المدينة تخرج من أسوارها ـــ ميخائيل عيد

قصص للفتيان والأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 09:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حلـــم مزعـــج

الريح تعول بين الصخور البيض دافعة الضباب في الوادي فيبدو مثل نهر صاخب من السحب يسير من الأسفل إلى الأعلى. السماء ملبدة بغيوم داكنة. يشقها شريط من البرق المتعرج فكأنه صدوع خاطفة تزعزع جبال الغيم، ثم يدوي الرعد هادراً فترتعش الغابة وتخشع. ينهمر المطر غزيراً فتلمع أغصان البلوط والبطم العارية وكأنها حوريات رشيقات يغتسلن ويرتعشن في صخب. أما أشجار السنديان فتقف صامدة بأوراقها الخضر وكأنها تقول للعاصفة: "أنا باقية هنا، وأنت عابرة. سلي هذه الصخور كم رأينا من عواصف وكم واجهنا من رياح. "وتصفق أجفان الغار بأكفها الخضر الصغار مسرورة بأغنيات الريح والمطر.‏

كان الحطاب الفقير قد جمع بعض الأغصان اليابسة ولاذ بأحد الكهوف حين رأى نذر العاصفة. أشعل ناراً، وحين أحس بالطمأنينة راح يفكر: "في الحكايات يجد الكثيرون من الفقراء كنوزاً مدفونة في الكهوف ويصبحون أغنياء. ليتني أجد كنزاً فأصبح غنياً وأرتاح من الجوع والبرد، والعمل الشاق. ليتني أجده اليوم. ولكن كيف سأتصرف لو وجدته؟ سأشتري بيتاً كبيراً قبل أن أقوم بأي عمل آخر. إن كوخنا يكاد ينهار فوقنا، ثم سأشتري أحسن الأطعمة لأولادي، وسأشتري لهم ولزوجي أجمل الملابس.‏

أحس بالدفء فعدل جلسته، ثم شعر بالنعاس يداعب أجفانه فأغمض عينيه. ارتاح قليلاً وفتحهما.. رأى السيل يتدفق إلى عمق الكهف وينحدر هادراً في هاوية عميقة جداً. كانت المياه تحفر في جنبات الكهف، فرأى الحطاب الفقير طرف صندوق قديم، كالذي تصفه الحكايات الشعبية، يظهر قرب الصخرة التي في طرف الكهف الآخر. دلك عينيه بيديه، وأمعن النظر فزادت رؤيته وضوحاً. أذهلته المفاجأة فظل كالمشدوه فترة. ولكنه استعاد وعيه وقفز إلى حيث الصندوق، أمسكه بيديه القويتين وشده بقوة. سحبه إلى قرب النار ورفع الغطاء، فشع من الصندوق بريق يبهر النظر. كانت الجواهر والأحجار الثمينة والحلي الذهبية أكثر مما يستطيع خيال الأغنياء تصوره. انحنى الحطاب فوق الصندوق وشده إلى صدره بقوة.‏

ظل منحنياً فوقه زمناً، ثم فطن إلى أن الزمن يمضي سريعاً، وأن عليه أن يقوم بعمل ما. هل يترك الصندوق في الكهف أم يأخذه إلى بيته؟ ألا يأتي أحد ويأخذه إذا تركه؟ ألن يراه الناس ينقله إلى بيته؟ ألن تراه زوجه وأولاده؟ هل يستطيعون كتمان السر؟ ألن تخبر زوجه أهلها وأهله، وكلهم فقراء مثله؟ ألن يطلبوا منه العون والمساعدة؟ أيتركهم يعانون أم يقاسمهم كنزه؟‏

وتضاربت الأفكار في رأسه حتى شعر أنه لم يعد قادراً على فهم أية فكرة. وراحت الصور تمر بخياله وهي على أشد ما تكون من التشابك والاختلاط.‏

عاد ينظر إلى الصندوق. كانت في إحدى زواياه قطعة من الحرير الأحمر، مصرورة على شيء ما. مد يده وتناول الصرة، ثم فكها فوجد داخلها قطعة من الجلد، كتب عليها بحروف مذهبة: "كنزت هذا الكنز، وها أناذا على فراش الموت. بقيت طوال عمري أفكر في مسألة لم أجد لها جواباً مقنعاً: هل أُنفقه فيما ينفعني وينفع الناس أم أبقيه لزمن الشدة، فأنجو به بنفسي وأبعد عني أنياب الفقر؟ لقد أخفيته في هذا الكهف، وعشت حياتي فقيراً، لأنني كنت أخاف الفقر. وأنت يا من وجدت كنزي، ما أنت فاعل به؟ هل ستنفقه الآن أم ستتركه لأيام الشدة؟ لقد متعت نظري بأحجاره الثمينة زمناً طويلاً، وها أنا ذا أفتح عينيّ فلا أرى أمامي سوى شبح الموت... فلتكن حياتي وموتي موعظة لك."‏

رفع الحطاب عينيه عن قطعة الجلد، وخاطب نفسه: "ولكنه لم يقل لي كيف ينبغي أن أتصرف.. هل يريدني أن أنفق الكنز فيما ينفعني وينفع الناس؟ ولكن، ماذا سيكون مصيري حين ينفد الكنز"‏

سقطت قطرة ماء من سقف الكهف على جبين الحطاب فأجفل. كانت شعل النار تلوي أعناقها وتنطفئ الواحدة بعد الأخرى. دلك الحطاب جبينه بيده وتمتم حين لم يجد الصندوق أمامه:‏

ـ أواه، كان حلماً مزعجاً حقاً.‏

ثم نهض وخرج من الكهف. كانت العاصفة قد مضت، وكادت السماء تصفو تماماً. نظر إلى شجرة يابسة وقال:‏

ـ سأحصل من حطبك على ما أطعم به أسرتي غداً.‏

ثم شرع يحتطب بنشاط وعزم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244