|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 12:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الحاكم العادل "في الواقع كل الألوان رمادية متفائل من يرى الأبيض ناصعاً ومتشائم من يرى الأسود قاتماً" (نجاة) في الدراسة التي أجرتها إحدى المدارس الإعدادية عن مهنة المستقبل لطلابها.. كانت النتيجة: 60% طبيب لأخفف آلام الناس /المهنة الرائجة اقتصادياً/ 20% أستاذ مثل مدرّسي فلان لأنه قدوتي ومثلي الأعلى /؟!!/ 10% مهندس، وتعددت الاختصاصات /الكل في النهاية موظف دولة/. 9% صيدلي /تاجر يحمل شهادة، عصفوران بحجر/. واحد فقط قال: أريد أن أكون حاكماً عادلاً.. توقفت لجنة الدراسة عند هذا الواحد!! بعضهم توقع أنه ابن مسؤول كبير.. وبعضهم الآخر توقع أنه ابن جامع أموال.. أو غاسل أموال.. أو مهرب رحيم يخفف أعباء الناس النفسية بتهريب ما يمتعهم.. ويريحهم من متاعب العقل. لكن الجميع فوجئ بأن هذا الواحد هو ابن جامع قمامة..! يقوم كل يوم مساءً بتنظيف الشوارع المحيطة بالمدرسة.. وبعد مناقشات طويلة.. ودراسات عديدة حول وضع هذا الطالب ارتأت اللجنة أن تتقصى حاله.. وأحواله بعد أن نسيت الدراسة التي تم تشكيلها لأجلها.. استدعته الإدارة أولاً وانبرت المديرة للسؤال: -لِمَ تُحب أن تكون حاكماً يا ولدي؟ أجاب الطالب وكان اسمه (منسي): أرجوكِ التصحيح يا سيدتي لا أريد أن أكون حاكماً.. أريد أن أكون حاكماً عادلاً.. -باستغراب: وما الفرق (قالت المديرة)؟. منسي: الفرق شاسع يا سيدتي.. أي شخص يمكن أن يكون حاكماً لكن لا أحد سيستطيع أن يكون عادلاً. ارتفعت أصوات اللجنة التي اختلط الأمر عليها وعلت الضحكات المستهزئة. -هل بإمكان أيّ كان أن يكون حاكماً؟ "قال رئيس اللجنة" ردد منسي بثقة ويقين.. أجل.. لِمَ الاستغراب؟ -تدخل عضو في اللجنة: يا ولدي لا يستطيع أن يكون حاكماً إلا منْ كان أبوه حاكماً أو كان شخصاً يمتلك مواصفات استثنائية تمكنه من القيام بانقلاب على الحاكم. ضحك منسي بصفاء وقال بهدوء: كل شخص في هذا الوطن يستطيع امتلاك مواصفات استثنائية...! -اندفعت المديرة تريد أن تكون موجهة كأم حانية: -هذا خطأ يا بني.. المميزون نادرون جداً في العالم.. قال منسي وهو يتفرس الوجوه المحيطة به: أنا لم أقل مميزون يا سيدتي.. قلت مَنْ يمتلكون مواصفات استثنائية. -المديرة: هذه نفس تلك يا بني... زفر منسي وكأنه أستاذ تعب من الشرح: سيدتي المميز هو مَنْ فاق الجميع بعمل فذ.. والمواصفات الاستثنائية كثير من الناس يدعي امتلاكها ويصدقه الآخرون.. أنتِ مثلاً تمتلكينها (نفخت المديرة صدرها زهواً) تابع منسي: لأنك مديرة في مدرسة فيها أساتذة ومعلمات أكفاء أقدم منك وأكبر سناً. (احمرّ وجه المديرة ثم أربد).. تابع منسي: رئيس اللجنة هذا يمتلكها مع أنه أصغر واحد فيها (وقف الرئيس غاضباً).. تابع منسي: أبو أحمد يمتلكها.. مع أن البلدية خصَّت أبي بشوارع عددها ضعف الشوارع التي خصَّت أبو أحمد بها لتنظيفها، ومع أن أبي موظف قبله بعشرين عاماً على الأقل وهو منضبط في عمله أكثر منه بكثير والأمثلة كثيرة.. أتريدين أن أتابع.. كفى (قالت المديرة).. وأرادت إنهاء المقابلة التي وضح فيها تميز الطالب المنسي /ذي الأعوام الخمسة عشر/ وقدرته على محاورة كبار السن واللعب على الألفاظ، لكن رئيس اللجنة أراد أن يتفوق عليه. لذا استمهل وهو يسأل: لِمَ تجزم يا منسي أن لا أحد يستطيع أن يكون عادلاً..؟ أنا مثلاً كمدرس وموجه تربوي كنت ولا أزال عادلاً في وضع الدرجات والنقاط.. ضحك منسي بخبث: لهذا أقول لا أحد عادل.. وقبل أن تصل يد رئيس اللجنة إلى الطاولة لتضربها غضباً تابع منسي: إن الكل يعتقد أنه وحده العادل وأن الدنيا بأكملها ظالمة ولا أحد فيها يفهمه.. انبرى أحد المخبرين المدسوسين كعضو في اللجنة مقاطعاً: هل تعتقد أن حاكمنا غير عادل يا ولد..؟؟. حدق منسيٌّ إليه ملياً قبل أن يجيبه: مَنْ يسأل سؤالاً كهذا هو مَنْ يشكك..؟! أسقط في يد السائل.. واحمرّ خجلاً.. في اليوم التالي كانت الحادثة قد انتقلت بكل تفاصيلها إلى دار الصحافة مما جعل أحد الصحفيين الباحثين عن عمل يسرع إلى منزل منسي لإجراء حوار صفحي، قال الصحفي: مَنْ زرع في نفسك هذا الأمل يا صديقي.. (وكان يأمل في أن يذكر اسماً مثلاً). أجاب منسي: أكوام القمامة التي يجمعها أبي..!! الصحفي (متعجباً).. ماذا؟ كيف؟.. أجاب منسي: أبي يقوم كل يوم بتنظيف قاذورات الناس جميعاً.. يعرف أسرارهم من بقاياهم.. يعرف مَنْ بات جائعاً.. ومَنْ بات متخماً. يعرف في أي البيوت كانت السهرة ماجنةً وأصحابها مسرفين وفي أيها طويت البطون على الكفاف.. يعرف المرتشي.. من المستقيم.. يعرف أن حاكمه /مديره في البلدية سارق ومرتشٍ/.. يعرف المنظم من الفوضوي.. يعرف كل شيء ويعرف معه الصمت، ثم تابع بأسى: لكنه لا يعرف العدل.. إنه في المنزل حاكم متسلط.. غير عادل.. يخص نفسه ببقايا العلب الدسمة.. ويترك لنا الفتات.. أحياناً يخص أمي.. أو أخي الصغير ببعض العطايا.. حسب حاجته ومزاجه ويعتقد أنه عادل.. وأن الآخرين كلهم ظالمون. إنه بالفعل مظلوم.. فالكل ينظر إلى عمله على أنه أسقط الأعمال مع أنه وبحسبة بسيطة.. لولاه وأمثاله لكانت الأمراض قتلت الجميع.. إنه يخدم الآخرين ويخفف آلامهم أكثر من الطبيب والصيدلي.. ما يحتاجه أبي ليكون كاملاً.. العدل.. فقط العدل. لم يعد بإمكان الصحفي طرح سؤال آخر.. فسؤاله الوحيد كان جوابه محاضرة كافية وشاملة.. بعد أيام.. كانت الإذاعة على موعد مع منسي لإجراء لقاء إذاعي مطول.. قال المذيع سائلاً بعد مقدمة طويلة شرح فيها للمستمعين ذكاء منسي وسرعة بديهته... المذيع: يا أخ منسي.. هل تعتقد أن العدل ممكن على الأرض..؟ هرش منسي رأسه بأصابع يده.. وهزه وهو يحاول (تذكر بيت من الشعر قديم.. نسي مؤلفه). والعدل في الأرض يضحك الجن إن سمعوا به ويستصرخ الأموات.. إن نظروا. المذيع: هل تعتقد أنك لو صرت حاكماً..!.. تستطيع أن تقيم العدالة.. ضحك منسي بهدوء وهو يجيب: لو قدر لي أن أكون حاكماً.. لغيرت ميزان دائرة الأرض حولي.. -ماذا ستفعل..؟ منسي: أجعلك أنت بائع بطاطا.. وأجعل رئيس البلدية صبي حلاق وأجعل رئيس لجنة الدراسة التي أوصلتني إلى هنا قارع طبل.. و.. -المذيع "مقاطعاً" وقد اشتد غيظه: كفى و.. وأنهى البرنامج بموسيقى صاخبة. اعتذر بعدها للمستمعين عن متابعة الحوار بعطل فني طارئ.! لم تمضِ أيام.. حتى كان منسي على باب الحاكم مطلوباً للقاء خاص معه.. بعد أن ترك كل ما لديه من أعمال واجتماعات قومية ووطنية لصالح الشعب /كان الله في عونه/ وقرر استقبال منسي.. قال الحاكم وهو يمد يده مصافحاً: -لقد سمعت عنك كثيراً يا ولدي.. -أجاب منسي دون أن يرفع نظره: الحاكم المقتدر يسمع دبيب النملة في مملكته.. -الحاكم: أنت ولد مميز يا منسي.. -منسي: لست مميزاً يا سيدي.. إني فقط صادق. -ابتسم الحاكم بإعجاب: وهذه ميزة كبرى يا ابني. -زفر منسي بقهر مخزون: لكنها لا تعجب أحداً يا سيدي. -همهم الحاكم متقرباً: تعجبني أنا يا ولدي.. ليت شعبي كله على شاكلتك. -منسي: هذا ليس في صالحك يا سيدي.. -الحاكم "ضاحكاً وقد ابتلعها": هل تعتقد أن هناك مَنْ يصلح أكثر مني لقيادة هذا الشعب يا منسي..؟ -منسي بصدق ودون أن يرفع رأسه: أجل يا سيدي. -احمرّ وجه الحاكم.. لكنه تمالك أعصابه وهو يضغط على أسنانه..: مَنْ يا منسي..؟ -رفع منسي وجهه ليلاقي وجه الحاكم الضاغط على شفتيه: الحذاء يا سيدي..! -ضحك الحاكم بجلجلة.. فقد فطن للمزحة /إنه لم يكن إنساناً عادياً أبداً/. -قال وهو يضع يده على كتف منسي بلطف متماشياً معه في مزحته: على الرأس أم في القدم يا منسي..؟ -منسي ببديهة حاضرة أبداً: الحذاء المناسب في القدم.. يقيها من التشوهات وعلى الرأس يا سيدي يصلح تشوهات الدماغ. -فكر الحاكم لحظة ثم سأل وقد وضح إعجابه بمنسي: هل تقبل أن تكون مستشاري يا بني..؟؟ -انتفض منسي..: لا.. لا يا سيدي.. الآن لا.. -الحاكم متعجباً: لِمَ يا منسي؟ -منسي: لأني لن أكون عادلاً بنظر أحد يا سيدي. -الحاكم:. وبنظر نفسك؟ -منسي: أنا مواطن مقهور يا سيدي وكل مقهور يرى العدل كاملاً بإزالة قهره.. ثم إن كل شخص يعتقد نفسه العادل الوحيد على الأرض.. -الحاكم: لنتخيل أنك صرت الحاكم بدلاً مني ما الذي ستفعله أولاً؟. -منسي: أولاً.. أقيل رئيس الحكومة وأعين بدلاً عنه أبي لأنه يعرف مشكلات الناس أكثر منه.. وبالتالي سيرسل أبي كل وزرائك وحاشيتك إلى بيوتهم على أحسن تقدير..! وسيشكل وزارة جديدة كلها من جامعي القمامة لأنهم جميعاً قادرون على القيام بأعمال مفيدة.. وهذا.. على ما أعتقد سيثير نقمة الشعب بأكمله. -الحاكم: ما دمت تعرف أنه سيثير النقمة لِمَ تقوم به..؟ -منسي: إن الشعب بحاجة إلى تغيير جذري.. حتى ينهي موته يا سيدي بحاجة إلى مَنْ يصفعه.. -الحاكم: لكن الجميع لن يفهم الأمر هكذا.. سيعتقدون، أنك لا تهتم إلا لأقربائك ومعارفك. -منسي متفرساً في الوجوه التي حوله.. هل تعتقد أن أحداً يفعل غير هذا يا سيدي..؟ -الحاكم ضاحكاً: لن تكون بهذا حاكماً عادلاً يا منسي.. -نظر منسي إلى القصر الفخم وإلى الجدران الممتلئة إلى الأسقف المثقلة.. نقل بصره إلى وجوه المحيطين بالحاكم، إلى بطونهم المنتفخة.. وعيونهم الناعسة.. وإلى ياقاتهم وثيابهم المنشاة.. تفرس في وجه الحاكم هذه المرة دون أن يزيح عينيه عنه... زفر بحزن مسكون في الأضلع: كان حلماً يا سيدي.. أنا لن أكون حتى حاكماً في يوم منسي كاسمي فأبي ليس بالحاكم.. وأنا لا أملك مواصفات استثنائيه.. يا سيدي! 14/8/2003 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |