|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 09:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قبل فوات الأوان كيف حدث ما حدث؟ إنه الآن جالس قرب فراش أمه العجوز المريضة، والناس يدخلون ويخرجون فلا يعرفه أحد، ولا يعرف أحداً، أمه وحدها هي التي تنظر إليه بحنان وحب، وهي وحدها التي عرفته وأبدت المزيد من الحرص عليه... وشرع يفكر: ما أعظم الحكمة التي تقول: "الدنيا أم"! إن ذهنه مشوش جداً. يحاول أن يتذكر ما جرى فيخيل إليه أنه كان في حلم مزعج... الواقع الوحيد الذي يحسه الآن بكل كيانه هو أنه جالس قرب أمه المريضة. أما الأيام التي مضت فأمرها مختلف. يبدو أنها كانت واقعاً لكنها لم تعد كذلك.. هي الآن ذكرى تطلع من ضباب كثيف ثم تتلاشى في ضباب شفيف يتكاثف ويتكاثف إلى أن يصير جداراً قاتماً لا يشف عن شيء... تدخل امرأة مسنة من الجارات وتجلس قرب فراش الأم، تكلمها بحب وود ثم تلتفت إليه، وهو الجالس غريباً في بيته، وتسأله: كيف حالك يا بني؟ ألم تعرفني؟ لقد غيرتك الأيام كما غيرتنا جميعاً.. أنا جارتكم أم ماجد... وتوهجت ذاكرته، تلاشى الضباب الكثيف وبزغت شمس أخرى.. أجل.. كان لـه أصدقاء وكان ماجد منهم، وكانت لـه مودات وعداوات.. مرت في خاطره ذكرى أيام الطفولة كسحابة ملونة وشفافة.. لقد هربت منه الطفولة، ولا يعرف كيف هربت... يتذكر الآن أنه وجد نفسه شاباً جم النشاط، جم الطموح، كثير الأحلام، وكانت الرياضة البدنية هوايته المفضلة، وكان تحصيل العلم والمعرفة شغله الشاغل. وصار محط أنظار أهل المدينة.. الناس ينظرون إليه باحترام وتقدير، ويتوسمون فيه الخير... وكثرت معرفته وظل متواضعاً.. جاب السهول والغابات المحيطة بالمدينة، صعد القمم العالية، وتأمل الصخور الضخمة، وسمع حفيف أوراق الغار والبطم واكتسب فضيلة التواضع والصمت. قرأ تاريخ البشر فتجسد أمام ناظريه ما لاقت البشرية من ويلات وحروب وشرور كثيرة... كان مكان جلوسه المفضل كهف واسع صعب المرتقى.. لقد صنع سلماً من الحبال يرقى عليه إلى ذلك الكهف الذي يقع فوق صخرة بيضاء رابضة فوق كتف الوادي الذي تتراكض الجداول نحوه لتشكل نهراً يتدفق بمزيد من القوة، ملتوياً بين التلال حتى يصل إلى البحر. راح يجلس هناك ساعات وساعات.. يقرأ ويسجل ما يخطر لـه من أفكار ورؤى.. صار يؤلمه ما يراه في الناس من عيوب، وكبرت في عينيه شرور العالم بعد أن صار يقارنها بسلام الطبيعة ووداعتها. وقرر أن يعتزل الناس كي يتاح لـه البحث عن وسيلة يخلص بها البشر من الشر والفساد، وتساعدهم على إقامة مجتمع إنساني يسوده العدل والمحبة والسلام، مجتمع ينمو فيه ما هو جميل ونافع ويندثر القبح والأذى. وشرع يعد العدة لتنفيذ قراره. راح يعمل بجد وصبر حتى صار الكهف صالحاً للإقامة صيفاً وشتاءً. جر إليه الماء في ساقية من نبع جبلي، وأعد أماكن للمؤنة والنوم والعمل. أعد رفوفاً للكتب وغيرها من اللوازم ومضى إلى أمه وأطلعها على قراره... قالت الأم: -في الإنسان كثير من الشر يا بني.. هذا صحيح، لكن الإنسان ليس شراً كله. أنت لا ترى سوى الجانب المظلم منه.. إنّ في الناس كثيراً من الخير والرحمة ولولا الخير الذي فيهم لما بقيت منهم بقية. قال لها: -أنا لا أكرههم يا أماه! أنا أريد لهم المزيد من الخير... لكنني أكره أن أراهم يزحفون على الأرض زحفاً، أريدهم أن يحلقوا عالياً جداً يا أماه، أن يتأملوا كوكب الأرض الجميل بعيداً عن صخب المطامع والأهواء.. قالت الأم: -الزاحف على الأرض والمحلق عالياً جداً فوقها لا يستطيعان رؤيتها جيداً.. وإذا كنت قد كرهت زحف الزاحفين فلا تزحف بل سر عليها واهبط إلى أوديتها واصعد إلى ذراها ولا تنفصل عن الناس وعنها. إنَّ عمق الوادي قد يظهر المزيد من جلال الجبل، وكذلك حال النظر من أعلى الجبل إلى الوادي. فابق معنا يا بني.. واعمل الخير للناس بين الناس لا بعيداً عنهم. وليكن شعارك: مع الناس ومن أجلهم. قال منفعلاً: -حسبتك جناحاً أطير به عالياً وهل أنا ذا أراك قيداً يمنعني من الطيران.. أريد أجنحة يا أمي، لا أريد قيوداً. نظرت أمه إلى عينيه فرأت فيهما الحزم فقالت بأسى: -ليس الكائن جناحين وحسب يا بني! ودخلت بيتها حزينة... ومضى إلى الكهف غير متردد. كان شاباً شجاعاً ومؤمناً بقضيته فشرع يعمل بجد. يقرأ الكتب والقوانين.. راح يرسم الخطط المثلى مسترجعاً في ذاكرته أفضل النظم من دنيوية وما أتت به الشرائع الدينية من سماوية ووثنية. ومرت الأيام والشهور. كان رفاق شبابه يأتون في الأماسي إلى قاعدةِ الصخرةِ ويليحون لـه بمناديلهم... وكان يرد على تلويحهم أحياناً ثم صار يتجاهل تحياتهم فنقص عدد الذين يأتون ونقص حتى لم يعد يأتي أحد. ونسيه الجميع.. وانهمك في عمله حتى نسي الجميع. مر الصيف والخريف وجاء الشتاء بلياليه الطوال الباردة، وأقبل الربيع وهو منكب على عمله، يبني على الورق مدناً وينشئ مزارع نظيفة، ويقيم المصانع العملاقة الرائعة ويطيع القوانين ثم يعيد النظر في ما أنشأ وأقام... وأعادت الفصول دورتها وتوالت الأعوام. وكان قد أقام حقلاً صغيراً قرب الكهف، وربى بعض الدواجن وزرع في أرجاء الكهف بعض الخضار فكفاه ذلك وسد حاجاته المتواضعة.. وشغله العمل الدائب عن كل ما عداه فلم يفطن إلى أن تراكم الثلوج شتاء، وانهمار الأمطار ربيعاً، وحرارة الشمس صيفاً، وجنون الرياح خريفاً قد فعلت فعلها في الحبال التي صنع منها السلم الذي صعد عليه إلى الكهف فاهترأت وتقطعت كما وهت ثم انقطعت الحبال العاطفية والروحية التي كانت تربطه بالأهل والأقرباء والجيران والأصدقاء.. وأفاق ذات صباح على هدير صاخب فنهض مذعوراً ليجد طائرة مروحية تحط على الفسحة التي أمام الكهف، ثم رأى رجلين يخرجان منها ويتجهان نحوه. حياه الرجلان باحترام وأخبراه أن أمه مريضة وتريد أن تراه. ارتعد كمن يفيق من كابوس.. لقد نسي أن لـه أماً وأن لـه مدينة. وعاد مع الرجلين فوجد المدينة قد تغيرت، ووجد الناس قد تغيروا.. لقد هرم بيتهم كثيراً وهرمت أمه المسكينة.. وحين نظر إلى المرآة رأى الشيب يغزو شعره. وعلى الرغم من ذلك لم يقنط بل قرر أن يستدرك ما فات، وأن يبدأ من جديد، وقرر أن يكون كالنسر يعود إلى الأرض بعد تحليق فيفيد الناس بما اكتسب ويستمد القوة منهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |