رجلٌ وامرأة في حوض السمك ـــ وليد فاضل

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تداعيات محتضر

"غرفة ذات أنوار باهتة، سرير مرتفع سجيَّ عليه الرجل المحتضر بالقرب منه خادمه عبد البصير".‏

الرجل : أين أنت يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: بالقرب منك يا سيدي.‏

الرجل : لكنّني لا أبصرك.‏

عبد البصير: إنك يا سيدي مريض، أعني على عتبة الموت.‏

الرجل : أنت سعيد لموتي يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: إنني يا سيدي، كالكلب الذي سيفقد سيده، ماذا سيفعل، لا أدري.‏

الرجل : ستبقى في هذا المنزل.‏

عبد البصير: إنه منزلك يا سيدي، ولك ورثة.‏

الرجل : الوصية واضحة، لك حق الانتفاع في المنزل حتى موتك، ولن يؤول إلى الورثة إلا بعد موتك.‏

عبد البصير: أخشى ألاعيب الورثة. ثم، ما نفع المنزل يا سيدي إن فقدتك؛ وصرت وحيداً، بلا سيّدٍ أخدمه. إنّ هذا يعطّلُ جوهر كينونتي.‏

الرجل : من أين سرقت هذه العبارة، جوهر كينونتي.؟‏

عبد البصير: من ورقة رزنامة، هكذا كتبوا خلف الورقة.‏

الرجل : جوهر كينونتي، آه، أعنّي يا عبد البصير.‏

عبد البصير: بم؟‏

الرجل : كي أحقِّقَ جوهر كينونتي.‏

عبد البصير: أنا في خدمتك يا سيدي، وأنا أتمزق حزناً، وقهراً لأنني سأفقد سيّداً، أمضيت حياتي في خدمته، خادم مَنْ سأكون بعدك؟‏

الرجل : لا تحوّلْ الجوّ إلى تراجيديا، إنّهُ مجرد موتٍ يا صديقي، فلا تحزن، وابتسم يا عبد البصير، ابتسم في وجه الموت، إيه، التخلص من هذه الحياة، يوّلد الغبطة والفرح، آه، وأخيراً سنرمي الهمّ والغمّ، والحزن والجنون عن كاهلنا، ونغدو خفيفين، كريشةٍ في مهبّ الريح.‏

عبد البصير: هل أحضر لك الريشة التي كنت تكتب بها؟‏

الرجل : وأحضر لي مهب الريح. دواة الحبر.‏

عبد البصير: حاضر يا سيدي.‏

"يحضر عبد البصير دواة الحبر، وريشة الكتابة".‏

هذه ريشة الكتابة، وهذه دواة الحبر.‏

الرجل : أنظرْ، هل الدواة ممتلئة بالحبر؟‏

عبد البصير: نقطتان.‏

الرجل : ما هذا يا عبد البصير؟! وكيف سأكتب هناك؟! تلقي بي إلى الآخرة بنقطتي حبر؟! املأ الدواة يا عبد البصير. فأمامي مرافعات كثيرة، وأفكار وآراء، ومشاعر وخيالات وعواطف، وتسجيل لمشاهد حياتية، هذا يحتاج لصفيحةٍ من الحبر، وآلاف الأوراق.‏

عبد البصير: وهل ستعمل محامياً مرة ثانية، أو مراسلاً صحفياً.؟ يا سيدي هناك الأخبار منقطعة.‏

الرجل : منقطعة؟ كيف؟!‏

عبد البصير: لا تصل إلى هنا.‏

الرجل : هناك رقابة؟!‏

عبد البصير: لا، لكن يبدو أن وسائل الاتصال غير متوافرة، أو غير صالحة، ربما أدوات اتصالهم، لا تصلح للتعاون مع عالمنا.‏

الرجل : نَفِّذْ ما أقول لك.‏

عبد البصير: حاضر "يأتي بصفيحة الحبر، غالون كبير". هذه هي صفيحة الحبر.‏

الرجل : إذنْ املأْ زجاجة الحبر.‏

عبد البصير: حاضر "يفتح الصفيحة، يضع في المحبرة قمعاً صغيراً، ثم يسكب الحبر، حيث لا تنزل أيةُ نقطة من الصفيحة".‏

الرجل : ما هذا يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: يبدو يا سيدي، أنَّ صفيحة الحبر فارغة تماماً.‏

الرجل : ما هذه المهزلة يا عبد البصير، كيف سأسافر بدون حبر؟ ثم الورق، أين الورق الذي سأكتب عليه؟‏

عبد البصير: في الحال يا سيدي "يبتعد ليحضر الورق".‏

الرجل : إيه، حين يصير الورق ضرورياً ينفد، ماذا أحضرت يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: أوراقك يا سيدي.‏

الرجل : أوراقي؟‏

عبد البصير: هذا ما وجدته.‏

الرجل : "يتناول الأوراق من عبد البصير" لكن هذه الأوراق مدونٌّ عليها، آه، لا يوجد مكان فارغ لأخطَّ حرفاً واحداً، أريد أوراقاً بيضاء لأدوِّن عليها أفكاراً جديدة، وأرسم ملامح عالمٍ جديدٍ، عالمٌ بلا أفكار لا معنى له يا عبد البصير، وهناك أعتقد أنَّ العقل سيتحرر من ثقل التراب والجسد، والمعدة والشهوة، إذن هناك سيكون العقل الكامل، في أبهى حلله، وأسمى صفاته، التحرر من جاذبية المكان، وغطرسة الزمان.‏

عبد البصير: آسف يا سيدي، لا يوجد في الدّار ورقةٌ بيضاء واحدة.‏

الرجل : وما العمل يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: ارحلْ يا سيدي، وسأرسلُ لك أوراقاً بيضاء فيما بعد.‏

الرجل : ترسل لي أوراقاً بيضاء، إلى أين؟‏

عبد البصير: حيثما تكون، فقط أرسلْ لي عنواناً وسأرسل لك ما تحتاج إليه، في البريد الجوّي.‏

الرجل : عن أيِّ بريدٍ تتحدث يا عبد البصير، هناك كما قلت حواجز، ورقابة، وتفتيش، وتعتيم، لا، بل هناك إنارة، أراها الآن، آه، ما أجمل هذه البرودة، وهذه الذرا، بل هذه المروج من الضوء الأخضر، والبنفسجي، بل حتى الأبيض، الوردة البيضاء أراها الآن. "يدمدم".‏

يا ورد مين يشتريك وللحبيب يهديك لمن سأهدي هذه الوردة، لحبيبتي، لكن من هي.؟ إنّها أمي. أراها الآن زهرة ملائكية نضرة، آه، كانت تخفي نفسها في جلدها الآدمي.‏

عبد البصير: أتريد شيئاً آخر يا سيدي؟‏

الرجل : كوب ماء.‏

عبد البصير: حاضر ياسيدي"يأتي بكوبٍ ماء فارغ.".‏

الرجل : ما هذا يا عبد البصير؟ ما هذه الخدمة؟ تأتي لي بكوب ماءٍ فارغ وأنا على أعتاب السفر.؟!.‏

عبد البصير: آسف يا سيدي، المياه مقطوعة في الصنبور، وفي البرّاد لا توجد نقطة ماءٍ واحدة، هل أستعير كوب ماءٍ من عند الجيران.‏

الرجل : ماؤنا غير ماء الجيران، لا تخلطْ ماءنا بماء الجيران، ليبقى نقياً، صرفاً.‏

عبد البصير: إنني يا سيدي رهن إشارتك، فقط مُرْني، هل أعيد الكأس إلى مكانه.‏

الرجل : بل هاته وهو فارغ، سأشرب به هناك.‏

عبد البصير: أتريد شيئاً آخر؟‏

الرجل : بطاقة السفر، تأكدْ منها، موعد الإقلاع، ووسيلة الطيران.‏

عبد البصير: "يحضر بطاقة السفر، يفتحها" البطاقة بيضاء يا سيدي.‏

الرجل : ما هذا الإهمال؟ كيف ترضى أن يخدعك موظفو مكتب الطيران؟ دفعنا الكثير للحصول على هذه الرحلة، ومع ذلك، يعطون بطاقة بيضاء؛ لا يوجد عليها زمان ومكان الرحلة، بل ولا اسم المسافر.‏

عبد البصير: هناك يا سيد ملاحظة.‏

الرجل : ما هي؟‏

عبد البصير: ضع نقطتي حبرٍ على البطاقة، تظهر المعلومات لصاحب البطاقة فقط.‏

الرجل : كم نقطة حبرٍ بقيت في الدواة.‏

عبد البصير: نقطتان.‏

الرجل : إذن ضعهما على البطاقة، لتظهر المعلومات.‏

عبد البصير: ستظهر المعلومات لك فقط.‏

الرجل : هذا ما أريده.‏

"يضع عبد البصير نقطتي حبرٍ على البطاقة". إيه، هل ترى شيئاً.‏

عبد البصير: الصفحة كلها بيضاء، لعلّه من الأفضل أن تنظر إليها أنت، ربما أخفوا المعلومات من أجل سلامتك.‏

الرجل : هاتِ يا هذا. "يعطيه عبد البصير البطاقة"‏

إيه، كيف تدّعي يا عبد البصير، أنَّ البطاقة بيضاء، وفيها كلُّ هذه المعلومات، زمان ومكان الإقلاع، من أي مطارٍ سنقلع، اسم المسافر وساعة الوصول، يبدو أن أمامنا لحظة انتظار، وبعدها نتابع الرحلة، ونغادر غرفة الترانزيت، كم الساعة معك؟‏

عبد البصير: آسف يا سيدي، يبدو أن ساعتي قد توقفت.‏

الرجل : "ينظر إلى ساعة يده" لكن ساعتي لا تزال تعمل!!‍‏

عبد البصير: ربما كان زمنك غير زمننا يا سيدي.‏

الرجل : هكذا يبدو، حسب ساعتي، لم يبق سوى عددٍ محدودٍ من الدقائق، وبعدها تنطلق الرحلة، أتريد توصية يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: هناك رسالة، آمل أن تسلمها لأبي، سافر منذ خمسين عاماً.‏

الرجل : أمعك الرسالة؟‏

عبد البصير: نعم يا سيدي.‏

الرجل : وعليها الطوابع.‏

عبد البصير: أجل يا سيدي، لكن لا أدري إن كانت الطوابع المناسبة.‏

عبد البصير: هاتِ الرسالة يا عبد البصير، "ينظر إليها" إيه، ما هذا يا عبد البصير، تهزأ من رجال البريد هناك، مثل هذه الطوابع، غير معترفٍ عليها هناك، تحتاج لطوابع أخرى.‏

عبد البصير: وأين سأعثر على تلك الطوابع؟‏

لا تهتم، في محفظة جيبي، عدد من الطوابع التي تصلح، سألصق واحداً عليها.‏

"يقرع الباب، يدخل رتلٌ من النساء اللواتي يلبسن السواد، وبيد كل واحدة منهن رسالة".‏

الرجل : ما هذه الفضيحة يا عبد البصير، من هاته النسوة؟‏

عبد البصير: إنهنّ الأقارب والجيران.‏

الرجل : وماذا يردنَ يا عبد البصير.‏

عبد البصير: وضع الرسائل في صندوق البريد.‏

الرجل : وهل أنا صندوق بريد يا عبد البصير؟‏

عبد البصير: لا أدري يا سيدي، لكن يبدو أنَّ الوضع الجديد، هو كذلك.‏

الرجل : يا أخي، لا أستطيع، هناك مؤسسة البريد والبرق والهاتف، ليذهبن إليها، إن لم يفلحوا بالبريد هناك الهاتف، وإن كان الهاتف معطلاً ليستعملوا البرق، البرق أسرع.‏

امرأة 1 : يا سيدي إنها لابني خالد.‏

امرأة 2 : إنها لزوجي أبو زياد.‏

امرأة 3 : إنها لأختي سعدية.‏

امرأة 4 : إنها لخطيبي عبد السلام.‏

امرأة 5 : إنها لأمي شهدية.‏

امرأة 6 : إنها لصديقي وحبيبي سامر.‏

الرجل : ألا توجد من تودّ إرسال رسالة لصديقتها؟ "صمت" ياعبد البصير، خذْ الرسائل، وعدّ الطوابع في محفظتي.‏

عبد البصير: حاضر"يعود بالمحفظة" عدد الطوابع يا سيدي ستة، كعدد النسوة.‏

الرجل : هناك رسالة لن ترسل إذن؟‏

عبد البصير: أجل.‏

الرجل : أيتها النسوة، هناك رسالة لإحداكن ستُلغى فمن تختار أن تلغي رسالتها. "صمت"‏

إن لم تلغ رسالة، فلن آخذ أية رسالة. "صمت".‏

عبد البصير: أنا ألغي رسالتي، خذ رسائل النسوة يا سيدي، فالنساء أولاً.‏

الرجل : ضعن الرسائل فوق جسدي، وارحلن.‏

"تتقدم كل واحدة، تضع رسالتي على جسده وتخرج، بحيث يغطَّى جسده بالرسائل.". ضع الرسائل في جيبي يا عبد البصير.‏

عبد البصير: جيبك اليمنى أم اليسرى؟‏

الرجل : رسالتان في الجيب اليمنى، وأربع في اليسرى..‏

عبد البصير: أيُّها في اليمنى، وأيها في اليسرى.‏

الرجل : ضعْ ولا تنظر.‏

عبد البصير: حاضر. يا سيدي. "يضع الرسائل".‏

الرجل : حسنٌ، أتت المضيفة لاصطحابي إلى الطائرة، يبدو أننا سنعبر النفق أولاً، أتريد شيئاً يا عبد البصير؟..‏

عبد البصير: قبلة الوداع.‏

"يقبّله" جبينك باردٌ، وأنت ميت، جبينك باردٌ وأنت حيٌّ".‏

22/2/2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244