سر الحياة ـــ نجاة حالو

قصص للفتيان ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 12:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عرس الأرض

"الإنسان للإنسان ذئب‏

والذئب لا يأكل الإنسان إلا لو كان جوعاناً...‏

أما الإنسان فيأكل الإنسان ولو كان شبعاناً"‏

((ألبير كامو))‏

الكآبة تجثم على صدرها.. حملاً لا يوازيه ثقل الجبال..‏

ممنوع التجول.. قرار حكم عليهم به آلاف المرات السابقة.. سخرت أعماقها.. ممنوع التجول للمواطنين العزّل وللأجساد الهزيلة.. مسموح للدبابات المدججة بالحقد والأطماع والأحلام التوراتية..!‏

أدخلت فراخها الستة إلى المنزل.. وضمتهم بعاطفتها المستنزفة، ألقت على أجسادهم المرتجفة غطاءً خفيفاً.. خمنت أنه سيقيهم من القشعريرة التي أصابتهم.. مع أنها تعرف أنها قشعريرة الخوف والغضب.. ولا تشبه قشعريرة البرد في شيء..!!‏

وضعت يدها على مفتاح الضوء.. الحمد لله لم يقطعوا الكهرباء هذه المرة، سيقوم التلفاز بتسلية الصغار زمن الحصار بدلاً عنها.. إنها غير قادرة على الكلام.. الأحداث المتعاقبة.. المتشابهة.. سرقت منها قدرتها على فتح فمها اليابس.‏

فتحت عينيها بدهشة.. بصقت بقرف.. اللعنة.. ألف لعنة.. وحوش متأنسنه كذباً وافتراءً..‏

لقد دخلوا في بث المحطة الأوغاد.. يريدون إفساد عقول الناشئة.. أغلقت التلفاز وبصقت ثانية وهي تراقب اتساع عيون الأطفال والدهشة التي اعترتهم..‏

بث أفلام إباحية رخيصة (من على بكرة الصبح! يا فتاح يا عليم..) لمن تشتكي..؟ لمن توصل صرختها المكتومة..؟‏

الحصار يحيط بالجميع حتى ضمن المنازل.. أبناء اللعنة لا يتركون وسيلة مقززة إلا ويتبعونها..‏

هل سترحل.. مثل الكثيرات لتبحث عن بقعة على هذه الأرض لا يحوطها هواء فاسد..؟‏

لقد تمسّك جدها بالأرض منذ يوم النكسة.. ودفع الثمن.. وتمسّك أبوها.. ودفع الثمن.. وتلاه إخوتها الأربعة.. شبّاناً في عمر الورد تابعوا مسلسل تضحية الدم.. وعرس الأرض الذي لم يبدأ بعد.‏

نظرت إلى الأرض تحتها.. رأتها مغارة كبيرة مفتوحة الفم تصرخ.. هل من مزيد..؟‏

نظرت حولها.. كان هناك ثمة أشجار زيتون أكلت لحم يديها وعرقها في الغرس والعناية بها..‏

تقطع بعضها.. واحترق الآخر.. والأرض تحتها لا تكف عن الطلب. سألتها بدموع مكابرة.. ترفض البوح: أما شبعت بعد..؟‏

جدي.. أبي.. أشقائي.. وزوجي الآن.. أين هو؟.. إنه في الطريق الطويل.. المرسوم للشرفاء..‏

أسندت رأسها إلى الحائط الذي حمل بصمات الزوج والأشقاء والأطفال الستة.. أغمضت عينيها على دمعة محروقة.. إنه زمن العهر.. العالم كله أصم.. لا يسمع صوت الظلم وصرخة القهر.. في هذه البلاد المقدسة التي يدّعي كل صاحب دين أنها ملكه وحده..‏

نظرت إلى السماء بخشوع وقهر.. يا رب القدس.. يا حاميها.. ألم يحن الوقت لتضع حداً لكل هذه الصراعات..؟ ألم يحن الوقت لتكن كلمتك هي الفصل.‏

في عام الفيل.. قلت كلمتك.. وثبّتَ حق العرب بالكعبة.. حرستها.. أليست القدس قدسك أيضاً؟ أليست بيتك المقدس..؟‏

استغفرت الله العظيم.. ليس هذا زمن المعجزات؟: "لا يُغيِّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".‏

ما الذي يمكن أن تغيره بنفسها.. ولم تغيره..؟!‏

تعرف يقيناً.. أن المرض ليس بالأشخاص.. ليس فيها.. تعرف قصة القوى العظمى.. وقصة الأحلام الطمّاعة.. وتعرف أكثر قصة مسلسل الخيانة من ضعاف النفوس الذي يغتال مسلسل التضحيات، لكنها كغيرها من الشرفاء متأكدة من أنه لا بد للحياة الكريمة من ثمن تدفعه مع غيرها من سكان هذه الأرض الثكلى.. صرخت جارتها توقظها من أفكارها المتزاحمة:‏

(جاكِ الشرف من جديد يا أم أحمد.. ركع على عتبتك تاني يا مرت الشهيد)‏

شهقت.. ثم زغردت.. كل البيوت الفلسطينية أضحت تودع أحبتها بالزغاريد.. عندما تكون الحياة مذلة.. والموت ضياءً وشرفاً.. تختلف طرائق التعبير في الحزن والفرح.. عندما يكون الموت أغلى من الحياة.. تزغرد الحناجر وتدمع العيون.. على الرغم من قرار منع التجول.. امتلأ بيتها بالأحياء.. بعضهم يبكي.. بعضهم يشتم.. بعضهم يتوعد.. الخوف يطوّق عيون الأطفال والتحدي يرسم لوحات تشفٍّ قادم على مُحيّاهم.. والنساء.. تقطع كل هذا بالزغاريد.. الطريق طويل.. طويل.. والنهاية غير محددة بعد..‏

ودّع الجميع الشهيد الجديد مع ثلة من رفاقه.. (وهم يعرفون أنهم ليسوا آخراً) بعرس يليق بدمائهم التي سارت في أخدود المقاومة لتتجمع يوماً وتنفجر بئر بركان منتقم.. يغسل عار الأمة ويغيظ عدوها الحالم.. عادت أم أحمد لتسند الحائط الحزين الذي فقد بصمة جديدة من ذكرياته.. الوضع الطبيعي أن يشغلها التفكير بأطفالها وتأمين لقمة عيشهم.. لكن مَنْ قال.. إنه في أي بقعة من فلسطين.. كان الوضع قريباً من الطبيعي.. من يوم أعلن بلفور وعده الحاقد..‏

هل تفكر بصغارها.. هل تفكر بشريك دمعتها وقلقها الذي رحل وخلّف صيصاناً بحاجة إلى مَنْ "يزّقهم".‏

التفَّ الأطفال حولها مواسين.. شعرت أنهم ما عادوا صغاراً..‏

شعرت بهم رجالاً أشداء..‏

يكبر الطفل في فلسطين بسرعة.. يحرق سنوات العمر بطريقة لا يصدقها أحد من سكان المعمورة كلها..‏

اقترب أحمد الذي لم يبلغ الحلم بعد.. قال: أين كوفية أبي يا أم الشهيد؟‏

صعقت.. صرخت: لا تقلها يا ولدي.. أنت ما زلت صغيراً..‏

ردَّ بثقة: في فلسطين لا تلد الأمهات صغاراً.. إنهم يولدون رجالاً.. لذا يرهبهم عدوهم.. حتى وهم أجنة في الأرحام فيبقرها.. ما دمنا يا زوجة الشهيد وابنته وأخته نتنفس هواء الرجال المثقّل برائحة دمائهم فنحن رجال مثلهم..‏

-صدقتَ يا بضعة من الكبد الجريح.. لكن دورك لم يحن بعد..‏

-ليس في بلد مستباح تسلسل للأدوار يا أمي.. أنت قلتها أكثر من مرة.. الطريق طويل.. والخيار مفتوح.. وأنا ابن حرة ومن ظهر أبي، رضعت الكرامة ورفض الذل مع حليبك المقهور. خياري واضح يا أم الشهيد..‏

-لست أقل من أي أم مثلومة في هذه الأرض يا ولدي لكني أخشى على قطع العجين هذه بعدك يا وريث أبيك..‏

-أخوتي في كنف الله.. أنسيت الخنساء التي دفعت بأولادها جميعاً إلى الاستشهاد..؟‏

يا ولدي كل يوم تكشف هذه الأرض على ألف خولة وألف خنساء وضمير العالم كله يهجع في عُهر المادة والسيادة..‏

-لا تبتئسي يا أم أحمد.. ما دام لديك ستة قنابل.. قادرة.. على أن تحرك سكون الضمير.. وترمي القذى في عيون العالم النائم.‏

تدثرت أم أحمد بإيمانها.. بحبها لهذه الأرض التي كانت تراها مغارة فاغرة الفم لا تشبع..‏

سألتها بتحد وهي تنظر إلى موقع قدميها: هل ستكفيك سبعة قنابل قادمة؟‏

نظر أحمد إليها.. هل نسيت أمه العد..؟ هو وأخوته ستة..‏

قالت: وهي تمسح شعره بيدها.. أمك ليست جاهلة بالحساب يا ولد أنتم ستة وأنا السابعة.. ولنرَ إن كانت هذه الأرض ستستصرخ الجبناء والحاقدين والخونة.. ألا كفى..!!‏

منذ بدء الكون يا ولدي.. منذ الأزل والطرق متنوعة.. والخيارات مفتوحة ونحن في أم البلاد.. اخترنا طريق المقاومة حتى النصر أو الاستشهاد.. ستضم هذه الأرض يوماً كل مَنْ عليها.. لكنها حتماً ستنحني بإجلال للشرفاء المجاهدين.. وستكون ناراً حارقة على الآخرين، أنا واثقة من هذا.. رصّعت أم أحمد جبين ولدها الفتي بقبلة الوداع وهي تسلمه كوفية وعقال أبيه وتقول: سلم على السابقين..‏

انسحب بهدوء وهو يتمتم.. انتظر القادمين..‏

فالأرض عروس وتحتاج يوم زفتها في عرس النصر الملايين للمشاركة.‏

10/9/2003‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244