|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الصَّدِيقان: الأقحوان.... وشقائق النُّعمان مضى أكثَرُ فصل الشتاء، وبقيت بَقيَّةٌ مِنْهُ ما تزالُ تؤثّر في الجَوّ، وتشعر باستمرار هذا الفصْل من العام... لكنّ كُلّ شيءٍ في الدُّنيا كان يَتَهَيّأ للانتقال تدريجاً إلى تبدُّلٍ وتَغيُّر.. وكانت تلكَ السَّنةُ التي نذكرُ هنا بعض أحْدَاثِها سَنَةَ خَيْر: كَثُرَت الأمْطَارُ، وفاضَت الأنهِارُ، وسَالت الأَوْدِيَةُ؛ وارْتَوَت الأشجَارُ بعد عطش، وامتلأت الآبار بعد نُضوب. وفي سنَةِ الخَيْر تنتعشُ نباتاتُ الرعي والنّباتاتُ العطرِيَّةُ ذاتُ الأزْهَارِ المُلَوَّنةِ الفائقةِ الجَمال... وأدى كل شيءٍ في الكونِ واجب الشكر للهِ تعالى الذي أرْسَل السماء على الأرضِ والناس وسائر المخلوقات مطراً مدراراً... بَدأ الرَّبيعُ يَظْهَرُ على الشّتاء ويَحُلّ مَحَلّه شيئاً فشيئاً: ـ قَوِيَتْ عَيْنُ الشمسِ، وصارت تَنْْشرُ الدّفء... ـ وخَفّت اندفاعة الرَّياحِ، فصارت أخَفَّ حِدّةً، وأقلّ بَرْداً... ـ وبَدأت المخلوقاتُ كلّها تَشْعُرُ أنّ النَّهارَ يطولُ تدريجاً فيُتيحُ لكلّ شيءٍ على وَجْهِ الأرض أن يقتبسَ من أشعّةِ الشمسِ ويزداد قوّةً وحَيَويّةً... وكانت أنواع النبات كبيرِها وصغيرها تُسهِمُ على مَهَلٍ في حِياكَةِ الثوبِ الجميل الذي سيختالُ بهِ الربيعُ يوم الاحتفالِ ببدء فصلٍ جديدٍ من فُصول السَّنَةِ... تَسابَقَتْ أنواعُ النّباتاتِ في الظُّهور غَضّةً طَرِيَّةً نَدِيّةً... وصارَ النّاظِرُ يَرى لونَ الخُضْرَةِ بارِزاً في الحُقولِ والسُّهولِ والهِضَابِ وأطْرَافِ الوِدْيَانِ وسُفوحِ الجِبَال.. هذا اللونُ الذي يُوحي بالتَّفاؤُلِ، ويُعْلِنُ عن ولادةٍ جديدةٍ للحَياة.. ومِثْلَما تحرّكت النَّباتات للعودةِ من جَدِيد، مع مَوسِمٍ جَديدٍ، وتأهّبَت الأشجار للاكتساء بكسوةٍ جديدةٍ جميلةٍ: كانت الطيورُ، وسائر الحيوانات تتَهَيَّأ للحركةِ وتجديد الحَياةِ: كلّ نَوْعٍ بحسبِ نشَاطهِ وظُروفِه وطبائع أحْوَالِه... وكانَ أولِ مبشّر بعودةِ الرَّبيع الطيرُ الدُّوريُّ الذي بَدأَت زَقْزَقَاتُه تَملأُ المَكانَ من كُلِّ اتَجاه، وبدأ يجول في البساتين والحُقول.. حينَ احْتَفلت الدُّنيا بقدوم فصلِ الربيع كان في استقبالِه الأعْدادُ الكبيرةُ من الكائناتِ، ولَبِسَت لاسْتِقْبَالِهِ الحُلَلَ الجديدة ذات الألوان الزاهية.. وكانَ أجملَ ما خرجَ لاستقباله أنوارُ الأشجار وأَزاهيرُ النباتاتِ البريّةِ والمائيّة. وظهرت كل زَهْرةٍ، ونَور، ووردةٍ، وزنبقةٍ في أحْلى صُورةٍ، وأبْهى مَنْظَر... .. وانتثرت أنفاسُ العطور في كل اتّجاه... وكان في الأزاهير التي برزت للاحتفاء بقدوم الرَّبيعِ زهرتان لَطِيفَتان رَقيقتان، كانت إحداهُما إلى جانب الأُخرى مصادَفةً... لقد كانت ألوانُ هاتينِ الزهرتين مختَلفةً، وأشكالُهما متباعِدَةً لكنّهما استطاعَتا بسرعةٍ أنْ تتفاهما، ثم انقلبَ التَّفَاهُم إلى محبّةٍ قَويَّة، ومَوَدَّةٍ عَمِيقَة... وأشارت سائر الزُّهورِ والنَّباتاتِ في الهَضْبَةِ والسَّهْلِ وسَفْح الجَبل، وأطْرَافِ الوادي إلى هذا الائتلافِ والانسجام بين الأُقحُوَان والحَوْذَانِ... ونظر بَعْضُهم إلى بعْضٍ نظرة فيها فضُولٌ وفيها أيضاً إعجابٌ شديدٌ بهاتين الزَّهرتينِ الصّديقتينِ.. قالت زهرةٌ بَريَّةٌ لرفيقةٍ لها: تُرى كَيْفَ الْتقى الأُقْحُوانُ والحَوْذانُ على صُحْبَةٍ أكيدةٍ وصداقةٍ وثيقةٍ؟ قالت رَفيقَتُها: وماذا في تلكَ الصحبة؟ قالت الزهرةُ البَرّيَّةُ: ألا تَرين؟ الأقحوانةُ مُتَواضِعَةٌ هادِئَةٌ والحوذانَةُ متعاليةٌ مُعْجَبةٌ بِنَفْسِها... هزّتْ رفيقتها رأسها وقالت: نعم!.. هذا يَبْدُو لكلّ من يَراهُمَا لأوّل نظرة... أضافت الزَّهرةُ البرّيَّةُ وهي تُحَاوِرُ رَفيقَتَها: انْظُرِي إليهما يا صديقتي فزهرةُ الأُقحوان لها قُرْصٌ أصفرُ اللَّون، فاقِعٌ، تستديرُ حَوْلَهُ وُرَيْقاتٌ بِيضٌ ناصِعَةُ البياض.. وزَهرَةُ الحَوْذانِ لها قرصٌ أسودُ اللون تستدير به أوراق كبيرة حمراء قانيةُ الاحمرار.... التفتت الزَّهْرَةُ البريّةُ نحو صديقتها وهي تُقْنِعُها بوجهةِ نظرها؛ وتتابعُها صَديِقَتُها على رأيها، وتقف مَعها تَعْجَبُ من هذهِ الصُّحبة الغريبة ـ من وجهة نظرهما ـ بين الأُقْحُوَانةِ المُتَلألئةِ بالَّلونين الأصفر والأبيض، والحَوْذَانَةِ الزاهية بالَّلونينِ الأسود والأحْمَر... سكتت الزهرة البرية وصديقتها مدّةً يسيرةً، ثم قالت الصَّديقةُ: لكنْ! ألا تَرَيْنَ أنهما جَميلَتان، وتكمّل إحداهما الأُخرى؟ كانَ الأُقْحُوانُ والحَوْذانُ قد أخذا حظّاً كبيراً من النُّمُوِّ والاكتمال، ومن الانتشار في الأماكن المُعْشِبِةِ المُزْهِرَةِ على امتدادِ السُّهولِ، والسُّفوح، والوديان، والحقولِ القريبة من العمران... وبَدَت أزْهَارُ الأُقحوان مشرقةً بألوانها الصُّفرِ والبيضِ على جسدٍ أخْضَر هادئِ الاخضرار... وكانت أزهارُ الحَوْذانِ مَمْدُودة السُّوقِ ممشوقةِ القوام تزهر بتاجها الأَحْمَر القاني الذي يراهُ الرّائي من مكانٍ بعيد، فَيَشُدّ انتباهَهُ، ويجذِبُهُ إليه... وظهر لكلّ زهرةٍ ونبتةٍ وشجرةٍ صُحْبَةُ أكيدةٌ بين الأُقحوان والحَوْذانِ، مستمرّةٌ على أحسنِ حالٍ من الصفاء والوفاء... والصديقُ الحقُّ لا تغيّره الأيّامُ، ولا يَشْغَلُه صديقٌ جديدٌ عن صديق قديم، ولا تُلْهِيهِ ظروفٌ عابرةٌ عن ذكرياتٍ أصيلة... في يومٍ من أيّام الرَّبيعِ هذهِ خَرج الأميرُ النُّعْمانُ في رحلة صَيْدٍ بريّة... وكان معهُ أفرادٌ من الحاشيةِ والحَرسِ والمرافقينَ ومُدَرّبي الصُّقورِ وكلابِ الصَّيد... اختَرَقَ الأميرُ وموكِبُهُ شَوارعَ المدينة، وخَرَجُوا إلى طرقاتِ البرِّ بين الحُقولِ المُعشبةِ، ودخَلُوا في سُهولِ الباديةِ المشرقةِ بما فيها من خُضرةٍ ونُضرةٍ ونباتاتٍ وزُهور... أشار الأميرُ بيدهِ إلى المُرافقِ المُشْرِفِ على الرِّحلة، فتوقّفَ الرّكْبُ. تَرَجَّلَ الأميرُ ونزَل كلُّ مَنْ كانَ مَعَهُ عَن دوابّهم. مَدَّ الأميرُ بَصرَهُ وسَرَّحَهُ في الأرضِ المُعشِبَةِ المُزْهِرَةِ فَراقَهُ المنظرُ، وأعْجِبِهُ جداً، ولفتَ نظره من بَينها أزْهارُ الحَوْذانِ التي كانتْ تَصْبِغُ الحُقُولَ بلونها الأحْمَر العَجيب. ورفَع يَدَهُ عالياً وقال لقائدِ الحرس: أذيعُوا في النّاس: قريبهم، وبعيدهم أنني حَمَيْتُ الأرضَ التي تنبت فيها هذه الزهرة الحمراء... هذه الأرض كُلّها... قال رئيس الحرس: أمْرُ سيّدي نافِذٌ... قبل عودةِ الأمير النُّعمان من رِحْلَةِ الصَّيدِ كان قَدْ نفَذ الأمْرُ العالي بحماية الأرضِ الواسعةِ التي رآها، وانتشر فيها نباتُ الحَوْذان الذي كَثُرَ في شقائق تلكَ الرّمال الخِصْبَةِ... وهي مَنابِتُ طيّبةٌ يَنْمُو فيها النباتُ ويَقْوَى، ويَزْهُو زهواً كبيراً... وانتقل أمرُ النعمان من أرضٍ إلى أرضٍ، ومن بلَدٍ إلى بَلدٍ. وعلم بهِ القاصي والدّاني... وصار كلّ من رأى الحوذانَ قال: شقائق النّعمان... شقائق النّعمان... ومع مرور الأيّام تلاشى اسمُ الحَوْذان وصار نسياً مَنْسِيّاًَ، وغلب عليه اللقب الجديد شقائق النُّعمان وصار اسماً له.... وطارت شهرةُ شقائق النُّعمان، فهي زهرةٌ ذات خَصائص عالية وخِصَال جميلة، وكانت حماية النعمان لأرْضها سبباً آخر مهمّاً في إشاعة شهرتها وذُيوعها... مَرّت فراشةٌ على الأُقْحُوان، وكانت صديقةً له، فوجدتْهُ كئيباً حَزيناً... ولم تَلْبَثْ أنْ عَرَفَتْ قصة الحاجزِ الذي ضَرَبَهُ الحرّاس، والقائمونَ على تنفيذِ رغبة النّعمان الأمير في حماية أرْض الحَوْذان الذي صار اسمهُ شقائق النّعمان... وأشفقت الفَرَاشَةُ على الأقحوان؛ وحزنتْ للصَّداقةِ التي حَجَزتْ دُونَها الحَواجِز... وأدْرَكها شيءٌ من الأسى على حالِ الصّديقين... وعزمتْ على أن تجدَ حَلاًّ يؤدّي إلى لقائهما ولو بَعْدَ حين... كانت الفراشة الوفيّةُ صَدِيقَةَ الرِّيح... فحدَّثَتْهُ بما يعاني منه الصَّديقان: الأُقحوان وشقائق النُّعمان، واستجابَتْ لرجائها وقالت لها: سأَحْمِلُ في فصل الخريف من بذور الأُقحوان وأُلقي بها في أراضي الشقائق... وأحمل من بذور شقائق النعمان إلى أراضي الأُقحوان... ووَفَتْ الريح بوعدها للفراشة، وحملت البذور من كل جهة إلى الجهةِ الأُخْرى... نامت البذور في الأرض ارتقاباً لمجيء الشتاءِ والرَّبيع... ومَرّ عام وجاء عام... ورَوّى الشتاءُ الأرضَ وسقى البذورَ... وجاء الربيعُ بدفئه فنبَّه تلك البذورَ الغافية... ولما تنبّهتْ بَرَزتْ للشمس والهواء، وما لبثت أنْ طالتْ وأزْهَرَتْ.. أمّا الزهورُ والورودُ والزنابق وسائر الأنوار والأزهار فلاحظت تلاقي الصديقين القديمين: الأقحوان وشقائق النعمان... في تناسق وتناغم وانسجام... وحامت الفراشة وأَخواتها حولهما... وجاءت الرّيحُ خفيفة عليلةً فطافت بهما حتى تمايَلا... مزهوّين كما كانا من قَبْلُ متأنِّقَيْنِ في السُّهول والحقول والهضاب وأطراف الوديان.... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |