء، تعلوها صخرة كبيرة، حُفِرَ فيها جرن لسقي الدواب.‏

اقترب الفلاح متلصّصاً، وكم كانت دهشته كبيرة، عندما رأى الفارس يمسك الصخرة الكبيرة الموجودة على فم البئر، يرفعها.. ويشرب من الجرن، تاركاً الدلو.‏

فتح قشقوش فمه، قائلاً:‏

-يا لطيف، رفع الصّخرة وشرب من جرنها، إيه.. وبعد. أكمل.‏

-وبعد أن أرجعها، قال: ((الحمد لله، قوة ثور.. قلب يوق)).‏

وما إن سمع الفلاح هذه العبارة، حتى نطّ نحوه رافعاً عصاه الغليظة، صارخاً: ارمِ سلاحك وانزل عن حصانك.‏

تصوّر.. لقد ترك الفارس سلاحه وجواده، وفرّ كأرنب.‏

حكّ قشقوش رأسه، قال:‏

-وكيف تجرّأ الفلاّح على الظهور أمامه؟‏

-سألت والدي السؤال نفسه، فأجاب: اسمع يا صغيري، يوق.. كلمة تركية تعني لا شيء، أي إن جسمه قوي كجسم الثور، لكن قلبه فارغ ضعيف، والقوة تكمن في القلب.‏

منذ ذلك اليوم، صرت لا أخاف من أحد، أصعد مع ماعزي إلى الجبال، أقتل الحيّات، أدخل إلى أوجرة الضباع في الليل، حتى إنّ الكثيرين سمعوا بجرأتي وصاروا يخافونني، لمجرد سماعهم الجرس المعلّق في رقبة حصاني أو لرؤيتهم ثوبي المخطط هذا.‏

أخذ قشقوش نفساً عميقاً وقال:‏

-أنا أحسدك على جرأتك يا أبا الليل، وأتمنى أن أصبح جريئاً ومخيفاً.‏

ضحك أبو الليل وقال:‏

-بسيطة، لا توجد مشكلة، سنقضي معاً أسبوعاً في الجبال.‏

رافق قشقوش أبا الليل، ففي اليوم الأول.. وبعد مسير شاق، استلقى قشقوش تحت شجرة صنوبر ونام.‏

بغتة.. أحسّ بشيء يمشي على صدره، فتح عينيه، وإذا بسلحفاة تمطّ رأسها كأنها تريد تقبيله.‏

زعق قشقوش، دفع السّلحفاة ونهض راكضاً يولول.‏

كان أبو الليل يضحك، فهو من وضعها على صدره، وجلس يتفرّج.‏

بعد انقضاء الأسبوع، صار قشقوش أكثر جرأة، لكنه كان يجفل كلّما ذكّره أبو الليل بجبّ الفئران إلى أن قال له أبو الليل في اليوم السابع:‏

-قشقوش.. يعلم الله أنني أحببتك، لذلك سأساعدك، سأعيرك قميصي وحصاني شريطة أن تذهب إلى جبّ الفئران، وتكتشفه بنفسك.‏

-أنا؟!!‏

-أجل، وإلاَّ..‏

زرّ قشقوش قميص أبي الليل بصعوبة، ركب الحصان، و..‏

شعر بخوفه يتلاشى تماماً، فالناس يهربون من أمامه، يصيحون متوسّلين، حتى أبناء قريته اختبؤوا في بيوتهم كالفئران، وابن عمه.. ابن عمه بالذّات، تعثّر مرتين بثوبه الطّويل عندما ركض إلى حظيرة الماعز ليختبئ.‏

-غريب!! ((قال قشقوش لنفسه)) ألم يخطر ببال أحدهم أن يدقّق النظر إليّ؟ أنا لا أشبه أبا الليل، محال أن أشبهه!.‏

ربط قشقوش الحصان في شبّاك بيته، دقّ الباب، فردّت أمه من خلف الباب:‏

-من الطارق؟‏

-أبو الليل.‏

-يا ويلي.‏

فتح قشقوش الباب، فرأى أمه قد جلّلت رأسها بالملاءة قائلة:‏

-كرمى لله.. دعني يا أبا الليل، خذ ما تشاء، لا تقترب مني.‏

قال قشقوش مغيّراً نبرة صوته:‏

-أريدك أن تنزلي إلى جبّ الفئران.‏

نزلت الأم إلى جبّ الفئران، تبعها قشقوش، وما إن فتحت الباب، حتى شهق قشقوش متعجّباً، لقد رأى مرطبانات المربى والجبن والزيتون مصفوفة على الطرفين.‏

أخذ قشقوش مرطباناً كبيراً مليئاً بالمربى، وركب الحصان قاصداً الكهف، وهناك.. رأى أبا الليل بانتظاره.‏

-هيه.. ما هذا المرطبان.. أهو مليء بالفئران؟‏

ضحك قشقوش، قال:‏

-بل بالمربى اللذيذ، إنّه لك.‏

قدّم قشقوش المرطبان إلى أبي الليل، وقال:‏

-شكراً يا أبا الليل، لقد جعلتني رجلاً.‏

-كنت متأكداً من أنّك ستصبح رجلاً، لكنني لست متأكداً من أنك ستستطيع إلغاء ذلك الاسم ((قشقوش)).‏

في اليوم التالي.. عاد قشقوش إلى قريته، رافع الرأس.. نافخ الصدر.‏

علم أهل القرية بحضوره، فجاؤوا ليطمئنوا عليه، إذ إنه لم يغادر القرية في حياته.‏

وعندما وصل ابن عمه ليسلّم عليه، مدّ قشقوش يده إلى جيبه، أخرج أفعى صغيرة، وقال:‏

-تفضّل.. هذه هديّتك.‏

زعق ابن العم، ونطّ من الشباك، راكضاً صوب قطيع الخراف البعيد، بينما انفجر أهل القرية ضاحكين.‏

((وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة))‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244