سر الحياة ـــ نجاة حالو

قصص للفتيان ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ســـر الحياة

"هل للعالم معنى يتجاوز حدود فهمي وأنا لاأعرف هذا المعنى؟"‏

(الأديب العالمي ألبير كامو)‏

"إن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم شيئاً‏

هناك شيئ ما في جوهر كل شيء لانستطيع أن نسميه التعلم‏

ليس هناك إلا المعرفة‏

وهي في كل مكان.."‏

(الكاتب الألماني هرمان هسة)‏

أصبح النوم المطلب الأكثر إلحاحاً لندى.. تطلبه فلا تجده..‏

وكلَّما ازدادت حاجتها إليه.. ازداد هرباً منها.. حتى أضحت خيالاً ضامراً. وبدأ توتر والدتها يتدرج إلى خوف حقيقي وهي تراقب انهيار صحة ابنتها وإصرارها على محاربة الطعام الذي بات همَّاً يومياً.‏

كانت تدرك بقلب الأم أن هذه الحالة التي وصلت إليها ابنتها لم تعد تحتمل السكوت.. إنها تقدر حزنها على جدتها التي انتقلت إلى الدار الآخرة منذ أكثر من شهر.. لكنها ترى أنه زاد عن الحد فقد حسبت في بادئ الأمر أن حزن ندى حالة عارضة.. تزول تلقائياً مع الأيام.. فكل هذا العمر الذي عاشته خلصت منه بحكمة جدتها هي الأخرى "الزمن كفيل بكل المشاعر" لكن ما بالها الأيام تطوي بعضها بعضاً وحزن ابنتها لا ينقص..؟؟.. وكأنه طفل غالٍ تحرص ندى على تنشئته وتكبيره.. القلق أصبح زاد الأم..‏

والحيرة عنوانها.. ماذا تفعل..؟؟ كيف يمكن أن تخرج ابنتها من اعتصامها.. ومن كآبتها.. قبل أن تصل إلى الانهيار العصبي..؟؟.‏

ما قالته لرياض ابنها الأصغر لم يجدِ نفعاً معها.. لقد اقتنع الصغير بأن جدته في رحلة إلى السماء.. وسنلتقي جميعاً بها بعد أن ننهي أعمالنا.. فكل ما تقوله الأم للصغير يصدقه باستسلام.. وليس الأمر بهذه السهولة بالنسبة لندى..‏

قالت لها يوماً.. يا بنتي الموت خاتمة الأشياء كلها.. ونحن نؤمن بعقيدتنا أن البعث حقيقة.. وأننا سنلتقي بمن نحب في السماء.. إن اجتزنا امتحان الحياة بنجاح..‏

لكن ندى استمرت تحدق بعينيها.. صامتة.. وبلا حركة.. ليس في عينيها سوى تلك النظرة التي تدل على الذهول والبلاهة.. حالها منذ اليوم الأول الذي رافقت فيه جدتها إلى مثواها الأخير..‏

حاول الأهل يومها تجنيبها هذا الموقف.. لكن أحداً لم ينجح حتى أنها انزلقت من بين الجميع ووقفت على مقربة من الحفرة تراقب الجدة وهي ترقد فيها.. وتراقب أباها الباكي وهو يهيل التراب عليها.. ورجال العائلة وهم يسوون سطح القبر ويغلقونه..‏

كل هذا نجحت برؤيته بصمت ثقيل.. وبعينين محروقة جافة.. لكنها لم تنجح في إسكات صوت عقلها.. الصارخ.. الرافض..‏

كان السؤال قد مات على شفتيها.. حتى حسب الجميع أنّها لاذت بالوعي واستكانت لمنطق الحياة.. لكن الحقيقة كانت شيئاً آخر..‏

فما إن وصلت إلى فراشها.. حتى غدا شوكاً يخزها.. لم تغسل الدموع عينيها كما غسلت أحزان أفراد الأسرة..!‍!‏

حاولت أن تجيب نفسها عن الأسئلة المحيرة التي أخذ عقلها يطلقها.. كانت أسئلة تتجاوز حدود عمرها.. ومعرفتها..‏

أخذت صورة الجدة الضاحكة دوماً.. والصامتة وهي في حفرتها تتداخلان في رأسها تداخلاً مضطرباً..‏

تارة تراها وهي تقف حاجزاً بينها وبين والديها لتحميها من عقاب مفروض وتارة تراها جثة هامدة ممددة في حفرة رطبة. التراب أرضها وجدرانها وسماؤها.. فتثقلها الحيرة.. وترهقها المقارنة بشكل هستيري.. خطر لها أن تتسلل خلسة وتأخذ معها مصباح بطارية تضعه في قبر الجدة لأنها تكره العتمة بشكل رهيب.. لكنها قدرت أن المصباح لن يعمل في هذه الحفرة الرطبة الخانقة..‏

خطر لها أن تذهب إلى حفار القبور وتطلب منه فتح نافذة صغيرة أسفل القبر.. حتى تبقى جدتها على اتصال مع العالم الخارجي فالجدة تحب الناس وتكره العزلة.. لكنها خشيت أن يطردها وينعتها بالجنون. يا الله.. كيف ستستطيع هذه الكائنة الوديعة.. الضاجة بالحياة أن تستكين لظلمة القبر ووحشة الوحدة..‏

عقلها الصغير.. لا يستطيع الإجابة عن سؤال كبير كهذا..!! يدرك الأبوان أن الصراع في رأس ابنتهما قد يقودها إلى الهاوية..‏

ويحاران فيما يفعلانه.. إنها لا تستجيب لأي مؤثر.. مهما كان قوياً.. استعانا بالأهل.. استعانا بالأصدقاء.. قال الطبيب: "إنها على وشك الانهيار.. حاولا إخراجها من عزلتها بأيَ ثمن".‏

كانا يفتعلان نقاشات حامية فيما بينهما على مسمع منها كلها تدور حول فكرة الحياة والموت.. والهدف من حياة الإنسان..‏

والحقيقة إنهما وكأي إنسان آخر.. كانا يجهلان الكثير.. حتى أن الصمت والنظرات المتسائلة كانا ينهيان أغلب نقاشاتهما.. استعانا بضرب الأمثلة.. عن الأشجار.. والطيور.. والحيوانات.. وكل هذا لم يحرك ساكناً بابنتهما.‏

وردت إلى ذهن الأم بعض الآيات القرآنية.. فردّدتها يوماً بصوت عالٍ وهي تريد لندى أن تسمع:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور"..‏

(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون..(.‏

وقبل أن تبدأ حوارها مع الأب حول الآيات الكريمة ارتفع صوت ندى.. نادباً: خلقنا للعبادة أم للدود يأكلنا ولوحشة الوحدة تفتتنا؟ وقبل أن ينبري أحد للإجابة أخذت تردد بهستيريا واضحة من طلب منه.. من أراد..؟ لماذا؟ لماذَا؟..‏

اندفعت الأم نحوها تريد تهدئتها.. لكن الأب أشار لها بيده لتتوقف. لجمت خوفها واضطرابها.. وأخذت تراقب ابنتها على حين قال الأب: دعيها تفرغ شحنة حزنها بثورة الغضب هذه فقد ترتاح بعدها.. وتعود إلى حالتها الطبيعية..‏

لكن بدلاً من الهدوء الذي يلي العاصفة.. كان ما حدث شيئاً آخر أخذت ندى تضرب صدرها بكلتا يديها وتترنح برأسها وهي تقول: لا أريد الموت.. لا أريد أن أدفن في حفرة متطاولة صغيرة.. لا أريد أن يأكلني الدود.. الحياة ظالمة.. أنتم قساة.. هذا الأمر شنيع.. لا أريد.. لا أريده.. اقترب الأب منها بهدوء.. وشدها إلى صدره وقد بدأت قوتها تتلاشى.. وهي أقرب إلى الوقوع أرضاً.‏

قال: وهو يغرس بصره بعينيها.. هذا رائع يا ابنتي.. رفضك للموت يعني أنك تريدين الحياة.. ومن يريد الحياة يجب أن يأكل ويشرب ويحياها.. سحبت جسدها الضئيل بتمرد..‏

قالت صارخة: لا.. لا أريد الحياة.. حاول الأب الاستنجاد بالأم التي جمعت نفسها وقالت: لا مجال للهرب من الاثنين معاً.. الحياة والموت ضدان لا يجتمعا عليك باختيار أحدهما..‏

باستسلام ضعيف قالت: أكره الموت.. أكرهه.. لا أريده. مسحت الأم رأس ابنتها بحنان بالغ.. قالت وهي تضم وجهها بكلتا يديها.. حسناً يا صغيرتي.. الأحياء جميعاً يكرهون الموت ويريدون الحياة لذلك ترينهم يعملون على أن يحيوها.. يأكلون.. يشربون.. يتزاورون... يتزاوجون.. كل ما يفعله الكائن الحي هو نتيجة حبه للحياة وكرهه للموت.‏

تابع الأب وقد بدأ يشعر أن ابنته تعود إلى طبيعتها شيئاً فشيئاً يا بنتي يجب أن تعلمي أن الموت هو ابن الحياة كما هي ابنته..‏

لولا الموت لما كانت الحياة نظرت إليه بحيرة.. لاقتها حيرة الأم.. سألت: كيف..؟‏

بدا للأبوين أن أي شرح قد يزيد الأمر سوءاً وأن الأب تورط بجملة لا يعرفان كيف يفسرانها..‏

إنهما بهذا العمر.. ولا زالت الحياة لهما لغزاً يصعب تفسيره..‏

قفزت إلى ذهن الأب فكرة حلوة.. قال بحماسة: ما رأيك برحلة قريبة.. أريك فيها كيف تنبثق الحياة من الموت؟ تلقى نظرات الأم المتسائلة.. فابتسم وهو يتابع.. في مزرعة عمي حيث تتوافر أشجار التوت الرائعة.. تقوم بعض النسوة بتربية دود القز. سترين على أرض الواقع.. دليل ما قلت.‏

في الصباح.. حمل الأبوان ندى.. وأدخلاها السيارة رغم ممانعتها. كان الأوان.. أواخر فصل الربيع.. والهواء لا زال رطباً.. عليلاً في المزرعة التي لا يجهل صاحبها حالة ندى صحبها إلى حيث يجلس رجل مسنّ أمام وعاء كبير فيه ماء يغلي فوق موقد مشتعل.. وبيده عصا خشنة.. يحرك بها الماء. في الماء المغلي كانت شرانق دودة القز تتعلق خيوطاً ناعمة على العصا الخشبية.. نظرت ندى بصمت حزين.. وانبرى العم للشرح.. إنك لا تجهلين شكل دودة القز يا ندى.. أجابت بصوت ضعيف: رأيتها أكثر من مرة.. فوق شجرة التوت. قال بحماسة: وأنت تعرفين أيضاً أنها بعد عشرين يوماً من ولادتها تبدأ تصنع الشرنقة حول نفسها قالت: أذكر مرة أني شاهدت العاملات يحملن أوراق التوت ويقطعنها قطعاً صغيرة لتكون طعاماً لها..‏

قال: رائع أنت طالبة لا تنسي شيئاً.. إننا نربي دودة القز بأعداد كبيرة في غرف خشبية صغيرة ونضع لها طعامها المكون من ورق التوت حصراً.. حتى تكبر وتبدأ تصنع الشرنقة.. عندها نكف عن إطعامها ونبدأ ننتظر.‏

وما إن تنهي الدودة سجن نفسها في شرنقتها.. حتى نُسرع إلى استخلاص خيوط الحرير بالطريقة التي ترينها أمام عينيك الآن..‏

نظرت ندى بتساؤل.. وما دخل انبثاق الحياة من الموت في هذا يا أبي.‏

قال الأب: تعرفين الآن أن دودة القز رغم حبها للحياة ونهمها للأكل هي من تصنع كفنها بنفسها..‏

لا شك في أنك تعلمين أيضاً أن الإسراع في إلقائها بالماء الساخن هو سبقاً للزمن حتى لا تثقب شرنقتها وتصبح فراشة تطير..‏

إن كفنها.. أو قبرها بالأحرى ما هو إلا فترة قصيرة يتم تحويلها في داخله.. من دودة بطيئة الحركة لا عمل لها سوى أكل أوراق التوت بنهم إلى فراشة طائرة تحلق في الفضاء الرحب.. وبعد أن كان مسكنها طاقة خشبية صغيرة أو على أحسن الأحوال شجرة توت ملتصقة عليها.. أصبح فضاءً لا تحده حدود..‏

أترين كم هي ذكية هذه الدودة التي تحيك قبرها لتنبعث منه نحو الضوء والحرية المطلقة هكذا هي الروح المسجونة في جسد.. إن عملت صالحاً..‏

صرخت ندى: لكنكم تخنقونها بالماء.. قبل أن تتحرر.. لتصنعوا منها خيوطاً تافهة..‏

تدخل العم: الحرير ليس خيوطاً تافهة يا ابنتي.. إنه من أغلى أنواع الخيوط على الإطلاق.‏

رددت بحزن.. أعلم.. أعلم.. أن الإنسان كائن جشع.. يتطفل على حياة الكائنات لمصلحته..‏

ضحك العم بصوت مرتفع: ما ترينه أنت تطفلاً وجشعاً يا صغيرتي نراه نحن وسيلة لكسب العيش حتى تستمر حياتنا التي نحرص عليها "بكرامة" وهذا مطلب مشروع للإنسان على ما أعتقد أم أني مخطئ؟؟ لم تجب.. أخذت الأفكار تتزاحم برأسها وهي تحاول تجميع الصور المتناقضة: غرفة جدتها –التي كانت أكبر غرفة في المنزل- مع هذا كانت تردد: افتحوا الأبواب والنوافذ.. لا تدعونا نختنق. القبر العاتم الذي يحوي جثتها.. دودة القز الزاحفة على ورقة توت.. النعش الذي تحيكه لتنطلق منه فراشة نحو النور..‏

جدتها وهي تثقب القبر وتنطلق فراشة هي الأخرى.. الإنسان المتطفل الذي يقتل مشروع الفراشة ليحصل على خيوط يحيك بها ثياباً.. هذا القاتل.. هو نفسه من يبحث عن وسيلة للعيش تضمن استمرار حياته وحياة أسرته..‏

تُرى لو أدركت هذه الدودة أنها ستصبح خيوطاً وقماشاً هل كانت دخلت قبرها طواعية..؟؟‏

من يدري..؟ ربما كانت تدرك وهي تفعل ذلك عن رضى لتصنع من نهاية حياتها شيئاً مفيداً.‏

كما الشجرة التي تعطي طوال حياتها وفي النهاية تصبح أبواباً ونوافذ أو حطباً للتدفئة.. والوقود..‏

إنها النهاية الواحدة لكل ما على الأرض.. لكل دور يجب أن يؤديه مهما تكررت المراحل.. كانت الصور تتضارب وتتصارع في الرأس الصغير مما جعل حاملته تقع مغشياً عليها..‏

لكنها عندما استفاقت كانت تشعر بشيء من الهدوء حتى أنها طلبت بنفسها الطعام..‏

وكان في الطعام الطازج الذي حُضّر في مزرعة العم عسلٌ من صنع نحلة أرادته غذاءً لملكتها.. وبيضاً من دجاجة أرادته أن يكون صوصاً تحتضنه.. وحليباً من غنمة كانت تضن به غذاءً لوليدها.. أكلت ندى راضية.. وبدت أكثر هدوءً واستسلاماً. إنها الحياة التي بدأت تدرك شيئاً من أسرارها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244