سر الحياة ـــ نجاة حالو

قصص للفتيان ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 12:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أجيال.. وتتكرر اللعبة

"لا يسكن المستقبل أبداً بين جدران الماضي"‏

(أمين معلوف)‏

الليل لا يحمل سوى صوت هامس بالكاد يفصح عما يحمل.. إنه حوار أشبه بالبوح أو بعتاب ناعم بين محبيّن.‏

ألصقت أذنها بثقب الباب.. علها تلتقط شيئاً من الحوار دون أن يشعر بها المتهامسان..‏

سمعت تنهيدة من رهف.. تبعتها زفرة معبأة من صلاح حاولت الالتصاق بالباب أكثر.. وبحرص أكبر.‏

إنها امرأة قانون وتعرف عقوبة التنصت القانونية /سجن من شهرين إلى عامين/ ضحكت في سرها.. من لا يتنصت على مَنْ.. في هذا الزمن الأعرج..؟ الدول..؟ الحكومات..؟ الجيران..؟ الأهل..؟‏

والجميع يطالب بحرية الرأي.. وحماية الحرية الشخصية..؟! تتنصت الدول الكبرى على النامية حفاظاً على الأمن القومي.. وكي لا تنهض النامية من نومها وتزاحمها في مسيرتها المسالمة..!!‏

وتتنصت الدول النامية على مواطنيها.. حتى لا تفقد قدرتها على النمو..!‏

ويتنصت الجار على الجار ليشغل فراغاً في داخله.. رغم كثرة الأعمال العقيمة التي يمارسها كلاهما معاً.‏

ويتنصت الأهل على الأولاد خوفاً عليهم ورغبة في حمايتهم. وهي.. عذرها معها فيما لو ضبطها زوجها أو أحد أولادها متلبسة بالجرم.. إنها تريد أن تقوم بدورها كأم عصرية متحضرة أمام أولادها لكنها لا تستطيع أن تخلع عن جلدتها دور أمها في الخوف والقلق على الأولاد. فهمت من الحوار الذي استطاعت التقاط بعض خيوطه إن ولديها يعدان لعمل شيء ما في السر.‏

كانت رهف تقول بهمس: هل أزلت الرسائل الأخيرة من على شاشة الحاسوب والخليوي..‏

سمعت ضحكة صلاح المتخابثة: لا تخافي على أخيكِ المهم أن تخفي أنتِ الديسكات التي اشتريتها..!‏

بغرور قالت رهف: يعتقدون أننا لا نعرف أنهم يتنصتون علينا وأنهم يدخلون على كل البرامج التي نشاهدها أو ندخل عليها‏

صلاح: لا أعرف ما الذي يفيدون منه..؟ لو تركونا على حريتنا لوفروا علينا وعليهم الوقت الضائع في لعبة المطاردة هذه.‏

رهف: يدّعيان العلم والتطور.. مع هذا يريدان أن نكون نسخة عنهما مع أن كل واحد فيهما يلعن حظه أمامنا ألف مرة.. ترتفع ضحكات الاثنين.‏

صلاح: اخفضي صوتك فالحارس الليلي في دماغ أمك لا ينام بسهولة..‏

رهف بهمس أكثر: هل أعدت مفاتيح أبيك إلى مكانها..‏

صلاح: يعتقدان أنهما الأذكى.. يتصور أنه بإخفاء المفاتيح يفوّت عليّ فرصة قيادة السيارة..!!‏

سمعت الأم صوت طقطقة المفاتيح..‏

ورنة الفرح في صوت رهف: متى نسختها..؟‏

صلاح: اليوم أثناء قيلولته..‏

رهف: المهم أن تعيد السيارة بعد المشوار كما كانت على الشعرة.‏

صلاح بزهو: يا جبانة.. إننّا نخرج منذ أكثر من شهر.. ولم يفطن أحد لذلك.‏

رهف بتوتر: أتصور حالة أمك.. والجنّي الذي سيسكنها فيما لو شعرت بخروجنا..‏

صلاح وهو يستعد للخروج: صليّ كي لا يحصل هذا.. المسكينان أحياناً يثيرون شفقتي..‏

شعرت الأم بالدوار..‏

أرادت أن تفتح الباب بسرعة وتضبط ولديها قبل أن يخرجا من البيت ويتعرضا لحادث لا قدّر الله من جرّاء قيادة السيارة ليلاً..‏

توثبتْ كقطة جريحة.. وضعَتْ يدها على قبضة الباب لكنها توقفت فجأة.. سيكون منظرها سخيفاً وهي تعلن عن تنصّتها. انسحبت إلى غرفتها بسرعة..‏

تراجعت عقارب الزمن بها إلى ثلاثين عاماً خلت عندما كانت في عمر ابنتها تقريباً وكانت أختها تكبرها بأعوام ثلاثة.. لم يكن عندهم أيامها فيديو (C D) ولا حاسوب.. ولا خليوي ليكتبوا ويرسلوا ما يريدون ثم يزيلوا ما لا يريدون أن يطلع عليه أحد بذكاء عصري..‏

على الرغم من أنهم كانوا من وسط مثقف ومن المحظوظين في وسطهم، فقد كانت كل مقتنياتهم الترفيهية.. التكميلية تقتصر على مسجلة كاسيت وهاتف أرضي وتلفاز يبث محطة أرضية واحدة وتنهي بثها في الواحدة مساءً.. مع هذا كان أبوها يصرُّ على إرسالهم إلى غرف نومهم في التاسعة والنصف كل ليلة حتى في سهرة نهاية الأسبوع.. ومع كل الحيطة التي يتخذها.. كانت وأختها تنسلان على رؤوس أصابعهما وتعيدان فتح التلفاز بعد نوم الأبوين لمتابعة فيلم السهرة العربيّ..‏

تذكرت.. كيف وفرت من مصروفها ثمن الموزع الكهربائي الذي كان أبوها يأخذه معه قبل النوم.‏

وكيف دخلت راقصة لتهمس لأختها: يعتقدان أنهما الأذكى..!! والهاتف.. ضحكت بعمق.. كم لعبتا معاً لعبة نزع الموصل من غرفة الوالدين..‏

انتزعها من ماضيها.. صوت محرك السيارة.. نظرت إلى الساعة. الواحدة مساءً.. ابتهلت إلى الله بقلق لم تستطع السيطرة عليه (لطفك.. يا رب.. من مفاجآت القدر).‏

وأخذت أعماقها تردد قولاً لجبران على لسان النبي:‏

((أنتم الأقواس.. وأولادكم سهام حيّة.. قد رمت بها الحياة عن أقواسكم)).‏

تذكرت والدتها.. التي تمنت يوماً أن لا يبتعد السهم كثيراً عن قوسها، لكن مشيئة الحياة أرادت أن تتزوج في بلد غير البلد وتنجب وتنشغل بعملها وأولادها.. حتى عن أمها..‏

وبعد أعوام مئة.. كان الضجيج يغلِّف الليل.. لم يعد هناك سكون ولا هدوء.‏

وسط الضجيج التقطت (ر 5) واسمها الحركي رهف. شيفرة رسالة من ابنتها (ر 6) [ري ستة] وهي على صحنها الطائر في نزهة مسائية إلى القمر موجهة إلى صديقها (ص 7) [صاد سبعة] على متن مكوكه الطائر في رحلة حول مجموعة الدب الأكبر.. تنصتت (ر 5) لمعرفة ما يدور في رأس ابنتها: من (ر 6) إلى (ص 7).‏

أمي حاجز بيني وبين ذاتي الطليقة.. تريد أن تكون حياتي صدى لحياتها القديمة.. الرثة.. تصور أنها تخاف عليَّ.. حتى وأنا بين النجوم..‏

وكان الجواب الملتقط من (ص 7): لا تبتئسي.. تمتعي بوقتك لست أفضل حالاً.. أنا أعد الأيام لأبلغ الثالثة عشرة وأتحرر من قيد المتخلّفَيْن اللذين أنجباني..‏

شعرت [ر 5] بالغثيان.. أرادت أن ترسل فاكس طائر لابنتها.. أن تقول لها: حبنا لا عجزنا وتخلفنا هو سبب خوفنا وقلقنا عليكم.‏

أرادت أن تقول.. اهبطي فوراً.. فأنا خائفة لأني أحبك لكنها لم تفعل.. فأمها من قبلها لم تفعل.. وجدتها لم تفعل.. ومن ألف.. ألف مائة جدة إلى الوراء.. لم تفعل.‏

الحب لا ينتقل بالكلام.. ولعبة المطاردة والقلق. تتكرر على الدوام المهم أن يبقى حنين السهم المنطلق إلى القوس الأصل راسخاً لأن حب القوس للسهم لا شك فيه.. فهو بالرغم من يقينه أنه سينطلق بعيداً لا يستطيع إلا أن يلقنه كل الحب ويخاف عليه من عدم بلوغه الهدف.‏

28/7/2003‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244